الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
نشرت جريدة «الشروق» التونسية بتاريخ 20 مايو/أيار الجاري خبرا مفاده أنّ تاجر «خردة»(أي أشياء قديمة) عرض في مدينة جمّال التونسية (محافظة المنستير) خمس أطروحات دكتوراه في الصيدلة للبيع، ونقلت الجريدة الخبر عن إذاعة خاصّة حاورت الطبيبة التي ابتاعت جميع الأطاريح بمبلغ عشرة دنانير تونسية (تقريبا 3 يوروات) وهي أطروحات حديثة نوقشت بين 2011 و2019.
القدس العربي
نشرت جريدة «الشروق» التونسية بتاريخ 20 مايو/أيار الجاري خبرا مفاده أنّ تاجر «خردة»(أي أشياء قديمة) عرض في مدينة جمّال التونسية (محافظة المنستير) خمس أطروحات دكتوراه في الصيدلة للبيع، ونقلت الجريدة الخبر عن إذاعة خاصّة حاورت الطبيبة التي ابتاعت جميع الأطاريح بمبلغ عشرة دنانير تونسية (تقريبا 3 يوروات) وهي أطروحات حديثة نوقشت بين 2011 و2019.
لا يعرض اللساني خبرا كهذا لإثارة التعجب في قرّاء يمكن أن يتعجبوا من حال العلم والعلماء في رقعة من الوطن العربي، وكيف أنّ جهدا يستغرق من صاحبه على الأقل خمسا من السنين الكابسات في البحث، يطرح في سوق الخردة. ويمكن للقارئ أن يتعجب من أشياء أخرى من بينها: كيف تكون أطاريح اليوم معدودة في الأشياء القديمة؟ وهل أنّ التاجر ذكيّ إلى هذا الحدّ حتى يعرض للبيع بضاعة «بضاعة» علمية في شهر الصيام وإشباع الغرائز بالشراب والطعام؟
يعرض اللساني هذا الخبر ليعتبره خطابا ويتناوله من وجهة نظر فنّ في اللسانيّات تطوّر في سياق أكاديمي في سبعينيات القرن العشرين في أوروبا، وتسلقه في الوطن العربي ومازال يتسلّقه بعض من لا يعرفون قواعده ،ومن لا يمتون إلى اللسانيّات بصلة، ومن لم يؤسسوا علمهم في هذا المبحث بالمفاهيم اللسانيّة الأساسية، هذا الفنّ هو تحليل الخطاب Discourse Analysis .
تحليل الخطاب هذا وبشيء كبير من الاختصار والتبسيط هو مجموعة من المقاربات، تدرس الطرق التي تستعمل بها اللغة بين الناس، سواء أكانت في النصوص المكتوبة أم في الشفويّة في وحدة هي الخطاب. الخطاب ليس الكلام، بل طرق إنجازه، سواء أكان مكتوبا أم شفويا، ويدور حول مضمون معلوم متناسق وهو عملية تركّز على التفاعل اللغوي بين المشاركين فيه سواء. وقال ت. فان دايك أحد أبرز أعلام تحليل الخطاب، إنّ تحليل الخطاب هو «دراسة استعمال حيّ للغة على يد متخاطبين حقيقيّين في وضعيّة تواصل حقيقيّة». بهذا ينظر تحليل الخطاب في المحاورات وهي تجري في سياقاتها التواصلية الحيّة، وهو يمزج بين اللساني والاجتماعي حين يراعي السياقات الثقافية التي تستخدمها اللغة. وفتح تحليل الخطاب المجال أمام دراسة كلام لم يكن يدرس هو الكلام اليومي في جميع مواطنه، ككلام الساسة ورجال الاقتصاد والدين وغيرهم ودخل وسائل الإعلام والصحافة وقصور العدالة وغيرها من المؤسسات، ولم يفرّط لا في سياقات تواصل الناس ولا في العلاقات التي تربط بينهم، ولم يسقط من حساباته لا حركاتهم ولا سكناتهم، وكلّ ذلك اعتمادا على مبادئ وقواعد مستمدّة من مجالات اللسانيات الواسعة، ومن المجالات التي تتعامل معها اللسانيات. وتستفيد السياسات العالمية الكبرى من خبراء في تحليل الخطاب السياسي. والدول التي تحترم مجتمعاتها، وتبحث عن حلول لمشاكلها الكبرى، كالهجرة وتفاقم العنف تجد حلولها المفيدة عبر تحليل الخطاب وتوجّه إلى نتائجه كلّ العناية.
يوجّه الخبر الصحفي انطباعات المتلقّي بجملة تقيّم ما سيأتي من مضمون وهي «في حادثة غريبة أثارت جدلا واسعا، عرض تاجر خردة أطروحات دكتوراه للبيع».
لنعد إلى الخطاب الذي نقلته الصحيفة؛ هو خطاب مكتوب منقول عن خطاب مسموع، فيه تحدثت شاهدة العيان عمّا رأته في سوق الخردة؛ ولكن جاء هذا الخطاب الإذاعي بدور على إثر حوار حيّ بين السيّدة والبائع. فالخطاب الصحافي هو في الحقيقة متناسل من الخطاب الإعلامي المتناسل بدوره من محاورة بين بائع وشارية، حول بضاعة قيمتها بين البائع والشاري ليست موضوع اتفاق. كلّ واحد من هذه الخطابات هو خطاب برأسه أي هو نظام من المعنى يرتبط بسياق اجتماعي ثقافي متفاعل؛ بيد أنّه يربط بين أطراف مختلفة ويحيل على سياقات خطابيّة متنوعة، فطرفا الخطاب الظاهران في الحوار الصحافي هما الصحافي/ القارئ وفي الحوار الإذاعي هما الإعلامي/ المرأة وفي الحديث الأصلي هما المرأة / بائع الخردة. اللّغة في تحليل الخطاب وظيفتها بناء الكون الذي تنقله بما فيه من تفاعلات نفسيّة أو اجتماعيّة. واللغة التي بنت هذا الكون (بيع أطاريح دكتوراه في سوق الخردة) إنّما كان الغرض منها التأثير النفسي والاجتماعي بالإضافة إلى وصف الواقعة. لكن أن تبني اللغة الواقع فلا يعني أنّ الواقع في أصله كان كذلك، وهذا هو الفرق بين الواقع وبنائه بواسطة اللغة. لقد جمعت اللغة في هذا الخطاب بين عناصر لولا التفاعل بينها لكانت ركاما من أشياء لا معنى لها. فلا معنى للغرابة إلاّ للغة تصنع هذا الكون على أنّه غريب، وإلاّ فإنّ التاجر كان يمارس فعل التجارة بلا غرابة قبل بيعه الأطاريح وقبله. ويراعي الخطاب وهو يبنى باللغة ما يسمّى بوضعيّات الفاعلين أو المتكلمين الباثيّن فيه؛ فوضعيّة المرأة مع البائع تختلف عن وضعيّتها مع الإعلامي في الإذاعة؛ فهي في المحادثة الأولى سائلة متعجبة، وفي الحوار الإذاعي مخبرة بما حدث؛ غـــير أنّ وضعيّة المرأة في الخطاب الصحافي ليست أساسيّة، لأنّها ليست فاعلة في البناء اللغوي للنصّ الصحافي.
يوجّه الخبر الصحفي انطباعات المتلقّي بجملة تقيّم ما سيأتي من مضمون وهي «في حادثة غريبة أثارت جدلا واسعا، عرض تاجر خردة أطروحات دكتوراه للبيع». المقطع المفتتح للخبر هو مقطع يتخذ فيه الفاعل وضعيّة الموجّه للرأي بالحكم على الحادثة حتى قبل إيرادها. وتبني اللغة هذه الوظيفة الخطابية الدافعة إلى الاستغراب، بناء يتكثر فيه وصف الحادثة قبل الإفصاح عنها فهي «غريبة» وأثارت جدلا واسعا». كان الوصفان متناغمين في الإثارة، ولكنّ الثاني منهما لم يكن منسجما مع وظيفة الخبر الأساسيّة، وهي الإخبار؛ ذلك أنّه لا فائدة من نشر خبر «أثار جدلا واسعا» بين الناس، لأنه سيكون في حكم المعلوم قبل ذلك. آليّة بناء الخبر قدّمت المثير على موضوع الخبر، وهذه طريقة مألوفة وهيّنة في الاستحواذ على اهتمام المتلقي قبل إعلامه بالخبر: هي طريقة في بناء للخبر تعكس استراتيجيا في الهيمنة على القارئ؛ لكنّها استراتيجيا تبوء بالفشل بمجرّد أن يكتشف القارئ أنّ الخبر أقل من الصفات التي أسندت إليه. يضيف الخبر أنّ الطبيبة «طلبت استفسارا من البائع ليجيبها بأنّه اشتراها بمبلغ جملي قدره 10 دنانير، مشيرة إلى أنّها قدّمت الثمن نفسه وأخذت الأطروحات». البناء اللغوي الذي اعتمد في هذا المقطع ينقض طبيعة هذا النوع من الخطابات الصحافية التي يطلب منها الاختزال. إذ استخدمت الكلمتان والثلاث محلّ الكلمة الواحدة في (طلبت استفسارا: استفسرت أو سألت) وفي (قدمت الثمن وأخذت الأطروحات: اشترت).
لم نقل كلّ شيء من منظار تحليل الخطاب بل قدّمنا شيئا قليلا من عنوان واحد هو البناء اللغوي؛ لكنّنا تركنا عناصر أخرى لضيق هذا الفضاء عنها. وسكتنا على النوايا التواصلية من عرض المعلومة. هنا ندخل إلى التأويل من ناحية ما ينفع من إيراد الخبر؟ أستطيع أن أقول وبدون دخول في التحليل إنني لا أتقاسم المنفعة نفسها من إيراده لا مع البائع ولا مع المذيع ولا مع الصحافي ولا حتى مع الطبيبة التي اشترت الكتب. أرى البيع والشراء وسيلة يفرط بها من لا يستفيد من المفيد بعد التظاهر في أنّه مفيد لمن يستفيد ويعلن أنّه مستفيد.
يوجّه الخبر الصحفي انطباعات المتلقّي بجملة تقيّم ما سيأتي من مضمون وهي «في حادثة غريبة أثارت جدلا واسعا، عرض تاجر خردة أطروحات دكتوراه للبيع». المقطع المفتتح للخبر هو مقطع يتخذ فيه الفاعل وضعيّة الموجّه للرأي بالحكم على الحادثة حتى قبل إيرادها. وتبني اللغة هذه الوظيفة الخطابية الدافعة إلى الاستغراب، بناء يتكثر فيه وصف الحادثة قبل الإفصاح عنها فهي «غريبة» وأثارت جدلا واسعا». كان الوصفان متناغمين في الإثارة، ولكنّ الثاني منهما لم يكن منسجما مع وظيفة الخبر الأساسيّة، وهي الإخبار؛ ذلك أنّه لا فائدة من نشر خبر «أثار جدلا واسعا» بين الناس، لأنه سيكون في حكم المعلوم قبل ذلك. آليّة بناء الخبر قدّمت المثير على موضوع الخبر، وهذه طريقة مألوفة وهيّنة في الاستحواذ على اهتمام المتلقي قبل إعلامه بالخبر: هي طريقة في بناء للخبر تعكس استراتيجيا في الهيمنة على القارئ؛ لكنّها استراتيجيا تبوء بالفشل بمجرّد أن يكتشف القارئ أنّ الخبر أقل من الصفات التي أسندت إليه. يضيف الخبر أنّ الطبيبة «طلبت استفسارا من البائع ليجيبها بأنّه اشتراها بمبلغ جملي قدره 10 دنانير، مشيرة إلى أنّها قدّمت الثمن نفسه وأخذت الأطروحات». البناء اللغوي الذي اعتمد في هذا المقطع ينقض طبيعة هذا النوع من الخطابات الصحافية التي يطلب منها الاختزال. إذ استخدمت الكلمتان والثلاث محلّ الكلمة الواحدة في (طلبت استفسارا: استفسرت أو سألت) وفي (قدمت الثمن وأخذت الأطروحات: اشترت).
لم نقل كلّ شيء من منظار تحليل الخطاب بل قدّمنا شيئا قليلا من عنوان واحد هو البناء اللغوي؛ لكنّنا تركنا عناصر أخرى لضيق هذا الفضاء عنها. وسكتنا على النوايا التواصلية من عرض المعلومة. هنا ندخل إلى التأويل من ناحية ما ينفع من إيراد الخبر؟ أستطيع أن أقول وبدون دخول في التحليل إنني لا أتقاسم المنفعة نفسها من إيراده لا مع البائع ولا مع المذيع ولا مع الصحافي ولا حتى مع الطبيبة التي اشترت الكتب. أرى البيع والشراء وسيلة يفرط بها من لا يستفيد من المفيد بعد التظاهر في أنّه مفيد لمن يستفيد ويعلن أنّه مستفيد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق