القدس العربي
توفيق قريرة : أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية
حين نتكلّم يختلط كلامنا بضرب من التنغيم يتّخذ شكل مُنْحَنًى تصاعديّ أو تنازليّ يسير مع الكلام إلى نهايته. وليس هذا التنغيم بصمة صوتيّة فقط نتعرّف بها على المتكلم، بل هو أيضا دليلٌ على شعوره المُتَوَاري خلف إنشائه ما ينشئ من استفهام وتعجّب وغيره. نحن نقول بهذا التنغيم نجعل اللغة تتعامل مع موسيقى الصوت الناطق كي تقول ما ننوي أن نقوله بأكثر نجاح.
لن نستعمل في حديثنا اللاحق التنغيم مَعْبَرا إلى مشاعر المتكلّمين بل سنعتمده دليلا على تهافت قصّة قديمة عن نشأة النّحو العربي ما تزال تُروى إلى اليوم. لا يقلقنا أنّها تُروى فهي من القصّ الجميل بل ما يزعج فيها أنّ بعض العقول الطيبة ما تزال تصدّقها مثلما تصدّق أنّ لغتنا اليوم مهدّدة بمثلما كانت به مهدّدة في عصر أبي الأسود الدَّؤَلِيّ، ذلك النحويّ إليه تنسب هذه القصة، قصّة نشأة النحو العربي.
زعَموا أنّ أبا الأسود الدُّؤليّ تحرّكت همّته لوضع هذا العلم بعد أن شعر أنّ اللحن قد فَشَا بين الناس حتّى غزاه في بيته فارتكبته ابنته. قالت له: يا أبَهْ مَا أشَدُّ الحرِّ، فقال لها وهو يعتقد أنها تسأله عن أيّ وجوه الحرّ أشدّ : حَمَّارَةُ القَيْظِ؛ فقالت: ما أردتُ إلاّ أنْ أتعجّب من كثرة الحَرِّ؛ فقال لها قولي إذن ما أشدّ الحرّ (بالفتح ) ثمّ قال: ذهبت العرب ولغتها. وكان ذلك الحدث قادحا في وضعه علم النّحو (انظر مثلا: الزجاجي «الإيضاح في علل النحو»89).
يريدنا واضعو هذا الخبر أن نُصدّق أنّ بنت أبي الأسود، لحَنَت (أي أخطأت) وهي تريد أن تفتح دال (ما أشدَّ) فضمّتها (ما أشدُّ) . ليكنْ. لكنْ يريد منّا الخبرُ أنْ نسلّم – مثلما يفعل الطيبون الذين يصدّقون الخبر- أنّ هذا اللحن معزول عن أشياء كثيرة من بينها الخلطُ بين عَمَليْن لغويَّيْن مختلفين هما الاستفهام والتعجّب؛ ومن بينها إسقاط أنّ كلّ عمل منهما ينجز بتنغيم معيّن يمنع وقوع هذا الضّرب من الخطأ.
لن يقع أيّ متكلّم في هذا الضرب من الأخطاء ولن يصدّق الوقوعَ فيه صاحبُ عقل سليم. فإنْ نستفهم وأنْ نتعجّب وأنْ نلوم أو نرْدع فتلك أعمال لغويّة تنخرط في نوايانا ومقاصدنا التي تقرّر لنا اختيارات الكلام وسيرورته. والمتكلّمون لا يمكن أن يخطئوا مقاصدهم عند التعبير عنها، فتلك المقاصد هي ركن الكلام الركين الذي لأجله قالوا ما قالوا. لكن من يخطئ مقاصد المتكلمين ونواياهم هم المتلقّون حين لا يفهمونهم جيّدا أو حين يؤوّلون كلامهم التأويل الذي ليس هو بيت القصيد. هنا يمكن أن يكون أبو الأسود قد فهم خطأ أنّ ابنته كانت تريد الاستفهام وهي تريد التعجب؛ لكن هل كانت أذنه مركّزة على حركات أواخر الكلم وأضاعت بوصلة الأعمال اللغويّة؟ هذه الغفلة لا تقبل من متكلّم عاديّ فما بالك من نحويّ مؤسّس. تبدو صورة النّحويّ ههنا كصورته في النّوادر العربية: يترك كلّ شيء ويلهو بالحركات والسّكنات. لكن يؤسفنا أن نقول لمن أراد من وراء هذا التندّر جِدًّا، إنّه لا يُوجد نحويّ بهذه الصفات إلّا في المُلَح أمّا النحويّ الفعليّ فإنّه دائما ما يرى الكلام في تعلقه بعضه ببعض ولا يغفل الأعمال اللغويّة التي ورد فيها لأنّه يستخدمها في تعيين هويّة مركباته وخصوصيّات معانيها النحويّة. لا يمكن أن تخطئ بنت أبي الأسود أو غيرها من المتكلمين خطأ من هذا النوع بأن يلتبس عليها الأمر فلا تميّز بين استفهام وتعجّب؛ فلكلّ إنشاء منهما منحنى تنغيميّ: هذه الأشياء تسجّل في بطاقة التذكّر في ذهن المتكلم والمخاطب كليهما ينجزها المتكلم دون كلفة ويفهمها عنه المستمع دون عناء.
لأفترض أنّي سأقول متعجبا لمن طلب مني أنا الفقير المدقع أن أقرضه مالا: (أقرضك!) وفي نيّتي أن أبيّن له دهشتي من طلبه. لن أخطئ التنغيم المناسب ولن يُخطئ هو التعرف عليه فذلك جزء من تفكيك شيفرة الرسالة، بلا شكّ لن يتردّد في أن يعرف اعتمادا على التنغيم وعلى المنحنى اللحني الدقيق أنّي أتعجّب.
في الكلام بُنى معيّنة توجّه المقاصد التواصلية وهي تتفاعل مع التنغيم في تقديم دلائل للمتلقي على نيّة المتكلّم. وفي التعجّب هناك بنيتان نحويّتان عربيّتان أساسيّتان إذا حضرتا قوّتا توجيه الكلام إلى التعجب هما (مَا أفْعَله: ما أجمله رجلا) و(أفْعِلْ به :أكْرِمْ به رجُلا) والبنية التي استخدمتها بنت أبي الأسود في الخبر هي الأولى (ما أشدّ الحرّ). مازلنا إلى اليوم نتعجّب من الحرّ بصيغ من نوع (ما أكثر، ما أشدّ) ولم نسمع بشخص أخطأ التعجّب بهذه الأداة إلاّ إذا كانت العربيّة أجنبيّة عن لسانه، فذلك لحن آخر يشبه عدم توفّق متكلم العربية في التعبير بكلام أجنبي عن معنى إنشائي كالتعجب لكن إن كانت بنت أبي الأسود قد أخطأت بهذا الشكل أليس لأنّها استعملت لسانا أجنبيّا عن عادتها اللغويّة؟ في هذا شكّ أيضا فلنفترض أنّي أريد أن أتعجّب باللغة الألمانية أنا المبتدئ في دراستها؛ ففي هذه الحالة سأخطئ في أمر ولن أخطئ في آخر: سأخطئ في صيغة فعل التعجب أو في كلمة التعجب المستعملة والتي يمكن أن تكون في تلك اللغة من نوع (مَا أشَدّ) ولن أخطئ أبدا في التنغيم الذي يدلّ على التعجّب، إلاّ إذا كانت تلك اللغة تستعمل له تنغيما آخر أو منحنى لحنيّا آخر غير الذي تعوّدت عليه وإمكانيّة هذا التخالف في الأصوات المعبّرة عن التعجب واردة غير أنّها قليلة. فنحن اليوم نستعمل مع لغات كثيرة نعرفها أو لا نعرفها المنحنيات التنغيميّة المتقاربة في الأعمال اللغويّة المتعارف عليها.
قد نختلف في هذه المنحنيات لكنّ نسبة الاختلاف أقلّ أو لنقل إنّ هذه المنحنيات اللحنية تفترض أن تكون عامّة مشتركة بين الناس بشكل أوسع من اللغات الطبيعيّة نفسها؛ فهي توقيعات نغميّة شبه كليّة بين البشر. صحيح أنّها أقلّ عموما وشيوعا من التصويت الطبيعي الدال على الألم أو الفرح الذي يفهم بيسر غير أنّها أكثر جمعا بين المجموعات اللغوية من لغاتهم نفسها.
لن نستعمل في حديثنا اللاحق التنغيم مَعْبَرا إلى مشاعر المتكلّمين بل سنعتمده دليلا على تهافت قصّة قديمة عن نشأة النّحو العربي ما تزال تُروى إلى اليوم. لا يقلقنا أنّها تُروى فهي من القصّ الجميل بل ما يزعج فيها أنّ بعض العقول الطيبة ما تزال تصدّقها مثلما تصدّق أنّ لغتنا اليوم مهدّدة بمثلما كانت به مهدّدة في عصر أبي الأسود الدَّؤَلِيّ، ذلك النحويّ إليه تنسب هذه القصة، قصّة نشأة النحو العربي.
زعَموا أنّ أبا الأسود الدُّؤليّ تحرّكت همّته لوضع هذا العلم بعد أن شعر أنّ اللحن قد فَشَا بين الناس حتّى غزاه في بيته فارتكبته ابنته. قالت له: يا أبَهْ مَا أشَدُّ الحرِّ، فقال لها وهو يعتقد أنها تسأله عن أيّ وجوه الحرّ أشدّ : حَمَّارَةُ القَيْظِ؛ فقالت: ما أردتُ إلاّ أنْ أتعجّب من كثرة الحَرِّ؛ فقال لها قولي إذن ما أشدّ الحرّ (بالفتح ) ثمّ قال: ذهبت العرب ولغتها. وكان ذلك الحدث قادحا في وضعه علم النّحو (انظر مثلا: الزجاجي «الإيضاح في علل النحو»89).
يريدنا واضعو هذا الخبر أن نُصدّق أنّ بنت أبي الأسود، لحَنَت (أي أخطأت) وهي تريد أن تفتح دال (ما أشدَّ) فضمّتها (ما أشدُّ) . ليكنْ. لكنْ يريد منّا الخبرُ أنْ نسلّم – مثلما يفعل الطيبون الذين يصدّقون الخبر- أنّ هذا اللحن معزول عن أشياء كثيرة من بينها الخلطُ بين عَمَليْن لغويَّيْن مختلفين هما الاستفهام والتعجّب؛ ومن بينها إسقاط أنّ كلّ عمل منهما ينجز بتنغيم معيّن يمنع وقوع هذا الضّرب من الخطأ.
لن يقع أيّ متكلّم في هذا الضرب من الأخطاء ولن يصدّق الوقوعَ فيه صاحبُ عقل سليم. فإنْ نستفهم وأنْ نتعجّب وأنْ نلوم أو نرْدع فتلك أعمال لغويّة تنخرط في نوايانا ومقاصدنا التي تقرّر لنا اختيارات الكلام وسيرورته. والمتكلّمون لا يمكن أن يخطئوا مقاصدهم عند التعبير عنها، فتلك المقاصد هي ركن الكلام الركين الذي لأجله قالوا ما قالوا. لكن من يخطئ مقاصد المتكلمين ونواياهم هم المتلقّون حين لا يفهمونهم جيّدا أو حين يؤوّلون كلامهم التأويل الذي ليس هو بيت القصيد. هنا يمكن أن يكون أبو الأسود قد فهم خطأ أنّ ابنته كانت تريد الاستفهام وهي تريد التعجب؛ لكن هل كانت أذنه مركّزة على حركات أواخر الكلم وأضاعت بوصلة الأعمال اللغويّة؟ هذه الغفلة لا تقبل من متكلّم عاديّ فما بالك من نحويّ مؤسّس. تبدو صورة النّحويّ ههنا كصورته في النّوادر العربية: يترك كلّ شيء ويلهو بالحركات والسّكنات. لكن يؤسفنا أن نقول لمن أراد من وراء هذا التندّر جِدًّا، إنّه لا يُوجد نحويّ بهذه الصفات إلّا في المُلَح أمّا النحويّ الفعليّ فإنّه دائما ما يرى الكلام في تعلقه بعضه ببعض ولا يغفل الأعمال اللغويّة التي ورد فيها لأنّه يستخدمها في تعيين هويّة مركباته وخصوصيّات معانيها النحويّة. لا يمكن أن تخطئ بنت أبي الأسود أو غيرها من المتكلمين خطأ من هذا النوع بأن يلتبس عليها الأمر فلا تميّز بين استفهام وتعجّب؛ فلكلّ إنشاء منهما منحنى تنغيميّ: هذه الأشياء تسجّل في بطاقة التذكّر في ذهن المتكلم والمخاطب كليهما ينجزها المتكلم دون كلفة ويفهمها عنه المستمع دون عناء.
لأفترض أنّي سأقول متعجبا لمن طلب مني أنا الفقير المدقع أن أقرضه مالا: (أقرضك!) وفي نيّتي أن أبيّن له دهشتي من طلبه. لن أخطئ التنغيم المناسب ولن يُخطئ هو التعرف عليه فذلك جزء من تفكيك شيفرة الرسالة، بلا شكّ لن يتردّد في أن يعرف اعتمادا على التنغيم وعلى المنحنى اللحني الدقيق أنّي أتعجّب.
في الكلام بُنى معيّنة توجّه المقاصد التواصلية وهي تتفاعل مع التنغيم في تقديم دلائل للمتلقي على نيّة المتكلّم. وفي التعجّب هناك بنيتان نحويّتان عربيّتان أساسيّتان إذا حضرتا قوّتا توجيه الكلام إلى التعجب هما (مَا أفْعَله: ما أجمله رجلا) و(أفْعِلْ به :أكْرِمْ به رجُلا) والبنية التي استخدمتها بنت أبي الأسود في الخبر هي الأولى (ما أشدّ الحرّ). مازلنا إلى اليوم نتعجّب من الحرّ بصيغ من نوع (ما أكثر، ما أشدّ) ولم نسمع بشخص أخطأ التعجّب بهذه الأداة إلاّ إذا كانت العربيّة أجنبيّة عن لسانه، فذلك لحن آخر يشبه عدم توفّق متكلم العربية في التعبير بكلام أجنبي عن معنى إنشائي كالتعجب لكن إن كانت بنت أبي الأسود قد أخطأت بهذا الشكل أليس لأنّها استعملت لسانا أجنبيّا عن عادتها اللغويّة؟ في هذا شكّ أيضا فلنفترض أنّي أريد أن أتعجّب باللغة الألمانية أنا المبتدئ في دراستها؛ ففي هذه الحالة سأخطئ في أمر ولن أخطئ في آخر: سأخطئ في صيغة فعل التعجب أو في كلمة التعجب المستعملة والتي يمكن أن تكون في تلك اللغة من نوع (مَا أشَدّ) ولن أخطئ أبدا في التنغيم الذي يدلّ على التعجّب، إلاّ إذا كانت تلك اللغة تستعمل له تنغيما آخر أو منحنى لحنيّا آخر غير الذي تعوّدت عليه وإمكانيّة هذا التخالف في الأصوات المعبّرة عن التعجب واردة غير أنّها قليلة. فنحن اليوم نستعمل مع لغات كثيرة نعرفها أو لا نعرفها المنحنيات التنغيميّة المتقاربة في الأعمال اللغويّة المتعارف عليها.
قد نختلف في هذه المنحنيات لكنّ نسبة الاختلاف أقلّ أو لنقل إنّ هذه المنحنيات اللحنية تفترض أن تكون عامّة مشتركة بين الناس بشكل أوسع من اللغات الطبيعيّة نفسها؛ فهي توقيعات نغميّة شبه كليّة بين البشر. صحيح أنّها أقلّ عموما وشيوعا من التصويت الطبيعي الدال على الألم أو الفرح الذي يفهم بيسر غير أنّها أكثر جمعا بين المجموعات اللغوية من لغاتهم نفسها.
إنّ من صنع الخبر نسي أنّ الكلام كان بين أبي الأسود وابنته حيّا فيه الجمل تنبض لحنا وأنّ ما صنع حياتها هو ما يسمّيه المعاصرون «موسيقى الجملة» أي منحنياتها النغميّة العاديّة التي لا تجعلنا نتصرّف في الجملة (كما فعل الخبر) على أساس أنّها كلام باردٌ بلا روح؛ بل نراها أنغاما توزّع بحسب تصرفنا في الأعمال اللغويّة. هذه الموسيقى العالقة بالكلام هي روح الكلام عند التواصل ومنارة من منارته عند التفكيك والفهم.
عيب كلّ أسطورة وربّما قوّتها أنّها تترك بين ثناياها ما به تنكشف خرافيّتها، ومن عجيب الأساطير المعقودة حول الكلام (أو نحو الكلام) أنّ عناصر خرافيّتها ماثلة في الكلام نفسه: يريدك الكلام أن تصدق ولكنّه يدفعك بحجج أخرى إلى التكذيب. إنها مفارقة خفيّة من مفارقات الكلام: يكذب ويغمزك بطرف عين أنْ لا تصدّق. الغمزة في هذا الخبر كانت نغمة الكلام : يقول لك لحن الكلام إنّه لا لحن في الكلام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق