رحل فارس اللغة وأستاذ أساتيذها التونسي عبدالقادر المهيري يوم الجمعة 13 مايو الماضي عن سنّ جاوزت الثمانين بحولين لم يكتملا. هو أستاذ النحو واللسانيات بالجامعة التونسية منذ سبعينات القرن الماضي وصاحب المؤلفات التي يعود إليها الباحثون العرب ولا يزالون وهو السياسي الفاعل في عهد بورقيبة وكاتب الدولة للتعليم العالي في آخر عهده والمصلح التربوي الفذ وصاحب مدرسة لغوية تونسية هي اليوم تنعم بفضلة توجيهه.
الأستاذ المهيري معلّم الأجيال صاحب نهج في البحث اللساني الحديث وفي كيفية تدريسه وهو إلى ذلك يمثل خطّا وسطيا في الدراسات اللسانية الحديثة يقف بين اتجاه يرى أنّ التفكير اللغوي القديم مكتف بما فيه لا يزيده البحث اللساني الحديث شيئا بل قد ينقص منه حين يشينه بالإسقاطات واتجاه آخر لا يرى التفكير اللغوي القديم مادة علمية انتهى أجلها وعلينا أن نيمم وجوهنا شطر اللسانيات الحديثة لا نرى غيرها ففيها العلمي والمنهجي الذي يغنينا عن تراثنا المشتت والمقسم بين المذاهب.
في خمسينات القرن الماضي وحين كانت فئة من الطلاب التونسيين تتجه إلى التعليم الزيتوني اتجه التلميذ القادم من صفاقس بتوجه أسري إلى التعليم الحديث في المدرسة الصادقية وهناك تحصل على الباكالوريا سنة 1951 ثمّ أرسل إلى فرنسا لإتمام دراسته الجامعية في اللغة العربية وتحصل على الإجازة فيها عام استقلال البلاد 1955 من كلية الآداب بجامعة باريس وبعدها تحصل على شهادة التبريز عام 1959 ثم على الدكتوراه عام 1970 ببحث عن النحوي ابن جني.
في مؤلفاته بالفرنسية أو بالعربية وفيما ترجمه من كتب يمكن أن نجد خطا في التفكير اللساني لديه فيه انفتاح على مكتسبات اللسانية الحديثة من دون إسقاط لذلك على الدارس في رأي المهيري أن يكون في آن واحد قارئا للتراث بتمعّن وقارئا للسانيات باستفادة وهذه القراءة يمكن أن تقود إلى أمرين معا إمّا أن نستخرج البعد اللساني من التفكير النحوي وهذا ممكن وإمّا أن ندرس التفكير النحوي على أنّه نظام منفتح على ثقافات مجاورة متعاملة معها وإمّا أن نركّز على مفهوم بعينه نراعي تطوّره في المصادر أو تقاطعه مع ما يناسبه من الدراسات اللسانية الحديثة. يصعب اليوم أن نجد باحثا بارزا في اللغويات في الجامعة التونسية وهو لا يجمع بين النظر في التراث والاطلاع على اللسانيات الحديثة.
هذا الاتجاه الذي لا ينغلق على التراث ولا ينقطع إلى الحداثة هو أهم بصمات الراحل على الدراسات اللغوية. على سبيل المثال لن يصل دارس تراثي لأفكار عبد القاهر الجرجاني أن يصل إلى النتيجة التالية التي يصوغها المهيري بدقة ووضوح إذ يقول: "الكلام ليس إذن كاللغة مادة مشتركة لا يمكن نسبتها إلى شخص بعينه.. بل هو دائما منسوب إلى متكلم وصادر عن قائل وطريقة إفادته ليست نتيجة الاصطلاح وإنما هي.. متماشية مع مقاصد المتكلم.." (أعلام وآثار: 128) ومعلوم أنّ مثل هذا القول ناتج عن توجيه أفكار القدامى وجهة نظر لسانية تميّز بين مفاهيم كثيرة لها أسس تصورية مختلفة وهي اللغة والكلام ومقاصد المتكلمين؛ وهذه التصورات ليست لسانية فقط بل منطقية أيضا كان الجرجاني وغيره من الدارسين القدامى يشتغل بها دون أن يضبطها بوضوح.
الدراسات اللسانية الحديثة من وجهة نظر المهيري لا تعيد التراث بحرفيته بل بمنهج يستقرئ فيه أهمّ الأفكار ويبحث فيه عن نظامه الفكري والآليّات التي بنيت بها ومدى ترابطها بالتفكير اللساني العامّ وفي هذا النهج تنشيط للتراث وتجديد له من جهات منهجية مختلفة تجمع بين الفهم والنقد.
وللمرحوم المهيري دور تأسيسي في الجامعة التونسية ورؤية فذة في هيكلتها بدأت من سبعينات القرن الماضي. فاضطلع بمسؤوليات جامعية عديدة فقد كان رئيسا لقسم العربية بكلية الآداب وعميدا لها ورئيسا لجامعة تونس وكاتب دولة للتعليم العالي.
انضمّ المهيري الشاب إلى هيأة التدريس بالجامعة عام 1963 أي بعد سنوات قليلة من انطلاق التعليم في دار المعلمين العليا (1956 – 1957) وتأسيس الجامعة التونسية عام 1960. في كتاب له نشر عام 2010 بعنوان "التعليم العالي بتونس المستقلّة ذكريات شتى" يدلي المرحوم بشهادات نادرة عن عصر التأسيس ويوحي برؤية فذة في بناء دور فعّال للجامعة ووظائفها ويمكن أن نختصر هذه الملاحظات الثلاث التالية المستقاة منه:
أوّلها أنّ المهيري تبنّى رؤية في التدريس لا تعتمد الحفظ والنقل ولا تجعل العلاقة بين الجامعي وطلبته علاقة عمودية يكون فيها المدرس مصدر المعرفة الوحيد وطالبه عالة عليه؛ لذلك يعيد نشر مقتطف مهم من المقال الذي كتبه طه حسين عن الدراسة بالجامعة التونسية حين قدم في أوّل عام من امتحانات دار المعلمين العليا بتونس واشرف على امتحانات آخر السنة يقول طه حسين في جريدة الجمهورية يوم 3 أغسطس 1957: "شاركت في امتحان السنة الأولى بدار المعلمين العليا وفي امتحان اللغة العربية وآدابها خاصة فلم أرَ أنّ الأساتذة قد أملوا على تلاميذهم شيئا.. وإنما رأيت الأساتذة يرشدون طلابهم إلى مواطن العلم ويعلمونه البحث عنه واستنبطه من مصادره" (نقلا عن التعليم العالي بتونس 19). إنّ المدرس الحقّ هو الذي يحفّز طلبته على البحث وعلى التفكير وليس على النقل والتبعية الفكرية.
ثانيها أنّ المهيري كان يدافع عن استقلال الجامعة وعن حريتها في اختيار مقرراتها وإطارها التدريسي وأنّ من مشمولات الوزارة التنسيق لا التدخل في المضامين العلمية وكان على وعي بأنّ هذا لا يضمنه في الجامعات إلا انتخاب العمداء من ناحية وحسن اختيار إطار التدريس. يذكر المهيري الخلاف الذي كان بينه وبين وزير التربية في السبعينات محمد مزالي حول تعيين من أراد الوزير تعيينه وحول تدخله في شؤون العمادة لذلك يقول: "لقد كانت علاقتي بالوزير محمد مزالي يشوبها بعض التوتر لاختلاف نظرتنا إلى التعليم العالي واستقلال المؤسسة الجامعية"' (السابق: 77) لذلك طلب المهيري تنظيم انتخابات جديدة واعتذر هو عن مواصلة العمل مع طريقة عمل للوزير لا يرتضيها.
ثالثها إصلاح لنظام التربوي: كان المهيري واعيا بأنّ أهداف التكوين العلمي يختلف من حرص الدولة في البداية على تكوين سريع لإطار تونسي للتعليم الابتدائي والثانوي لتعميم التعليم إلى تكوين نخبة رفيعة المستوى بالإضافة إلى الطموح إلى "تحسين إدماج النظام التربوي في وسطه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وتفتحه على بقية العالم" (المصدر السابق: 142) ويمكن القول إنّ تداخل الأهداف هو الذي جعل سياستنا التعليمية اليوم تعاني لا فقط في التكوين بل أيضا في التغلغل في الأوساط الاجتماعية.
هكذا جمع المهيري بين الرؤية التربوية الهادفة والخط العلمي والبحثي فكان بحقّ ركيزة من ركائز التعليم بتونس على امتداد نصف قرن تقريبا. ومن يعرف المهيري يلمس حرصه على أن يقدّم الرأي والمشورة من اجل تجويد الدرس اللغوي بالجامعة التونسية. رحم الله رجلا قال لي ذات يوم اقرأ النحو ولكن إيّاك أن تكون كالنحاة. لم أسأله التفسير لكني فهمت بعد مدة أنّه كان يريدني أن أكون في تفكيري مختلفا لكن لا أعظم من النحاة ولا أقلّ: أن أكون وأنا أفكّر أنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق