القدس العربي
كنت وراء المقود حين لمحت سيّارة أجرة جاوزتني وكتب عليها بخطّ جميل في أعلاها: اللّهمّ أعطهم ضعف ما يتمنّون لي. قرأت هذا من قبل وبصياغات قريبة في سيارات أخرى للأجرة.
كنت وراء المقود حين لمحت سيّارة أجرة جاوزتني وكتب عليها بخطّ جميل في أعلاها: اللّهمّ أعطهم ضعف ما يتمنّون لي. قرأت هذا من قبل وبصياغات قريبة في سيارات أخرى للأجرة.
ولا شكّ عندي في أنّها مكتوبة على محامل أخرى ثابتة أو متنقلة واقعيّة أو افتراضيّة؛ وهذا يرفعها إلى أن تصبح سلوكا لغويّا يحتاج تدبُّرا لسانيّا.
بقلم الدكتور توفيق قريرة : أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة
السلوك اللغويّ أو بعبارة «سكينر» Skinner السّلوك القولي هو أن تنظر إلى الأقوال على أنّها نمط من السلوك غير أنّه متشكّل بالقول. والكتابة على الأبواب والجدران والسيارات هي ضرب من هذا السلوك إذا لم يطلب منها الإرشاد أو الإشهار، بل إذا أُريد بها التعبير عن انفعالات أو وُجّهت إلى إنشاء للكون كالدعاء.
وليست الكتابة على الأبواب والجدران وغيرهما من المحامل لأغراض إنشائيّة حديثة عهد؛ فلقد ذكر أبو حيّان التوحيدي في كتاب «الصداقة والصديق»، «أنّ رجلا كتب على باب داره :جزى الله من لم نعرفه ولم يعرفنا خيرا فإنّا ما أوتينا في نكبتنا هذه إلاّ من المعارف». وفي فاتحة رائعة لقصة الجزائري مالك حدّاد عنوانها «سأهبك غزالة» شيء قريب من هذا حين قال (التعريب للتونسي المرحوم صالح القرمادي): «لا تطرق الباب كلّ هذا الطرق فإنّي لم أعد أسكن هنا».
وهو قول دائما ما يوحي إليَّ بأنّه كُتب على نقيشة عُلّقت على الباب المطروق ولست أدري لمَ أظنّ أنّها علّقت في الدّاخل؟
في مثال سيّارات الأجرة سلوكٌ لغويٌّ مُدْهِشٌ لأنّ فيه لَبْسًا فقد يُقرأ على أنّه دعاء له أو دُعاء عليه في آن. اللَّبْس وهو أن يَحتمل القول الواحد تأويلين أو أكثر، يمكن حلّه في الغالب بمعطيات مستمدّة من المقام أو من السّياق. فحين تقول مثلا (رأيتُ رجُلا بنَظَّارَة) فالمقام أو السياق هو ما يزيل اللّبس عن كون النّظارة آلة يُرى بها الرّجل أو يضعها فتُمَيِّزُهُ. المقام والسياق لا يدعماننا في دعاء سيارة الأجرة بل ينفكّ اللبس بعمليّة ذهنية معقّدة مبنيّة على افتراض مقامين لتحقّق الكلام وكلّ مقام مفترض منهما يوحي بعمل لغوي مميّز يتحقق فيه الدعاء له أو عليه. فنحن إمّا أنْ نفترض مقاما يتمنّى فيه الآخرون الخير لصاحب السيارة فيدعو لهم بالخير، وإمّا أن نفترض مقاما يتمنّون له الشّرّ فيدعو عليهم به؛ فالميل إلى الدّعاء له أو الدعاء عليه يظلّ أمرا من بناء من يبني المقام ويتمثّله.
والسّيّارة التي عليها كتب النصّ ليست مجرّد حامل مادّي له بل هي أيضا الموضوع الذي لأجله يُراد الخير لمالكها أو يُضمر له الشرّ. فهي موضوع الغبطة والإسعاد لِمَنْ تمنّى خيرا وموضوع الحسد والأحقاد لمن تمنّى شرّا؛ والمهمّ أنّها سبب التمنّي وبالتالي سبب الدّعاء باعتباره ردّا على الأمنية الخيّرة أو الشريرة. إنّ السيارة هي في مثالنا محور عمليْن لغويَّيْن أحدهما مؤسِّس هو التمنّي والثاني متأسّس عليه هو الدّعاء. صحيح أنّ إرادة الشّرّ في عرف علماء الدلالة ليست من الأماني ولكنّها في التصوّر الشعبي الذي بُني عليه الدعاء باتت كذلك؛ وهذا يعني أنّ المرء حين يحسد صاحب السيارة يكون قد تمنّى الشرّ له والأمنية ههنا ليست كما في العُرف العَالِم، شيئا لا يتحقّق بل هي في ذهن منشئ الدعاء قابلة للتّحقّق؛ وعندئذ لن يكون الردّ الأقوى عليها أمنية من جنسها بل دعاء: أنت تتمنى لي وأنا أدعو لك أو عليك.
الدّعاء ضربٌ من الإنشاء قديم قِدَمَ العلاقة بين الإنسان وإلهه أو آلهته وقديم قدم إيمانه بعجزه واعتقاده في قدرة معبوده على أنْ ينصره على غيره الذي يريد به شرا وعلى أن ينصر من أراد به خيرا. ولذلك كان الدعاء يصاغ بأفعال الأمر التي هي الصيغة النمط في تحقيق أفعال الطلب. غير أنّ الدّعاء يوجّهه من هو أدنى إلى من هو أعلى لا على إيجاب التحقيق، بل على التماسه والتضرع من أجله. وما يزال الناس إلى اليوم في الثقافة العربية الإسلامية يحتاجون الدعاء ويمارسونه في عموم الحياة؛ وليس في الأمر إيمان فقط بل صار الدعاء عادة وعرفا ثقافيّا يعني في خلاصته فرار الدّاعي بالهمّ أو بالرغبة إلى قوّة يمكن أن تنفذهما وتنفيسا عن كرب وأمل في تحقيق أمر مرغوب فيه.
في الدّعاء يكون المدعوّ عليه موضوع عقوبة مسلّطة وأشدّ أنواع العقاب أن يعاقب المرء بجنس ما عاقب به غيره: هو ضرب من طلب القِصَاص؛ غير أنّه في دعاء السيّارة قِصاص مبنيّ على النّوايا لا على الأفعال الحقيقيّة. تسليط العقوبة ركن مهمّ في الدّعاء عليه وهي ليست جديدة في مثال السيّارة فمن الأدعية القديمة التي تذكرها كتب النّحو قول البدويّ داعيا على صاحب الغنم: (اللهمّ ضبُعا وذئبا) أي إجمع على غنمه الضباع والذئاب. العقوبة في هذا الدعاء لا تنزل بالعدوّ مباشرة بل بما يملك فهو دعاء عليه بزوال نعمة المال.
وفي مثالنا فإنّ السيارة ليست ذات قيمة إلاّ لأنّها مصدر رزق يرى فيها مالكها ثروته الأولى ومصدر فخره؛ ويتصوّر الدّاعي عدوّه الافتراضيّ وهو يتمنّى أنْ يصيب السيّارة ما يعطّل وظيفتها الكسبية أو يزيلها. وإذا كان الذّئب أو الضَّبع قديما ممّا يُبيد الماشية ويزيل النّعمة، فإنّ حوادث الطريق في عصرنا هي ذئب السيارة وضبعها تذهب بالجمل ومن حمل؛ لذلك يكون الدعاء على من تمنّى مصيرا كهذا للدّاعي بأن يردّ كيده إلى نحره.
أن يوجد عدوّ يتمنّى لنا شرّا فهذا شيء لا علاقة له بما نحن فيه، لأنّ العدوّ لم يدخل في حسباننا أو قل إنّ له وجودا خارج إدراكنا وما كان خارج إدراكنا فلا وجود له. وأن نفترض أنّ هناك عدوّا يتمنّى لنا شرّا فأمر آخر لأنّه بات يدخل في إدراكنا فصار له عندئذ وجود فعليّ؛ وأن ندعو على من نفترض أنّه عدوّ يتمنّى لنا شرّا فهذا أمر ثالث هو الذي شغلنا هنا: هو شيء له وجود في إدراكنا وفي بنائنا لذلك الإدراك باللغة وهذا ما ينفع اللّسانيّ. ففضلا عن كونه صار في حسباننا، فلقد بتنا نودّ أن نردّ الفعل عليه لكن لا بيدنا بل بإنشاء دعاء يُخَاطَب به قادرٌ عليه مُقتدِرٌ.
الحقّ أنّ الدّعاء المذكور كتب ليُقرأ دعاءً عليه أكثر ممّا يُقرأ دعاءً له وهو يُقرأ فعلا كما أريد له فهناك مواضعة مضمرة.
إنّ قراءة الكلام لا تكون فقط بتفكيك شيفرة الرّسالة بل أيضا بتغليب افتراض على آخر فما تغليبنا الدّعاء عليه إلاّ لأنّنا نراه الأقرب لا لأنّ نوايانا خبيثة، لا سمح الله؛ بل لأنّنا ونحن نقرأ نميل إلى افتراض ما ينويه مَن كَتب مَا كتب على ما كَتب بقطع النظر عن صدق نيّته أو عدم صدقها وعن ثباتها أو عدمها. النّيّة المُقَعْفِزَةُ، أي التي تجلس على هيئة المتوثّب للشرّ، ليست في سياق الحال نيّة من يقرأ بل كانت نيّة من يكتب وهذه قصّة أخرى قد نعود إليها مرّة أخرى.
وهو قول دائما ما يوحي إليَّ بأنّه كُتب على نقيشة عُلّقت على الباب المطروق ولست أدري لمَ أظنّ أنّها علّقت في الدّاخل؟
في مثال سيّارات الأجرة سلوكٌ لغويٌّ مُدْهِشٌ لأنّ فيه لَبْسًا فقد يُقرأ على أنّه دعاء له أو دُعاء عليه في آن. اللَّبْس وهو أن يَحتمل القول الواحد تأويلين أو أكثر، يمكن حلّه في الغالب بمعطيات مستمدّة من المقام أو من السّياق. فحين تقول مثلا (رأيتُ رجُلا بنَظَّارَة) فالمقام أو السياق هو ما يزيل اللّبس عن كون النّظارة آلة يُرى بها الرّجل أو يضعها فتُمَيِّزُهُ. المقام والسياق لا يدعماننا في دعاء سيارة الأجرة بل ينفكّ اللبس بعمليّة ذهنية معقّدة مبنيّة على افتراض مقامين لتحقّق الكلام وكلّ مقام مفترض منهما يوحي بعمل لغوي مميّز يتحقق فيه الدعاء له أو عليه. فنحن إمّا أنْ نفترض مقاما يتمنّى فيه الآخرون الخير لصاحب السيارة فيدعو لهم بالخير، وإمّا أن نفترض مقاما يتمنّون له الشّرّ فيدعو عليهم به؛ فالميل إلى الدّعاء له أو الدعاء عليه يظلّ أمرا من بناء من يبني المقام ويتمثّله.
والسّيّارة التي عليها كتب النصّ ليست مجرّد حامل مادّي له بل هي أيضا الموضوع الذي لأجله يُراد الخير لمالكها أو يُضمر له الشرّ. فهي موضوع الغبطة والإسعاد لِمَنْ تمنّى خيرا وموضوع الحسد والأحقاد لمن تمنّى شرّا؛ والمهمّ أنّها سبب التمنّي وبالتالي سبب الدّعاء باعتباره ردّا على الأمنية الخيّرة أو الشريرة. إنّ السيارة هي في مثالنا محور عمليْن لغويَّيْن أحدهما مؤسِّس هو التمنّي والثاني متأسّس عليه هو الدّعاء. صحيح أنّ إرادة الشّرّ في عرف علماء الدلالة ليست من الأماني ولكنّها في التصوّر الشعبي الذي بُني عليه الدعاء باتت كذلك؛ وهذا يعني أنّ المرء حين يحسد صاحب السيارة يكون قد تمنّى الشرّ له والأمنية ههنا ليست كما في العُرف العَالِم، شيئا لا يتحقّق بل هي في ذهن منشئ الدعاء قابلة للتّحقّق؛ وعندئذ لن يكون الردّ الأقوى عليها أمنية من جنسها بل دعاء: أنت تتمنى لي وأنا أدعو لك أو عليك.
الدّعاء ضربٌ من الإنشاء قديم قِدَمَ العلاقة بين الإنسان وإلهه أو آلهته وقديم قدم إيمانه بعجزه واعتقاده في قدرة معبوده على أنْ ينصره على غيره الذي يريد به شرا وعلى أن ينصر من أراد به خيرا. ولذلك كان الدعاء يصاغ بأفعال الأمر التي هي الصيغة النمط في تحقيق أفعال الطلب. غير أنّ الدّعاء يوجّهه من هو أدنى إلى من هو أعلى لا على إيجاب التحقيق، بل على التماسه والتضرع من أجله. وما يزال الناس إلى اليوم في الثقافة العربية الإسلامية يحتاجون الدعاء ويمارسونه في عموم الحياة؛ وليس في الأمر إيمان فقط بل صار الدعاء عادة وعرفا ثقافيّا يعني في خلاصته فرار الدّاعي بالهمّ أو بالرغبة إلى قوّة يمكن أن تنفذهما وتنفيسا عن كرب وأمل في تحقيق أمر مرغوب فيه.
في الدّعاء يكون المدعوّ عليه موضوع عقوبة مسلّطة وأشدّ أنواع العقاب أن يعاقب المرء بجنس ما عاقب به غيره: هو ضرب من طلب القِصَاص؛ غير أنّه في دعاء السيّارة قِصاص مبنيّ على النّوايا لا على الأفعال الحقيقيّة. تسليط العقوبة ركن مهمّ في الدّعاء عليه وهي ليست جديدة في مثال السيّارة فمن الأدعية القديمة التي تذكرها كتب النّحو قول البدويّ داعيا على صاحب الغنم: (اللهمّ ضبُعا وذئبا) أي إجمع على غنمه الضباع والذئاب. العقوبة في هذا الدعاء لا تنزل بالعدوّ مباشرة بل بما يملك فهو دعاء عليه بزوال نعمة المال.
وفي مثالنا فإنّ السيارة ليست ذات قيمة إلاّ لأنّها مصدر رزق يرى فيها مالكها ثروته الأولى ومصدر فخره؛ ويتصوّر الدّاعي عدوّه الافتراضيّ وهو يتمنّى أنْ يصيب السيّارة ما يعطّل وظيفتها الكسبية أو يزيلها. وإذا كان الذّئب أو الضَّبع قديما ممّا يُبيد الماشية ويزيل النّعمة، فإنّ حوادث الطريق في عصرنا هي ذئب السيارة وضبعها تذهب بالجمل ومن حمل؛ لذلك يكون الدعاء على من تمنّى مصيرا كهذا للدّاعي بأن يردّ كيده إلى نحره.
أن يوجد عدوّ يتمنّى لنا شرّا فهذا شيء لا علاقة له بما نحن فيه، لأنّ العدوّ لم يدخل في حسباننا أو قل إنّ له وجودا خارج إدراكنا وما كان خارج إدراكنا فلا وجود له. وأن نفترض أنّ هناك عدوّا يتمنّى لنا شرّا فأمر آخر لأنّه بات يدخل في إدراكنا فصار له عندئذ وجود فعليّ؛ وأن ندعو على من نفترض أنّه عدوّ يتمنّى لنا شرّا فهذا أمر ثالث هو الذي شغلنا هنا: هو شيء له وجود في إدراكنا وفي بنائنا لذلك الإدراك باللغة وهذا ما ينفع اللّسانيّ. ففضلا عن كونه صار في حسباننا، فلقد بتنا نودّ أن نردّ الفعل عليه لكن لا بيدنا بل بإنشاء دعاء يُخَاطَب به قادرٌ عليه مُقتدِرٌ.
الحقّ أنّ الدّعاء المذكور كتب ليُقرأ دعاءً عليه أكثر ممّا يُقرأ دعاءً له وهو يُقرأ فعلا كما أريد له فهناك مواضعة مضمرة.
إنّ قراءة الكلام لا تكون فقط بتفكيك شيفرة الرّسالة بل أيضا بتغليب افتراض على آخر فما تغليبنا الدّعاء عليه إلاّ لأنّنا نراه الأقرب لا لأنّ نوايانا خبيثة، لا سمح الله؛ بل لأنّنا ونحن نقرأ نميل إلى افتراض ما ينويه مَن كَتب مَا كتب على ما كَتب بقطع النظر عن صدق نيّته أو عدم صدقها وعن ثباتها أو عدمها. النّيّة المُقَعْفِزَةُ، أي التي تجلس على هيئة المتوثّب للشرّ، ليست في سياق الحال نيّة من يقرأ بل كانت نيّة من يكتب وهذه قصّة أخرى قد نعود إليها مرّة أخرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق