الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

اللباس جسدا ثانيا



في دراسة اللباس سيميائيا أطروحتان كبيرتان: واحدة تقول إن اللباس (أيْ الفساتين وسراويل «الجينز» والبدلات وغيرها مما نلبسه اليوم) يُفصل على شكل الجَسد وليْس للجسد إلا أن يتلاءم معه؛ وأطروحة أخرى تقول إن اللباس هو الذي يتبع الجسد. والحقيقة أن هاتين الأطروحتين هما من بنات أفكار مصممي الأزياء: فلهؤلاء رؤيتان تصميميتان الأولى تصنع الجسد والثانية تجاريه. غير أن الخطاب السيميائي المختص في الموضة تبنى هذا التصور في علاقة اللباس بالجسد وحلل كل بعد فيه: الفعل في الجسد واتباعه (انظر كتابات أنطوني ماتاي ).

الدكتو رتوفيق قريرة


للباس جملة من الوظائف الأولية، فهو يقي ويمنع ويخفي؛ وتسمى هذه الوظائف الأولية وظائف ما قبل علامية: أي هي أدوار طبيعية لا يكون فيها اللباس دالا على شيء.وهذا ما يشبه في عالم اللغة الأصوات التي تستعمل في السعال أو في التنهد أو في الشهيق فهي أو غيرها من الأصوات ذات وظائف طبيعية. وحين تصبح هذه الأصوات مقطعة ذات دلالة تصبح ذات أدوار علامية. 
يبدأ الاستعمال العلامي للثياب الملبوسة، حين يفكر اللابس فيمن سيتلقى لباسه، لكن مجرد التفكير لا يكسبه علامة، بل ينبغي أن يحمل اللابس ما يلبسه علامات؛ ويكون الرائي متلقي اللباس عارفا بتفكيك شيفرات تلك العلامات. فحين أجعل الثياب التي على جسدي علامات فيعني أني «أكسوها» دلالات أولى قد تُخبر عن هويتي (الطربوش التونسي مثلا) أو عن طبقتي الاجتماعية (الملابس الفاخرة اليومية مع أرقى العطور والسيجار مثلا) أو حتى عن مهنتي (لباس الشرطي). لكن هذه الدلالات الأولى يمكن أن تفسح الطريق لطبقة دلالية ثانية تكون حين يتلبس الثوب بالجسد، ويصبح جسدا ثانيا لا على سبيل المجاز، بل على الحقيقة السيميائية. 
في سيميائية الجسد (من دون ثياب) تكون تفاصيله حروفا في نصوص مختلفة تُقرأ لتفيدنا بدلالات معينة عن العِرْق وحتى عن الشرف. وكما أن النصوص المكتوبة باللغة تكون مُلْبِسة أي متعددة الدلالات، أو تكون مُوهِمَة مُوقِعَة في سوء الفهم، كذلك تكون قراءاتنا للأجساد بما هي علامات. في العلاقات الحميمية نترك للأجساد فسحة أكبر لإرسال الرسائل، فيقول الجسد كل شيء و«تتعطل لغة الكلام».
لكن في سيميائية الجسد اللابس يعد اللباس بتفاصيله لغة أخرى أو كتابة أخرى على حد عبارة بارت، لأنه يوصل أفكارا جديدة لا يوصلها الجسد إلا في تفاعل معها. تقتضي العادة أن نرى الجسد لابسا ثوبا لا أن نرى ذلك الثوب الملبوس ثوبا ثانيا: فهذه الرؤية تشبه في عالم اللغة القراءة الحافة أو الغوص في ما وراء اللفظ لفهم توريته. لكن الأمر ليس بهذه الصعوبة، لأن أبصارنا لا ترى لباسا يمشي، بل ترى أجسادا باللباس، ولكنها ترى أيضا أجساما خلف اللباس اعتمادا على اللباس نفسه؛ فاللباس دال يخفي دالا يخفي مدلولا؛ ولا عبور للمدلول إلا عن طريق الترابط بين الدال الأول الثياب والدال الثاني الجسد. لكن الشفافية بين الدال الأول والدال الثاني تختلف درجتها حسب نوعية اللباس الذي يكسو الجسد. ونحن سنميز للضرورة المنهجية بين ضربيْن من تصاميم اللباس التي تغطي الأجساد: الثوب الفضفاض والطويل (ليس كل فضفاض طويلا) من ناحية؛ والثوب الضيق القصير من ناحية أخرى. وهذا التقابل كما سنرى لاحقا ليس تقابلا نظاميا إلا إذا أخذناه بشكل خُطَاطي مجرد في دلالته على الأجساد التي يكسوها؛ لكن توزيع هذين اللباسيْن تفصيليا على الأجساد يخضع لروى جمالية وأخلاقية ودينية وحتى سياسية لا تلتزم بالصرامة التي سنراها.
حين يلبس الجسم ثوبا فضفاضا طويلا، يكون في الغالب باحثا عن الستر أو التستر؛ وفي كليهما لعبٌ على سيكولوجية الإخفاء. سيكولوجية الإخفاء للستر يخفي فيها اللباس الفضفاض عنصرا جسديا يقيم معياريا بقيم الجمال والأخلاق التي تصبح بمرور الزمن قيما للمحظور أو الحرام، إن دخلتها العادة أو العقيدة. تصبح طبقة الستر أكثر كثافة كلما ضُيق أكثر فأكثر على إشاعة هذا العنصر الجمالي المدخل إلى المتعة الجسدية. هناك في الجسد تفاصيل هي التي يَسعى هذا اللباس إلى إخفائها أكثر من غيرها وليس من فرق ههنا بين جسد المرأة أو جسد الرجل إلا في عدد تلك العناصر وليس فقط في رمزيتها: ليس للرجل تفاصيل كثيرة يُخفيها ولذلك يمكن أن يكون اللباس الفضفاض أقل اتساعا من لباس المرأة الذي يسعى إلى أن يخفي أكثر عددا من التفاصيل. لكن في سيكولوجية الإخفاء للتستر يكون اللباس الفضفاض مُخفيا عنصرا من الجسد يعتقد الفرد أو تعتقد الجماعة في أنه ليس جميلا؛ أو قل هو لا يتماشى مع الذوق الجمالي العام. فإخفاؤه باللباس لا تحكمه معايير أخلاقية، بل جمالية خالصة هي عادة معايير الجمال المشترك بين جماعة ثقافية واحدة. من ذلك مثلا أن الأجساد السمينة تميل عادة إلى هذا الفضفاض؛ لكن لا أحد يمنع من الخروج عن هذه القاعدة إن اعتبرت السمنة طريقة في تكبير الجميل الفاتن، فما على اللباس عندئذ إلا إظهاره.
هاتان الحالتان اللتان يخفي فيهما اللباس سترا أو تسترا، يمكن أن نعتبر اللباس فيهما إكساءً؛ ويصبح لفظ الكسوة وما اشتق منها مُحيلا على جسم جماله أو قبحه مثار للحشمة واللعنة والعقاب والهزء وحتى الرذيلة. في ثقافة الخشية من وقوع الجسد في الرذيلة يكون الثوب علامة على المنع؛ ويكون إنذارا بعدم الاقتراب؛ ويصبح الثوب الجسد الثاني الذي يسجن الجسد الأول وتضحي الأشياء الملبوسة مرادفة لما أخفته؛ وإلا لماذا لا تُصافح الأيادي التي لبست القفازات غيرها؟ لأن اللباس في هذه الرؤية ليس عازلا؛ بل يصبح في ثقافة الخوف من الرذيلة موصلا أو ناقلا لحرارة الأجساد التي يُتمنى لها لو تهمد قبل أن يسري فيها كهرباء الأجساد المحرم.
وحين يكسو الجسدَ لباسٌ ضيق مقصر نكون إزاء جسد يريد أن يَبْريَ الثوب على مقاسات تفاصيله الفاتنة المبرية. يشف الثوب ههنا عن مرفولوجيا الجسد: على سطح اللباس ترى تفاصيله وتعرجاته كثبانه ومنخفضاته؛ وليس ذلك حكرا على جنس دون آخر. ففي أيامنا صار الشباب من الذكور يسعون إلى تضييق اللباس على كل البدن، ولم يكن ذلك قبل عصرهم ملتفتا إليه. يمكن القول ههنا إن دلالة اللباس الرجالي على فتنة الجسد استعارة لعلامات اللباس النسائية تبناها اللباس الشبابي مع اختلاف في تفاصيل العناصر الجسدية الجميلة التي يُراد إبرازها. بهذا يصبح اللباس لغة غَزِلة مشاعة أو عرضا للفتن مباحا طالما أن الجسد مخفي ليس كل الإخفاء، بل إخفاء من يشف ويستتر من أجل أن يحن إلى ظهوره من جديد. يصبح الجسد وهو يتوارى خلف الثوب كاللؤلؤة المخفية في المَحار؛ مع فرق في أن محار الثياب له شكل اللؤلؤة ويشف عنها. بعض ثياب هذا النوع تسمت صراحة باسم الجسد (بادي Body) وتعني ما ضاق وانحسر وتابع خيال الجسد. بادي ليست مجرد تسمية، بل هي أيضا دليل على أن الثوب صار جسدا ثانيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق