من عيوب الديمقراطية أنها سمحت لمن لا يقدر أن يبني أفكاره ولا تعابيره بوضوح أن يفتك مكان آخرين ممن لهم الكفاءات.
العرب د. توفيق قريرة [
في لقاء لرؤساء البرلمان الأوروبي الأربعاء تم الاتفاق على “التحسين من نوعية القوانين الأوروبية بأن تكون بسيطة وواضحة حتى تضمن فهما واسعا للقوانين وحتى يتمكن المواطنون في الاتحاد الأوروبي من فهم حقوقهم وواجباتهم”.
وصرّح رئيس البرلمان الأوروبي، مارتان شولتز، بأنّ “الاتفاق بين مؤسّسات البرلمان الأوروبي يسعى إلى تخفيف الطريقة التي نتبنى بها القوانين” ويهدف هذا الإجراء في رأيه إلى التّحسين من الأداء الذي به تُتّخذ وتحلل القرارات التقنية والطريقة التي يتواصل بها مع الجمهور.
هذا التصريح الذي لا تتوقف عنده الصّحف كثيرا، يعدّ إجراء مهمّا عند المشرّعين الذين تكون القوانين في نظرهم موضوع تواصل بينهم وبين المواطنين الذين تستهدفهم. وهذه وجهة نظر ترى النصوص القانونية لا من جهة كونها صالحة للاستهلاك الدّاخلي بين المشرّع والمنفّذ، بل من جهة يتدخّل فيها عامل مهم وهو تعامل الجمهور مع هذه القوانين.
والحقّ أنّ اللغة القانونية قد تشكو في كثير من الأحيان جُملة من التعقيدات التي تعود إلى التفكير في بناء النص القانوني بمراعاة الانسجام مع النظام التشريعي المنبثق منه؛ وهذا الانسجام يمكن أن يكون على حساب وضوح القوانين لدى عامة متلقّيها.
فنحن نفهم أنّ القوانين هي نصوص شبه مختصة ونصيب المصطلحات فيها كبير، لكنّ أي نص قانوني تشريعي تكون وجهته عامة الناس ينبغي أن يراعي انسجاما آخر يتعلّق بالجهد الإدراكي للمتقبل العاديّ وهو في هذه الحالة المواطن بقطع النظر عن بساطة تكوينه أو عمقه، وعن سعة الاطلاع لديه أو ضيقه.
الاتفاق البرلماني أعلاه يعيدنا إلى واقع البرلمانات العربية وتفكيرها في تقبّل المواطن البسيط لتشريعاتها وقراراتها، بل والموازين التي بها تزن هذا المواطن في ثقله التشريعي وحضوره الفعّال في ذهن المشرّع باعتباره صائغا للقوانين .
يعود التفكير في إنشاء برلمان عربي إلى ستينات القرن التاسع عشر في تونس وفي مصر، ولئن نجحت مصر في إرساء برلمانها فلقد باءت محاولات التونسيين بالفشل وظلوا يحاولون حتى، وهم تحت الحماية الفرنسية، في المطالبة ببرلمان تونسي؛ وتأسست برلمانات عربية أخرى في بداية القرن العشرين.
وفي بحث حول البرلمانات العربية بينت آسيا بوطالب أستاذة العلوم السياسية في مقال لها مشترك مع جان نوال فارياي الأستاذ الجامعي الفرنسي والمختصّ في السياسة العربية أن البلاد العربية عرفت ثلاث “أمواج برلمانية”.
الموجة الأولى بين سنتي 1920 و1930 وشهدت تشييد الكثير من البرلمانات العربية (المصري واللبناني والسوري والعراقي والكويتي والأردني) والموجة الثانية بين سنتي 1960 و1970 وفيها تأسس البرلمان التونسي فجر الاستقلال عام 1957، والجزائري عام 1962، والمغربي عام 1963. وأخيرا الموجة الثالثة في سنة 1990 في بلدان شبه الجزيرة العربية، وعرفت هذه البرلمانات استقطابات حزبية متعدّدة ومفتوحة كالتي في المغرب ولبنان والجزائر، أو الاستقطاب الثنائي كالأردن والبحرين، أو أحزاب مهيمنة كما في تونس ومصر وسوريا.
وفي هذه البرلمانات فإنّ هرم السلطة يخرج من اللعبة الانتخابية وهذا مفهوم في النظام الملكي والأميري ولكنّه محاط بكثير من التلاعب بالقوانين والتشريعات والدمغجة في النظام الرئاسي، فباستثناءات قليلة في البلاد العربية فإنّ الرئيس لا يفوّت في السلطة إلاّ بالموت والخلع أو الانقلاب، وينجرّ عن ذلك مراعاة هذا المركز السلطوي في التشريعات، فإمّا أن تكون تحت الإملاءات وإمّا أن تكون حبرا على ورق. وسواء كانت القوانين من هذا النوع أو من ذاك فإنّ تمثل المواطن عند صياغتها لن يكون فعّالا. وعلى الرغم من ذلك فإنّ بعض النصوص التشريعية كانت جيدة ولكنّها تمثّل استثناءات للاعتبارات التي ذكرنا.
أغلب البرلمانات العربية ومنذ الاستقلال عرفت نوعا من الاستقطاب الواحد الذي قد يتحكم فيه الجيش أو الحزب أو المحاصصة المذهبية أو حتى يوجّه بأوامر من أعلى هرم في الدولة، وكل ذلك خلق نوعا من الرتابة وعدم التوقع وغياب المفاجأة إنْ في لون البرلمان وإن في القرارات أو المواقف التي تنبثق عنه. فلم يكن البرلمان في غالبية البلاد العربية مراقبا لعمل الحكومة إلاّ في بعض الاستثناءات التي قد يتأزم فيها المشهد السياسي ليحلّ البرلمان ويدعى الناس إلى انتخابات جديدة ومثالنا الأبرز على هذا لبنان والكويت.
كان البرلمان بالنسبة إلى الكثير من النواب جنّة وخير مقام لأنّه مكان للاستثمار في العلاقات والسياسات، وأحيانا حصانة من العسير رفعها تتيح للنائب أن ينزل بغيره النوائب، وليس من اليسير أن يقتنع المواطن البسيط أنّ من انتخبه سيدعم صوته المطالب بالعمل والكرامة والحرية والعدالة والتنمية وأيّة عدالة يطلبها لغيرها ستمكنه من موقع أفضل.
الانتخابات البرلمانية كانت في بعض الأذهان سوقا تدفع أوّلا لتشتري الأصوات أو مقاعد البرلمان لينفتح باب العرش السياسي والاجتماعي، فالبرلمان كان بابا ينفتح على الوزارات أو العضوية في اللجان المركزية للأحزاب المهيمنة، وهذه بدورها تفتح على بوابات أكبر تنفتح على الخارج الواسع الذي تقرر فيه الكثير من المصائر. صحيح أنّ هناك من الشرفاء الذين يدخلون البرلمانات العربية وفي نيتهم التغيير والإصداع بالحق وإيصال أصوات من انتخبوهم لكنّهم كانوا كمطر شحيح في أرض بلقع.
وصحيح أنّ كثيرا من القوانين مرّت من تحت سقف البرلمانات ومنها القوانين الجيدة التي قد يستفيد منها الاقتصاد والثقافة والتعليم، غير أنّ قوانين أخرى كثيرة مرّت من تحت سقف البرلمانات العربية تزيد في التداين والتبعية وتضيّق من الحريات الفردية وتعطي لأصحاب الأموال سلطات جديدة ليزيدوا ثراء وتجعل الفقير الكادح أشد فقرا لا يحلم إلا بعيش زهيد وأمن من الفقر والمرض والبؤس.
كل شيء كان يمر شكليا من البرلمانات العربية، لكنّ كلّ شيء كان يمر أولا من جهات أخرى هي التي تقرّر وبيد البرلمان التشريع والمصادقة والإجماع، وحين يجمع البرلمانيون يسمّى ذلك إجماعا شعبيا لأنّ البرلمانيين أصوات للشعب في الحكم.
سمحت التغيرات الجديدة، بعدما سمّي جدلا بالثورات العربية، لبعض الشعوب أن تختار ممثليها فعلا، وصعدت لأوّل مرة في تاريخ هذه الشعوب جماعات اختارتها فعليا أو هكذا اعتقدت، لكنّ المنتخبين الذين هللوا لدخول من انتخبوهم في البرلمان واندهشوا وهم يرون برلمانا قويا منه تنبثق تسميات رؤوس السلطة، استفاقوا أيضا على أنّ للديمقراطية معايب كما للديكتاتورية معايب.
فمن عيوب الديمقراطية أنّها سمحت لمن لا يقدر أن يبني أفكاره ولا تعابيره بوضوح أن يفتك مكان آخرين ممن لهم الكفاءات، والعجز عن بناء أفكار بسيطة بلغة واضحة سيعقبه عجز أكبر في بناء القوانين بطريقة سهلة بيّنة ودونما إلباس، بل إنّه لا يمكن أن يولّد القوانين أيّ فكر غير تجريدي وافتراضي وبراغماتي.
البرلمانيّ مشرّع وهذا دور من أدواره، ولقد لامس التونسيّون ذلك عند صياغة المجلس التأسيسي للدستور الثاني وعايشوا مخاضا لغويّا في صياغة النصوص، وخصوصا في ما تعلّق منه بالتوطئة، ولم يكن وضوح النصوص شاغلا مهمّا لدى المختلفين في الصياغة ولم يكن للسانيين دور كبير في هذا لأنّ التفكير في تيسير فهم البسطاء للدستور لم يكن مشغلا من المشاغل الأساسيّة لدى المؤسّسين.
وما يزال المواطن العربي موضوعا أخيرا يُفَكَّر فيه عندما يتعلّق الأمر بصياغة القوانين لأنّه ببساطة، وفي كثير من الأحيان، موضوع في مرتبة أخيرة من مراتب الموازنات السياسية وحين ستكون له الموازنة الأساسية سيصبح معنيّا بدرجة الوضوح التي في النصوص الشرعية ولن يتمّ ذلك إلاّ حين يصبح الوضوح، لا عدم الوضوح أو اللبس، هدفا من القوانين وعندئذ سيكون من الممكن الحديث عن تبسيط للقوانين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق