الثلاثاء، 9 يونيو 2020

مناعة القطيع في عصر طَرَفَة بن العَبْد

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
لا أحد أكثر من اللسانيين إيمانا بأن اللغة مخبرٌ يمكن أن تتابع فيه كل التجارب الإنسانية فقط عليْك أن تعرف كيف تراقبها بعيون الدقة وبمجهر الحذر لا بعيون الطفيليين المتسرعين.


طُقُوسِيةُ غَسْلِ اليَدَيْنِ

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
حين تغسل يديك كل يوم فهذا سلوك حِمائي، لك الحق أن تحدد فيه كيفيات الغسل بالطريقة التي ترى بها الحماية؛ وحين تغسل يديك في كل وضوء فإنك ستغسلها بقواعد الوضوء التي تعلمتها وفق ترتيب معلوم، ليس لك أن تخرج عليه. هنا صار لغسل اليد وظيفة رمزية، انتقلت عبر السنة وحافظت عليها الثقافة الإسلامية. وغسل اليدين هو مرحلة من المراحل التي ينبغي عدم فصلها عن البقية، ومعلوم أن غسلك اليومي ليديك شيء وغسلك لها عند الوضوء شيء آخر، ولكليهما دلالة رغم أن الطريقة يمكن أن تكون واحدة.

لمن عبقُ الزهور والأنوف في الحَجر؟

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
الزهور تركت لربيعها هذا العَام.. ستُقطف في هذا الربيع زهورٌ أقل فلِمَنْ عبْقُها والأنوفُ في الحجْرِ؟ سيجري الماء في الجداول حرا أكثر وسوف ينتصر السحاب على أمواج الضباب المنبعث من المصانع.. هذا كله بديع عند أحباء البيئة، ومن منا لا يحب البيئة؟ لكن ما قيمة الزهرة إن هي لم تُشم وما قيمة الماء إن لم تلامس عذوبتَه ساقٌ عاجية؟ هذا العام تعيش الطبيعة الخام دورتها بلا إزعاج، فالفراشة بلا كماشة صياد، والغزال بلا شراك، والنحلة تنتقل بلا عين تتسقط مسارها. تحتاج الطبيعة سلامتها لكنها تحتاج أيضا وسيطا بشريا ليفعل فيها.. ووسيطا لغويا ليقولها، ووسيطا فنيا ليرسمها بشكل أجمل.

يَا مَنْ عَاش!

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
قد لا تتفاجأ من الحَجر الصحّي في العالم ، لأنّك كنت تعيش بينك وبين نفسك أكثر ممّا كنت تعيش مع الناس. أن تكون وحدك ليس ألاّ تكون مع أحد بل أن تكون كَلَا أحد! هو أن تكون كبصمتك فلا تتكرّر في يد أخرى وهو أن تكون حياتك عكس جِيناتك : تخلقها ولا ترثها.


مسافة الأمان


الدكتور توفيق قريرة
العربي الجديد
تقف هذه الزاوية مع الكتّاب العرب في يومياتهم أثناء فترة الوباء، وما يودّون مشاركته مع القرّاء في زمن العزلة الإجبارية
.
في هذه اللحظة التي أكتب فيها إليكم أكون جالساً في مكان نسمّيه "الفيرندة" غير أنّه ليس زجاجياً. الساعة تقارب الرّابعة مساء. أجلس وحولي طيورٌ غَزلة تسكن إحدى شجرات الحديقة. زوج من الطيور يريد أن يبحث له عن عشّ في بيتي. لن يستشير الزوج أيّ واحد منّا في هذا البيت؛ لقد شرع في جلب القشّ الجافّ يضعه حيث قرّر. دخلت العصفورة المكان وقلبته وقبلت به في النهاية.

عوالم الفيروس الممكنة

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
فكرة العوالم الممكنة Possible worlds المبسطة تقول، إن هناك عوالم أخرى غير عوالمنا الحقيقية التي نعيشها. ولكن هذا ليس كل شيء، فالعوالم التي نعيشها يمكن أن تكون هي أيضا عالما ممكنا غير أننا نعيشه على أنه عالم فعلي Actual world .

الصوم عن الكلام والصوم بالكلام

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي 
 حين يستعمل لفظ الصوم فإنّه يعني انقطاعا عن الأكل والشراب بين وقتين معلومين، ولا أحد يبدر إلى ذهنه، أن يكون الصوم صوما عن الكلام أيضا. أن تصوم عن الكلام هو أن تنقطع عنه حين تحتاجه مثلما احتاجته السيدة العذراء، كي تدافع عن نفسها أمام قومها، وقد اتهموها أنّها جاءت شيئا فريّا.

لو كان إبليس عربيا… لانْصرف!

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي 
ما زالت هذه الجملة التي أوردها موفق الدين بن يعيش النحوي في شرح المفصل تثير انتباهي. ذكر ابن يعيش هذا الكلام وهو يتحدث عن أسباب منع الصرف” أو « الأمكنية» في الإعراب، وهو حرمان الاسم المعرب من الجر والتنوين. فقد اجتمع في «إبليس» سببان حرماه من الانصراف، وهما العلمية (أنه اسم عَلَمٌ) والأعجمية (كونه اسما غير عربي). لذلك لا يمكن أن تقول في الكلام (مررتُ بإبْليسٍ) بل (مررتُ بإبْليسَ). في سياق شرح مبسط، ومن باب شرح الشيء بما يخالفه، افترض النحوي أن إبليس كان من المكن أن يُعرب إعرابا تاما (رفعا ونصبا وجرا وتنوينا) لو لم يكن أعجميا. لأن العلمية بمفردها لا تمنعُ الصرف. إلى حد الآن يبدو الأمر عاديا في علم النحو، وإن كان ثقيلا على كارهي انضباط النحاة، وكلامهم على كلام الناس، بما لا يفهمه عامة الناس.

الحَبة والقبة

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
يشدني وأنا أقرأ شرح الشعر العربي القديم أو تفسير القرآن، ما تراكم من نصوص حول بيت أو آية وأعجب من هذا الركام الكثير، الذي كان لا بد أن يحدث إزاء استمرار عمليات الحفر في بؤرٍ دلالية واحدة على امتداد قرون. يذكرني هذا الحفر بمثل شعبي تونسي يقول ما تفْصيحه (من الحبة عملوا قبة).