الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019

من خريطة الكنز إلى خريطة الطّريق

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
 نصحوني وأنا أنوي أن أجوب البلاد طولا وعرضا بخريطة طريق.. هناك كلمات تكرهها، رغم أنّها مظلومة ومحايدة وطيبة ومسكينة، تكرهها لا لذاتها فليس للكلمات ذواتٌ وليس للكلمات من صفات فحتى ما نقوله عنها من أنّها جميلة أو قبيحة شيء من أنفسنا لا من أنفس الكلم.

الأربعاء، 25 ديسمبر 2019

خُبزُ التنورِ والعولمة

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
لِمَن لا يَعرف التنور في ثقافتنا المَحلية فَهو فُرنٌ يُبنى من الطين، ثم ينصب في مكان بعيد عن المطر ينضج فيه خُبزُ الحِنطَةِ المُخَمرُ، بعد أن يُحمَى جيدا.
في الريف التونسي المتناثرِ هنا وهناكَ في الشمَال الغَربي كَانَ خبز التنور مع الكُسُكسي الطعامين الأسَاسَيينِ؛ بل هُمَا هويتانِ غذائيتانِ تشكلان نوعا من الميزة الثقافية الدالة، التي يمكن أن تراها بعيني سيميائي لا يرى في الطعَام حاجة، بل تَعبيرة ثقافية.

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2019

تشابكت الأيدي وعَلَت الأصوات

القدس العربي
الدكتور توفيق قريرة
أفتح عَيْنًا وأُغْمِضُ عَيْنًا كطفل متكاسل لم يجاوز السنتين.. كطفل ينتظر مَنْ يُوقِظَهُ: يدٌ تشعره بأنّه مركزُ الكون، وشَفَةٌ تمدحه وتقول له أنت عمري وأنت قمري وأنت روحي.. ثمّ وهي تنهي حروفها تقبله عنيفا فيصوت ضجرا ككل صاحب فضل لا يريد أن يُلمَسَ إلاّ بالشّفاه الرائعة. أَظلّ أمثّل دور الطفولة الضّائِعَة بيني وبيني فأفشل ككلّ صباحٍ.. أفشلُ لا لأنّ الطفولة ولّت، بل لأنّي اكتشفت منذ قرابة السّتة العُقود، أنّي لم أعدْ مَرْكز الكون.. أنا لا أدري متى اكتشفتُ أنّي لم أعد في بؤبؤ عين الكون، لكنّ المؤكّد أنّه لا أنا ولا أنت ولا أيّ واحد ممّن يقرأ هذا ويعجبه، أو ممّن يقرأ هذا ولا يعجبه، أنّه في مركز الكون.

الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

طَائرٌ مُعَطَّرُ الجَنَاحِ

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
رغم أنّ الطّيور لها مشاغلها مثلما للبشر مشاغلهم، فإنّهم يُغنّون وبحبيباتهم يتغزّلون؛ بل إنّ للذكور منهم عطورا وللإناث عُطورا يتعطران بها حين يَتَمَرّغَانِ في الورود.. أشدّ العطور رفعة عند الطيور هي التي تَجدها في الزهور الشّائكة، يتحمّل العصفور الشّوك وهو يتمرغ في قلب الزهرة، حتّى يظفر منها بعطره الممتاز..

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019

الزيتون… في خبر كان

ليس شيطان الشعر وحده هو الذي يسكن قلوب الشعراء ويظلّ يدوي كنحلة دخلت صدفة إلى غير خليّتها، ولم تعرف طريقها إلى الخروج. هناك شيطان النّحاة أيضا وشيطان اللسانيّين. شيطان النحاة يلبس جبّة ويقول لمن امتهن النحو، ليس في الجبّة إلاّ النحو، ولكنّ شيطان اللسانيّين يلبس قبعة إفرنجيّة ويدخّن غليونا ويلعب بلحيته الكثّة، ويبدو غير آبه بالزنابير، ولا يقول ما يقوله النحاة من حلوليّة النحو في جبّتهم، بل يقول: أنصتوا للناس إن هم تكلموا، وإن هم أشاروا فهناك الحياة وهناك الكون كلّه.

دعِ المفتاحَ في الباب وانصرفْ

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
كتبتُ: «هذا المساءُ ليس كأخواته، يأتي فيه الليل في وقته وينسحب النهار في وقته، النجوم في مواضعها غير أنّها لا تُرى والشمس غابت بلا أسف ولا فرح، والقمر نراه فيخدعنا فهو يختبئ في منازله يغلق عليه شبابيكه ويقرأ أخبار المَساء، نراه من خلال الستائر كأنّما نراه بلا ستائر، هو يقرأ أخبارنا ويضحك في منازله، وحين يغلق القمر على نفسه الأبواب، ما أسرع ما يضحك، لوحده يضحك، ولوحده يسعد ولوحده يقول أشياء لا معنى لها ويسقط من الضحك، وأكثر ما يضحكه من أخبارنا: هذا عادي.