الأربعاء، 26 يونيو 2019

مسْرَحَة اللغة

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
أجلس في القطار المكيّف وأشعر بالأمان.. دقيقة من الأمان قادرة على أن تمحو من ذهنك أيّ اختراق لصوت بشع أو لمشهد مقرف.. لا أدري متى يغمر هذه النفس القلقة الحبورُ، ومن يرسل هذا الرذاذ الذي يسقي نفوسا عطشى؟ رواء يسري بين ثنايا الروح ولا تدري من أين جاءها، لكنّه يكون بردا عليها وسلاما. أفتح فيديو أغراني عنوانه: «ضجيج العالم»، أضع السماعة مثل شَرِه يريد أن يأكل طبقه لوحده.. كان درسا مفتوحا يلقيه مخرج مسرحي فرنسي اسمه كلود رايجي في جامعة أفينيون الفرنسيّة ذات مساء صيفي من خمس سنين خلت.

يتحدّث الرجل عن تجربته في المسرح، تحدّث عمّا استفاده من المؤلفين طيلة رحلة الإخراج. بدا الرّجل مقدّسا النصّ ولغته النصّ، إذ يعتبر الكتابة المسرحيّة – لا الرّكحيّة – هي المنطلق الأوّل في الفعل المسرحيّ. ذكر المخرج الشيخ أنّ هذا الولع هو في الحقيقة عدوى انتقلت إليه من كتّاب كبار من أمثال، مارغريت دوراس وهنري ميشونيك. شدّني أنّه تأثر بأفكار هذا المنظر اللغوي والشاعر والمترجم (ت 2009) حين أخرج نصّ الكتاب المقدّس الذي ترجمه إلى الفرنسية. قال إنّ ما شدّه في ميشونيك أنّه كان يؤمن بوجود مسرحة متأصلة في النصّ، بل في لغته. فاللغة أيَّا كانت تتضمّن وبشكل سرّي وغير مرئيّ مَسْرَحَة. قوّة اللغة المسرحيّة مثلما يقول كورفان، إنّها تجعل المقروء مرئيّا. وقوة المسرح هو كما يقول ميشونيك إنّه قادر على إخراج ما في اللغة من مسرحة.
سرحت في تفاصيل العربية، رأيت حروفها ترتدي، وهي على مسرح الكلام كسوات مختلفة وتؤدّي أدوارا متنوّعة، هذه أصوات مجهورة وتلك مهموسة؛ شديدة ورخوة.. فتحت عيني بدون أن أنزع السماعة لأرى الأصوات على الشفاه المتحدّثة… عليّ لكي اكتشف الأصوات أن أسمع رنينها، فالأصوات في اللغة تتقمّص في الكلام دور الجوقة.. نزعت السماعة وأغمضت عينيّ فنزل إليَّ شلاّل من الأصوات كموسيقى جوقة في مشهد رتيب.. أعدت السماعة إلى أذني وتذكّرت أنّ الأصوات يمكن أن تمسرح أيضا بشكل بديع لكن عند قوم مختصين يعرفون كيف يوازنون بين التمثيل الصوتي والتمثيل الحركي عند أداء تلك الأصوات: إنّهم القرّاء الذين يتقنون لا فقط الأنغام فيلبسون الأصوات لبوسا مختلفة من الأنغام، بل هم يحتفون بالوقف: أي باللحظة التي يتوقف عندها الكلام على السكون.
تذكّرت حديثا بعيدا للنحوي ابن يعيش عن الإشمام بما هو ضرب من الوقف فيه مسرحة تقوم الشفتان فيهما بدور المشخّص. مضيت أبحث عن نصّ شارح المفصّل، الذي لا شكّ أنّه كان يعرف أنّ الشفة تهمّ بالكلام ولا تتكلم، تريك حركتها هي التي تريك في العادة صوتها، وجدت هذا المقطع البديع: «أمّا الإشمام فهو تهيئة العضو للنطق بالضمّ من غير تصويت، وذلك بأن تضمّ شفتيك بعد الإسكان وتدع بينهما بعض الانفراج ليخرج منه النفس فيراهما المخاطب مضمومتين، فيعلم أنّا أردنا بضمّهما الحركة، فهو شيء تختصّ به العين دون الأذن وذلك إنما يدركه البصير دون الأعمى، لأنّه ليس بصوت يسمع وإنما هو بمنزلة تحريك عضو من جسدك» (شرح المفصل 9/68). في الإشمام من مسرحة اللغة ما يجعلك تمثّل: بأن توهم رائيك أنّك تنطق الحركة ولا تنطقها. وفي الرَّوم تمثيل آخر لأنك «تروم الحركة ولا تتمها فتختلسها اختلاسا، وذلك ممّا يدركه الأعمى والبصير».
كانت الملائكة غير عابئة بشيطنتها لأنّ في الملائكة بعدا يمكن أن يسع العالم بتناقضاته وشياطينه.. امتدّت تلك اليد التي سلمته إليّ تريد استرجاعه فأعدته.
حرّكت شفتي أحاكي الإشمام وأمثله، ونظرت أمامي كان هناك طفل صغير في المهد جميل.. كان يركّز على حركتي ولا أراه حتّى رأيته.. مدّ بيديه يريد أن يأتي إليّ .. مددت له يدي فجاء.. سلمته اليد إليّ بدون تردّد.. شممت فيه ريح الملائكة.. داعبته قليلا فضحك لضحكي وبدأت أحرّك شفتي بالروم فيحرّك شفته ليس بالضبط مثلي، ولكنه يحاكيني، غير أنّه كان يصوّت بأصوات منغمة كالموسيقى، ثمّ يرفع يده إلى وجهي فأدفن وجهي في يده وأصوّت مثله فيضحك كأنّي أدغدغه.. أبعد يدي فيصوّت فأحاول أن أفهم.. فأفهم؛ يقول لي صوته المملوء همسا: تعال إلى لغتي الراقصه.. ألبس أصواتي كساء مزركشا وأصوّت كصوته لكنّ صوتي يظلّ أقرب إلى الشيطان.. غير أنّه لا يخاف.. يصوّت فأجد صوته دفقا من أصوات الملائكة فأشعر بالأنس.. في مسرحنا الصّوتي لغة تمثّل.. صوتي الذي تنكّر لجسمه اللغوي يلتقي مع صوته الذي لم يلبس بعد لبوس اللغة ويمثلان مشهدا صوتيّا يعود إلى ما قبل تخاصم الشياطين مع الملائكة.. كانت الشياطين تريد أن تنكسر أن تتطهر أن تصفو حتى ترضي الملائكة.. كانت الملائكة غير عابئة بشيطنتها لأنّ في الملائكة بعدا يمكن أن يسع العالم بتناقضاته وشياطينه.. امتدّت تلك اليد التي سلمته إليّ تريد استرجاعه فأعدته.
اللغة ممسرحة من أصلها عليه ألاّ يقصد اللغة المكتوبة، وعليه ألاّ يقصد أنّ لغة المسرح هي الحياة الأولى والأصليّة لخلق ما يجعل المسرح مسرحا عليه ألاّ يعني ما قيل من أنّه ما إن ترسم كلمة في أثر حتى يبدأ المسرح بالتشكّل. المسرحة ليست في أن ترقص الكلمات في النصّ، وفي حنجرة الممثل وهو على الركح، قبل أن يمثل الممثل بحركاته ويؤثّر بلباسه ويضيع في الضياء ويظهر في الظلمة.. مسرحة اللغة الحقيقية هي في الأصوات التي نقطعها ونلقيها على مسامع من هو قلق من سماعنا، أو من هو في شوق كي يسمعنا. المسرحة أن تفعل بالصوت وبالنغم فتبني بناء دراميا بديعا وأنت لا تقول المعنى، بل تلحّن أصواتك بأدوات نطقك. الذين يؤمنون بالنصّ بما هو أصل المسرح، وهم الذين يؤمنون بمسرحة اللغة هم في الحقيقة قوم متعصبون للنص.. ومن ورائه للغة.
أنا حين أنظر إلى اللغة من دون نصّ أجد فيها مسرحة في العلاقات الحميمة بين عناصر تراكيبها، ثمّة صلة وشيجة بين المضاف والمضاف إليه تجعلهما يمثّلان دور الزوج حتى ينفصلا، هما يتضايفان فينكسر أحدهما وتوجد صلة ثانية أشدّ متانة بين المسند والمسند إليه، يتعاقدان فيترافعان فينشآن الخبر، وما أدراك ما الخبر أصل الكون الحكائيّ.. العلاقات التركيبية تذهب زوجا زوجا، حتى إذا ما اشتدّت الحبكة واتصل العقد انفكت وانكسرت وعادت مفردة كالأصوات الساذجة لا معنى لها: مأساة اللغة في انفراد ألفاظها وعزلتها وعرسها وفرحها ومرجها في ارتباطاتها.
عاد الطفل يمدّ يديه وعدت أمدّ له يدي.. قالت اليد التي أعادته إليّ: لا شكّ أنّ أحفادك يحبّونك.. حملت الطفل بين يدي ثانية ورأيت فيه وجه حفيدي الذي لم يأت.. قال الصبي وهو يبتسم بلغة المهد:لا تهتمّ لما يقال لك فإنّك لا تعرف لمَ قيل عنك كما قيل… دقّت طبول الأجراس وعلت نواقيس البديع والطفل لا يفعل شيئا غير التصويت.. تدخل يدي على فمي لتنوّع الأصوات فتكتب بالأصوات شيئا يروق للصبيّ فيضحك ويعجب من كتابة على الشفاه تنوّع الأصوات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق