الاثنين، 13 يناير 2014

تونس بعد ثلاث من السّنوات العابسات الكابسات

 قالوا أن للحرية ثمنا. ولم يقولوا أن هذا الثمن هو فوضى وانعدام روح المواطنة وشيطنة المخالف وغياب البصيرة النافذة والقوة القيادية الفعالة والحكيمة ودكتاتورية الايدلوجيات.

 ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. توفيق قريرة

تمرّ بعد يوم أو بعض يوم ثلاث من السنوات الكبيسات على تونس منذ أطاحتْ بحُكم بن علي ودخلت مرحلة جديدة تحت راية ما سمّي على سبيل العادة بالثورة وإن كانت التسمية ما تزال تفقد شيئا فشيئا بريقها الأوّل بفعل الفرق بين وقع الثورة ووقع التجربة السياسية والثقافية والاجتماعية التي عاشتها البلاد في السنوات الثلاث السابقة.



لقد عاشت تونس ثلاثا من السنوات العابسات الكابسات أثرت في المزاج العامّ والخاصّ، ولسنا نبالغ في شيء إن قلنا إنّها خلقت جوّا من الفوضى التي لم تكن البتّة خلاّقة، فوضى يصعب رأب صدوعها في مستقبل الدهر القريب.

فلقد كشفت مجريات الأحداث طيلة هذه السنوات كثيرا من المستور الذي كان سواده أكثر من بياضه، وعرّت قبحا كان مدفونا وراء تجميل النظام السابق لكل عيب، وأبانت عن عجز لدى طبقاتنا السياسية ولدى مثقفينا عن بناء تصوّرات بنّاءة يمكن أن تصنع جوّا من التعاون من أجل الدفع بالبلاد نحو الأرقى. فلقد غاب عموما خطّ التفكير البنّاء من أجل مصلحة الوطن الواحد وغاب الحراك الحيوي الخلاق ليحلّ محله ضرب من التنافس على السلطة وعلى الاستقطاب الداخلي والخارجي.

نقول ذلك ولا ننفي الاستثناءات التي كانت كتغاريد خارج السرب لم يلتفت إليه أحد على وجاهته.. وعاشت البلاد تحت ضغط حركة تدافع متشنجة في الغالب يغطي فيها التشنج والانفعال وعلى التفكير الرصين والحكيم.

تراجعت نسبة التفاؤل الأولى تلك التي دفعت إلى خلق استعارة الربيع للثورات العربية، تراجعت بعد أن اكتشف الناس أنّ تغريدا واحدا لا يمكن أن يصنع فصلا متكامل العناصر ولا مشهدا ربيعيا منتناسقا. لم يحدث ذلك لأنّ العقول لم تكن متهيّئة لصدمة النقلة من الاستبداد إلى الحرية؛ فلقد كانت تُحرّك كالدمى وخيوطها بيد سلطانها الأوّل فصارت بين عشية وضحاها وخيوطها بين أيديها، فلا تعرف كيف تتحرّك من نفسها حركة في اتجاه ما تريد.. بل هي لا تعرف ما تريد بعد أن عاشت دهرا يراد لها ويدبّر أمرها وتختار وجهاتها.

كانت السنوات كابسات لأنّ النتائج التي تولّدت من الحراك الشعبي لم تكن في مستوى الآمال فلا البطالة تراجعت نسبها بما يكفي ولا السياسة صارت فعلا بيد الشعب ولا المعاش صار ممكنا ولا المعاد صار مفهوما مثلما كان من قبل إذ دخلت على الخط ثقافات جديدة حدودها الفكرية تصل إلى حدّ التقاطع مع التكفير. وما حملته الثورة من ريح للحرية صار وبالا فبدلا من أن يؤسّس المفكرون والمثقفون لحياة فكرية ديمقراطية ويترك للثقافة الخلاقة وللفكر الفذّ القيادة غطّت السياسة على كل شيء وجلبت إلى دائرتها قليلا من السياسيين المحنكين وكثيرا من الطفيليّين بل وجدنا في حلبة السياسة الرياضي والممثل والمطرب والجامعي والأديب.. استيقظت من سباتها أجيال من الساسة الذين اشتغلوا مع بورقيبة وباسمه رفعوا شعارات الإصلاح والعودة إلى التجارب الأولى ولأوّل مرة انتكس الفعل الثوري ليصبح مجرّد إعادة إنتاج لمنوال قديم غير ثوري في الأصل.

وفي هذه الهوّة ما تزال الحركة السياسية تراوح مكانها يتبعها شعور عامّ بأنّه ليس في الإمكان أحسن ممّا كان وأنّه لا يمكن إيجاد منوال جديد في التنمية والسياسة والاقتصاد غير منوال الحكومات السابقة وبرز شعور هو كالحنين إلى العهد السياسي القديم رسخه يأس من الخروج من دوائر الفوضى والخلاف والصراع وجميعها بات علنيّا.

لقد خرس صوت الشباب الحي بعد فترات من الصياح والحراك الشكلي وعاد الشباب شعارا مثلما كان من قبل وليس كما أريد له أوّل الربيع: فعلا ثوريا وتأسيسيا؛ وأعيد التكتّل لا على أساس برامج وطنية صريحة ولكن على أسس إيديولوجية وحزبية ضيقة ووقتية وصار الليل زمنا سحريّا فيه تدبّر الأمور بسترة وبتقيّة وبأياد ليست بالضرورة نقيّة.

يردّ بعض المتفائلين الأمر إلى أنّ الشعب بخاصته المثقفة وبعامته المنغمسة في تفاصيل يوميّها لم يتعوّد على الديمقراطية وسمعنا شعارات من نوع " التدرّب على الديمقراطية" أو "السنوات الأولى من الديمقراطية" أو غيرها من الشعارات التي تطلب الصبر على أذية الفوضى والخلافات السياسية التي تمجّ الأسماع.. بيد أنّ المسألة هيكلية والأزمة عميقة لن تحلّ على مدى سنوات تعدّ بأصابع اليد الواحدة لأنّها ترتبط بغياب الأرضية الثقافية الصالحة لإنبات الديمقراطية منبتا صالحا: فلا البرامج التربوية تؤدّي إلى خلق التلميذ المواطن ولا الإعلام مهيّأ لإنتاج وعي خلافي بنّاء ولا المؤسسات الدينية قادرة على نشر ثقافة تسامح حقيقية ولا المؤسّسات السياسية اللاهثة وراء السلطة قادرة على إنتاج خطاب سياسي وطني جامع يكون فيه الخلاف والإيلاف فقط حول مصلحة الوطن وليس حول بؤرة الحزب أو الإيديولوجيا التي مهما اتسعت فإنّها تبقى إقصائية نفعية عرجاء.

لقد ارتكبت الطبقة السياسية كثيرا من الأخطاء هذه نتائجها وبعض من حلولها:

أوّل الأخطاء وأعظمها في رأينا اعتماد فترات مؤقتة من الحكم كان من أبرز نتائجها أن أضعفت هيبة الدولة بما أنّه فُهم من المؤقّت ضعف الهيمنة وأنّ السلطة لا بدّ زائلة.. وهذا التفكير طبيعي لدى كلّ من تعوّد على الحكم الأبدي الذي لا يعلم له بداية ولا نهاية إلاّ ربّ العالمين وبعض أرباب السلطان الذين لهم قرار التسمية والعزل. وممّا زاد من فداحة الأمر أنّ المؤقّت صار فترات وحقبا لكل فترة حكومة ورئيسها ووزراؤها ومحافظوها ومديروها العامون.. أبشع النتائج التي استخلصها التونسي في هذه الفترة أنّه حين يصبح المسئول مؤقتا تضحي سلطته مضعفة ومنهوكة ويصبح أمره غير نافذ. في الأمر خلل كبير في الوعي الشعبي البسيط قائم على تصوّر ثنائي للسلطة: الآمر والمأمور وليس يوجد الركنان الأساسيّان: القانون وحفظ المرافق والأشخاص الذين يتصرّفون بحكمة وهم قلة تقوم عليهم وعليهم فقط أعباء البلاد: هم أشخاص يرون مصالح البلاد ويتصرفون في كنف من النظامية التامة التي تراعي الواجب الوطني.

ثاني الأخطاء في رأينا بناء مغلوط للمؤسسات السيادية أو توزيع غير محكم لأدوارها. فالمجلس التأسيسي ـ وهو فكرة ليست ملائكية مطلقة ولا شيطانية مطلقة- أثقل بأدوار تجاوزت دوره الأساسي وهو كتابة الدستور، هذا النصّ الذي صوّر وكأنّه حلّ البلاد السحري والحقّ أنّه نصّ يمكن أن يلغيه أيّ انتكاس استبدادي، وأرهق أعضاؤه بالمسئوليات والأعمال ومنها ما يبدو في بعض الأحيان شكليّا فمثلا لا معنى لمراقبة عمل الحكومة إنْ كانت الرقابة الفعلية متأتية من المعارضة التي ليس لها سلطة اتخاذ القرار الحاسم باعتبار أنها لا تمثل الأغلبية. إذ المراقبة الحقيقية تنبع من سيادية أخذ القرار بما في ذلك سحب الثقة. ولقد فهمت المعارضة هذه المسألة فالتجأت إلى وسائل ضغط أخرى عطلت المسار الانتقالي وكتابة الدستور ومارست ضغوطا كان الهدف الأخفى منها إرباك التحالف الحاكم والأظهر رفض الرجوع إلى الاستبداد. ولقد كانت مشاهد الصراع المنقولة بوسائل الإعلام ممّا عكّر المزاج السياسي العامّ وقاد إلى ضرب من الشعور بالإحباط واليأس من القوى السياسية لأنّ الأزمات قد صارت إلى صراعات والصراعات تولّدت عنها اغتيالات وسال دم التونسي بأياد تونسية من أجل صراعات حزبية وإيديولوجية لم ينتفع منه لا الوطن ولا المواطن.

ثالث الأخطاء: العدول عن نقاش المسائل المصيرية إلى مسائل هامشية وقليلة القيمة: لقد قامت الثورة من أجل تشغيل المعطلين وإيجاد ضرب من العدالة التنموية بين الجهات والحرص على إيجاد مناخ فكري وسياسي وتربوي حر. كل هذا استطاعت النخب السياسية اعتمادا على صراعات إيديولوجية غير مفيدة أن تمحوه وتجعله من المسائل الثانوية. فلم تنجح الحكومات المؤقتة المتتالية في التركيز على هذه المسائل. فبدلا من الاهتمام بالمعطلين كثرت مطالب العاملين بالزيادات والعلاوات.. ولكي يحكم من يحكم بسلام وبدعوى إنقاذ الدولة استجاب للمطالب المشطة دون أن ينتج خطابا مقنعا في حساسية الظرفية ماليا واقتصاديا وأمنيا وأنّ ما تعطيه الدولة باليمين ينبغي أن تعيده أضعافا بالشمال إزاء نقص الموارد وعزوف عن العمل وكثرة قطع طرقه..

ولم يعد للدولة من سلطة فعالة في المبادرة وأخذ القرار وتعلم التونسي أنّه إنْ أغلق الطرق وسدّ المنافذ وشلّ شرايين الحياة فمن الممكن أن تتراجع الدولة عن قراراتها.

كم كانت السنوات الثلاث ارتجالية في كلّ شيء صحيح أنّ للحرية ثمنا لكن حين يكون ثمنها الفوضى وانعدام روح المواطنة وشيطنة المخالف وغياب البصيرة النافذة والقوة القيادية الفعالة والحكيمة فإنّ الحرية ستكون لعنة على طالبيها. وسيؤدي الأمر في النهاية إلى وجود ضرب من الدكتاتوريات الجديدة هي دكتاتورية الجماعات المتصادمة: الكلّ يكوّن مجموعة ضغط تتصادم فيما بينها لا من أجل مصالح الوطن بالضرورة بل من أجل، مصالح ضيقة حزبية أو أيديولوجية أو سياسية أو غيرها.

د. توفيق قريرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق