الخميس، 8 نوفمبر 2018

درسٌ في الخمسين عن الفاعل

القدس العربي 
الدكتور توفيق قريرة
من مآسي مهنة التدريس أنّك تظلّ تعيد درسك لسنة وسنتين ولعقد أو ربّما عقدين، ليس هذا أكثر مأساويّة من أنْ تنهض في الصباح وقد عدّلت وقتك على الساعة الرابعة صباحا في الشتاء، وتستيقظ وتأخذ شفرة الحلاقة وتنتصب أمام مرآة لا تعرف هل العيب فيها أم في الوجه الذي تعكسه، وتبحث عن رغوة صابون لا رغوة فيها، وتمرّ شفرة الحلاقة بحدّة وجفاف على بشرة جافة، وتزيح شعرات متناثرات كانت بيضاء فصارت تحت الرغوة غريقة.. ترشّ شيئا من عطر تقتّره ليوم كهذا على وجهك فيحرقك وتستلذ أن يحرقك لأنّك تعتقد إنّما فعل ذلك ليشفي الجراح.. في درسك الذي علّموك إيّاه: أنّ آخر التطبيب كيّ، بل وأوّله أيضا.
تدخل إلى المطبخ تشعل الفانوس وتشعل في ما تشعل الغاز السائل وتضع على النار إبريق القهوة وتصنع قهوتك السوداء؛ بدأت تشربها مُرّة من عقدين.. وتضع منها في كأس أكبر ما تخلطه بحليب هو هذه الأيّام عزيز غال.. عليك أن تكون قريبا من التاجر أو حبيبا كي يسلمك منه علبة زائدة.. قالوا إن الفاعل هو البقر فلقد ترك نفسه تُباع وتُهرّب عبر الجبال.. تقول في نفسك ما كان عليه أن يفعل ذلك ابن البقرة.. كيف يفعل الحليب ذلك وقد رضعناه؟ كيف يهاجر في ضرع من جاعت فباعت.. تضع في الخبز شيئا من زبدة البقرة العبوس لابدّ من الخبز أيّها الخبزي.. تمشي سريعا أو هكذا يتهيّأ لك إلى خزانة ثيابك وتخرج لباس العمل المكوي وتبحث عن ربطة العنق الملائمة لبدلة سوداء لعنت اليوم الذي اشتريتها فيه.. لست أنت من جعلها تكره نفسها، بل الدرس هو الفاعل.
الحذاء الذي ملّ المسح وكره المشي صار ناصع السواد لا غبار عليه.. من أين سيأتيه الغبار أمن الحقل وليس لك حقل؟ أم من السير في مدن الغبار والمدن التي تعرف تراكم فيها كلّ شيء حتى فقد خفته ونسي طيرانه؟ الحذاء الناصع السّواد كفحمة الرماد، إمّا أن تخرجها منه يدٌ محليّة تشعل بها سيجارة مستوردة لرجل مستورد من كبار» الفاعلين في القطاع»، وإمّا أن تنفخ عليها – وقد ذوت ولفها الرماد – عجوز بلا نَفَس تريد أن تردّ النار إلى جمرات المدفأة فتنفخ حتى يطير في وجهها كل الرماد وتعود الجمرة إلى حمرتها وتصدّق العجوز أنّ نفسها مازال قادرا على أن يفعل في الوجود.
درس اللغة لم يعد في أوراقي بل صار بين طيات ثيابي بات في روحي في السحابة التي لم أكن أراها إلاّ أنا فصار الجميع يراها.
تخرج من الباب والصبح لمّا يَتَنَفَّسْ وتسرع بخطو من كان في الخمسين تزيد.. تسرع كي تدرك القطار.. هذه الأيّام يأتي القطار قبل موعده.. قال بعض الضّجرين من الحياة، إنّ القطار حين يأتي قبل موعده يقتلنا بلا راجفة.. فماذا ترانا قائلين أو فاعلين؟ تعوّدنا أن تشكو من تأخّر القطار فما عذرنا إن تقدّم موعده وتقدّمت ساعته.. سيقولون أنتم الجناة فالقطار فعلها وتقدّم على تأخّركم.. جاء القطار متأخّرا فحمدت الله أنّه جاء على غير وقته.. أدخل إلى حيث سألقي درسي اليوم عن الفاعل، لا أحد في الباب غير الحارس حيّيته فردّ التحية بأحسن منها وعاد يحرس، الحمد لله أنّي لست الحارس وإلاّ لما عرفت من أيّ ناحية أنتظر اللّصوص.. لكلّ عمله وأنا عملي أن أدرّس أشياء فيها بعض البساطة ولكنّ الحياة عقّدتها. دخلت إلى قاعة المدرّسين لا أحد فيها فالوقت مبكّر وأنا مشكلتي أنّي أصل قبل الوقت بكثير أنتظر الوقت أن يأتي.. الوقت لا يتأخّر البتّة هو يأتي في موعده تماما.. لا أعرف أيّ قطار يستقلّ حتى يأتي في موعده.. عجيب هذا الوقت يحبّ النوم شتاء فيحمله الليل باكرا إلى هنا ويلبسه ثيابه ويمشط له شعره ويلبسه حذاءه المستورد ويصفّر أنّ الوقت حان.. حملت نفسي وجعلت خطوتي تمثّل دور من يمشي واثقا من نفسه ومن درسه.. دخلت فوجدت مريدي درس الفاعل هناك.
فتحت محفظتي وأخرجت جذاذة الفاعل وكتبت بالطباشير الملوّن على سبّورة جرداء عنوان الدّرس: الفاعل؛ ثمّ التفتّ حيث مستهلكو الدرس، لكنني لم أحدّق فيهم بل حدّقت في السّحاب القابع آخر الفصل.. منذ عقد قد يزيد لم أعد أرى في الفصل غير سحابة أراها هناك في آخر الفصل.. كانت تكبر كلّ عام ويميل بياضها إلى سواد.. صرت آنس بها وأظل أبحث عنها ببصري حتى ألقاها فهي بوصلتي..
قلت وأنا أنظر في أوراقي: هل سأعيد ما قلته كلّ سنة من أنّ الفاعل هو المسند إليه الفعل؟ فهو زيد في (ضرب زيدٌ) وهند في (عشِقَتْ هندٌ). لن أعيد هذا قررت أن أثور على فاعل درسه سيقتلني من الرّتابة وزيدُه ما يزال يضرب عَمْرَه وما اشتكى عمرو زيدا. وحتى إن اشتكى عمرو فسيقول له القاضي: ألست الفاعل حين اشتكيت؟ سيقول عمرو: نعم ويصبح الفعل مبنيّا إليه ويصبح زيدٌ هو المجهول. مالي وما لهند إن عشقت وهي مؤنث بلا علامة وستضحي بالجمع غير سالمة. سيكذّبني مدرّس البلاغة الذي يكرهني وسيقول وهو ينظر بعين غزلة لإحدى هندات القسم، إنّ عشق هند مجاز لا حقيقة فليست هي من يعشق حقيقة، بل قلبها.. ستصدّقه هند الفصل تعاطفا مع عينيه السّاحرتين وسيصبح درسي عن الفاعل كذبة لا تقبل التصديق.
أطبقت على أوراق الدّرس ملفّها كانت حروفها قد غار حبرها وصار الصّدأ إليها.. أخذتُ نظّارتي وشرعت أمسحها قلت وأنا أنظر إلى السّحابة: هل ترون؟ قالوا ماذا؟ قلت: السّحابةَ ؟ التفتوا ما رأوا شيئا.. قالت هند المولعة بالعيون: ضع نظارتك سيّدي لترى أفضل.. وضعت نظارتي وقلت: مازلت أراها. ظلوا يقلبون النظر بيني وبين موضع السّحابة التي أحدّق فيها.. قلت لزيد الذي أشبع عمرا ضربا: تعالَ حيث أنا، فجاء.. ضغطت على يديه أن جَارِني وقلت: هل ترى السّحابة؟ أراها يا شباب.. جاء جميع من في الفصل: قلت: هل رأيتموها قالوا: نعمǃ قلت: اجعلوها فاعلة. قال أحدهم: ولدت السّحابة وقال آخر: هل غابت السّحابةُ؟ وآخر: أخيرا أمطرت السّحابة. قلت لهم: وإن قلت: انزاحت السّحابة.. هل هي فاعل؟ قالوا لا تجعلها تفعل.. قلت في نهاية الدّرس: كان الفاعل الحقيقي في درس اليوم سحابة.. قالوا بل الفاعل أستاذنا جعلنا نرى سحابة تفعل كلّ شيء.. انزع نظّارتك كي ترينا في الحصّة المقبلة ما وراء السّحابة.
عدت إلى محفظتي وأدركت أنني كنت خارج السّحاب.. كنت في كهف نسيت فيه أنني إنسان فاعلٌ وأنّ أوراقي التي فيها درسي حان خريفها وأنّ سحاب الخريف ممتع .. قفلت راجعا إلى منزلي . شعرت لأوّل مرة كم أنا خفيف ما عاد يعنيني قطار يأتي قبل موعده أو بعده، ولا هند ومجاز عشيقها البليغ.. درس اللغة لم يعد في أوراقي بل صار بين طيات ثيابي بات في روحي في السحابة التي لم أكن أراها إلاّ أنا فصار الجميع يراها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق