الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
يبدو لنا الكلام حركة عادية على عسرها، كأي حركة تدربنا على أدائها ولم نعد نأبه لصعوبتها. نقضي نهارنا ونحن نتكلم نقول صباح الخير وملحقاتها ونخبر ونشكو ونلعن ونجامل، وإن سمح لنا الوقت نتغزل، بالكلام نبرم الصفقات ونحلم ونحكم، ولكنه يذهب في أدراج الرياح كصدى يرحل من بعيد إلى العدمِ. لكن يمكن أن يسجل الكلام ويردد ويسمع مرات. تسجيل المنطوق أكثر ما يحتفى بها في الغناء وفي السياسة، نسمع الأغنيات المسجلة ونعيدها، يموت من سجلها وتفنى الآلات التي سجلتها، لكن التسجيل لا ينتهي. نسمع خطابات الزعماء، لكن حياة الأغاني أطول من أعمار خطاباتهم، إلا منْ صنع كلامه لحظة في التاريخ.
القدس العربي
يبدو لنا الكلام حركة عادية على عسرها، كأي حركة تدربنا على أدائها ولم نعد نأبه لصعوبتها. نقضي نهارنا ونحن نتكلم نقول صباح الخير وملحقاتها ونخبر ونشكو ونلعن ونجامل، وإن سمح لنا الوقت نتغزل، بالكلام نبرم الصفقات ونحلم ونحكم، ولكنه يذهب في أدراج الرياح كصدى يرحل من بعيد إلى العدمِ. لكن يمكن أن يسجل الكلام ويردد ويسمع مرات. تسجيل المنطوق أكثر ما يحتفى بها في الغناء وفي السياسة، نسمع الأغنيات المسجلة ونعيدها، يموت من سجلها وتفنى الآلات التي سجلتها، لكن التسجيل لا ينتهي. نسمع خطابات الزعماء، لكن حياة الأغاني أطول من أعمار خطاباتهم، إلا منْ صنع كلامه لحظة في التاريخ.
تتيح لك التقنيات المعاصرة أن تسجل حديثك وحديث من حَوْلك بأيسر السبل. أتاح لنا تسجيل أصواتنا شيئا من الذهول والإعجاب. كلامنا آني وحاضر أبدا فنحن نتكلم «الآن» وحين نصمت وينتهي الكلام يظل آنٌ جَديد ينتظر الكلام، حتى يبدأ هذا الآن هو آنُ التلفظِ الذي قيسَ به زمن الفعل الماضي والحال والمستقبل. فلم يكن الفعل (ذَهَبَ) و(شَرِبَ) ماضيا، إلا لأن حَدَث الذهاب والشراب كانا سابقين عن زمن الإخبار عنهما وهو زمن التلفظ الآن.
ما يتيحه لك التسجيل أنك تحتفظ بما تكلمت به في «آنٍ» من «آنات» تلفظك في واجهة بلورية، يمكن أن تعيد سماعه وملاحظته متى أردت. حين تتكلم أنت لا تقول الكلمات فقط، بل أنت تستمع أيضا إلى نفسك الآن، وتفك شيفرة ما تقول الآن، فأنت تعالج الكلام الذي سترسله إلى المخاطب وحينما تلقيه تعيد تقبله من جديد.هذا عمل بديع ومثقل وسريع ومكلف من جهة المجهود الإدراكي، لكنه ساحر يشبه في سحره نَجْمًا يرسل ضياءه من السماء، ثم ينزل إلى الأرض ليشاهد نفسه وقد أضاء من بعيد. الفورية لا تتيح لك التأمل والإعادة والتوقف والتريث، بل يتيحه لك التسجيل، فأنت ترى في التسجيل نبرات صوتك جليا، وتراقب بأذن السامع الناقد لسان المتكلم الذي يجهده الكلام أو يمتعه ساعتها. يسجل كلام الزعماء ويعاد لأنهم زعماء، وحين يموتون وينساهم الناس قد يعاد كلامهم، لا لأنهم هم من قالوه، بل لقيمة فيه. وحده الكلام المسجل ما يخلد عناصره نعني قائليه وبقية ظروف القول وملابساته. على الرغم من أن تسجيل المنطوق بالسمعي أو السمعي البصري، ثورة ثبتت المنطوق كما هو، وتحررت من تحنيطه بالكتابة التي تنزع عنه كثيرا من أثوابه الطبيعية، فإن الكتابة تظل الآلة المسجلة للمنطوق الأكثر رونقا والأكثر بهاء.
فالكتابة ليست أن تخلط الحروف والكلمات كيفما اتفق، ثم تسمي نفسك كاتبا.. ستكون وقتها كمن يخلط الألوان كيفما اتفق، ويدعي أنه رسام وهو بلا ذوق وبلا كيمياء، وستكون كشيطان ادعى النبوة وهو بلا طهر بلا وحي.
ألطف تعريف قدم للكتابة، أنها تصوير للفْظ بالخط. أي أن الكتابة تُمثل الخط بأشكالها التي تكون قد استقرت نظاما علاميا خاصا، أريد أن أقف قليلا وقوف متأمل عند لفظ التصوير في الكتابة، لأميزه عن التصوير الذي في القول. التصوير الذي في القول شيءٌ من أسلوب القول نفسه وله ألوانه وألواحه وفنونه البلاغية والتعبيرية، التي ليس هذا مجال الخوض فيها، لكن التصوير في الخط هو هيئات الحروف التي يكتب بها الملفوظ. يبدو الأمر غريبا اليوم، وتبدو الصلة مقطوعة بين صور اللفظ أو الكتابة ومعنى الملفوظ، هذا صحيح، غير أن الأمر لم يكن كذلك في بدايات عصر الكتابة حين كانت الألفاظ تصور فعلا بالخط. كانت الكتابة في أصلها تصويرية، ترسم الصور لتعبر عن فكرة مازال الأمر في بعض اللغات إلى اليوم يسمى ذلك Ideogram أي التمثيل الخطي للفكرة. كانت الكتابة في علاقة تصوير وترميز مباشر بالأفكار التي تمثلها، يكفي أن نقول إن رمز الحرف الألفبائي الأول A يحمل إلى اليوم صورة رأس الثور الذي كان يعنيه اسم ألف Alef/Aleph أو ألفا alph a في كثير من اللغات القديمة كالفنيقية والأوغاريتية والإغريقية والعربية والعبرية وغيرها.
تظل الكتابة أجمل شيء تعطيكه الحياة، لأن نبض منها جميل. فالكتابة ليست أن تخلط الحروف والكلمات كيفما اتفق، ثم تسمي نفسك كاتبا.. ستكون وقتها كمن يخلط الألوان كيفما اتفق، ويدعي أنه رسام وهو بلا ذوق وبلا كيمياء، وستكون كشيطان ادعى النبوة وهو بلا طهر بلا وحي. الكتابة البهية لون بهيج في داخلك إنْ فقدته كسر القلم الذي لم يُصنَعْ لك.. الكتابة تعلمك أن أشياء كثيرة لم تصنع لك فلا داعي إلى شرائها والتحلي بها.. كل شيء يمكن أن يشترى ويباع إلا ماء الحياة ورونق الكتابة. كيف يمكن أن تكتب وفي داخلك عتمة؟ وفيك جهل بكل صوتٍ بَهيج أو صيحة تُهيج؟ الكتابة فطنة وذكاء وذهن يعمل، لا حسب الطلب، وقلب ينبض خارج عقارب الساعة، وفوق هذا كله لا مبالاة بأن يفهموا أو لا يفهموا، يحسنوا التأويل أو لا يحسنوا ..هل تعرف من أكبر جاهل في الكتابة: الذي يقول إن الرمز ماتَ ودُفِنَ مع حيوانات ابن المقفع ولافونتان.. يجهل المسكين أن الكتابة من أصلها رمْزٌ، وأن الترميز سلطة لا تتقي السلطَ وقوة في التمثيل لا يرقى إليها أي ذهن. الكتابة في أي مكان حالة فريدة تريد حالة فريدة تفك شفرتها.. هي لمن أراد البيان حالة من يكتب على نصف ورقة بالحبر الصيني، جملة أو جملتين ويضع النصف في زجاجة بلورية ويرمي بها في عمق البحر.. ستصل القنينة إلى من يفتحها سيقرأ و سيمضي..
ربما وصلت القنينة إلى أول قارئ لها لا يحسن القراءة سيفتحها وسيتأمل حروفَها ولوْنَ حبرها وخطوطا معوجة ومستقيمة، ثم سيلقي الورقة ويحتفظ بالقنينة يملؤها ماءً ويشرب منها لأنها لم تفقد وظيفتها. ربما وصلت القنينة لأول قارئ لها يحسن القراءة، ولكنه لا يحسن قراءة ذلك الخط المقبل من بعيد، سيبحث عمن يعرف الخط وعمن يعرف فك شيفرته، وقد لا يجده في محيطه الضيق فيلقي بالورقة وقنينتها في البحر من جديد، عسى أن تجد من يفهمها في بقعة أوسع بين بشر أعلم بالخطوط، وسيَلْعن قريته والجاهلين بها ونفسه التي أحيطت بكل جهل عقيم. قد تصل القنينة إلى أول قارئ لها ويكون عارفا بالخط قادرا على فكه، وسيفهم ما في الورقة، ولكنه سيعتبره كلاما باردا لا معنى لهُ. هُنا تبدأ حكاية متشعبة لا تنفك من عُقَد لا تفك. في هذه الحالة يمكن أن نفترض أن الكلام فعلا باردٌ لا معنى له وأن من أرسله شخص يخلو من أي عمق، لكن دعنا نفك بعض النفث في هذه العقدة. لو افترضنا أن من كتب الكلام ساذج يرسل كلامه الفقير إلى غني عارف، بيد أنه مجهول. هل هو فقير حقا من أخرج المشهد في شكل فني رائع: قنينة تحمل ورقة ترمى في البحر تطلب قارئا مجهولا ينقذها؟ لماذا لا نفترض أن النص ما كان باردا إلا لأنه لم يقرأ في عمقه الشــبيه بالأعماق التي ألقيت فيها القنينة؟
بعض باردي الأعصاب سيقولون لنا قولة تقع في الحلق مثل وقوع الشوكة فيها: لماذا لا تكتبون ما يُفهم؟ كان الشاعر أبو تمام قد سئل هذا السؤال فأجاب سائله: لمَ لا تَفهم ما يقال لك؟ صبر أبي تمام في رده ليس كصبر من اتخذ الكتابة العميقة سلاحًا في بلاد هجرت فيها البشرية أي عمق. لو عاش أبو تمام في عصرنا لأجاب: لمَ سأكتب ما تفهمه وفهمك باردٌ جامد؟ أو لربما سكت أبو تمام ومضى يلعن يوما فكر فيه أن يكتب نصف الورقة ويلقيها في يم يعيدها إليه غريبة كما كتبت أول مرة.
تظل الكتابة أجمل شيء تعطيكه الحياة، لأن نبض منها جميل. فالكتابة ليست أن تخلط الحروف والكلمات كيفما اتفق، ثم تسمي نفسك كاتبا.. ستكون وقتها كمن يخلط الألوان كيفما اتفق، ويدعي أنه رسام وهو بلا ذوق وبلا كيمياء، وستكون كشيطان ادعى النبوة وهو بلا طهر بلا وحي. الكتابة البهية لون بهيج في داخلك إنْ فقدته كسر القلم الذي لم يُصنَعْ لك.. الكتابة تعلمك أن أشياء كثيرة لم تصنع لك فلا داعي إلى شرائها والتحلي بها.. كل شيء يمكن أن يشترى ويباع إلا ماء الحياة ورونق الكتابة. كيف يمكن أن تكتب وفي داخلك عتمة؟ وفيك جهل بكل صوتٍ بَهيج أو صيحة تُهيج؟ الكتابة فطنة وذكاء وذهن يعمل، لا حسب الطلب، وقلب ينبض خارج عقارب الساعة، وفوق هذا كله لا مبالاة بأن يفهموا أو لا يفهموا، يحسنوا التأويل أو لا يحسنوا ..هل تعرف من أكبر جاهل في الكتابة: الذي يقول إن الرمز ماتَ ودُفِنَ مع حيوانات ابن المقفع ولافونتان.. يجهل المسكين أن الكتابة من أصلها رمْزٌ، وأن الترميز سلطة لا تتقي السلطَ وقوة في التمثيل لا يرقى إليها أي ذهن. الكتابة في أي مكان حالة فريدة تريد حالة فريدة تفك شفرتها.. هي لمن أراد البيان حالة من يكتب على نصف ورقة بالحبر الصيني، جملة أو جملتين ويضع النصف في زجاجة بلورية ويرمي بها في عمق البحر.. ستصل القنينة إلى من يفتحها سيقرأ و سيمضي..
ربما وصلت القنينة إلى أول قارئ لها لا يحسن القراءة سيفتحها وسيتأمل حروفَها ولوْنَ حبرها وخطوطا معوجة ومستقيمة، ثم سيلقي الورقة ويحتفظ بالقنينة يملؤها ماءً ويشرب منها لأنها لم تفقد وظيفتها. ربما وصلت القنينة لأول قارئ لها يحسن القراءة، ولكنه لا يحسن قراءة ذلك الخط المقبل من بعيد، سيبحث عمن يعرف الخط وعمن يعرف فك شيفرته، وقد لا يجده في محيطه الضيق فيلقي بالورقة وقنينتها في البحر من جديد، عسى أن تجد من يفهمها في بقعة أوسع بين بشر أعلم بالخطوط، وسيَلْعن قريته والجاهلين بها ونفسه التي أحيطت بكل جهل عقيم. قد تصل القنينة إلى أول قارئ لها ويكون عارفا بالخط قادرا على فكه، وسيفهم ما في الورقة، ولكنه سيعتبره كلاما باردا لا معنى لهُ. هُنا تبدأ حكاية متشعبة لا تنفك من عُقَد لا تفك. في هذه الحالة يمكن أن نفترض أن الكلام فعلا باردٌ لا معنى له وأن من أرسله شخص يخلو من أي عمق، لكن دعنا نفك بعض النفث في هذه العقدة. لو افترضنا أن من كتب الكلام ساذج يرسل كلامه الفقير إلى غني عارف، بيد أنه مجهول. هل هو فقير حقا من أخرج المشهد في شكل فني رائع: قنينة تحمل ورقة ترمى في البحر تطلب قارئا مجهولا ينقذها؟ لماذا لا نفترض أن النص ما كان باردا إلا لأنه لم يقرأ في عمقه الشــبيه بالأعماق التي ألقيت فيها القنينة؟
بعض باردي الأعصاب سيقولون لنا قولة تقع في الحلق مثل وقوع الشوكة فيها: لماذا لا تكتبون ما يُفهم؟ كان الشاعر أبو تمام قد سئل هذا السؤال فأجاب سائله: لمَ لا تَفهم ما يقال لك؟ صبر أبي تمام في رده ليس كصبر من اتخذ الكتابة العميقة سلاحًا في بلاد هجرت فيها البشرية أي عمق. لو عاش أبو تمام في عصرنا لأجاب: لمَ سأكتب ما تفهمه وفهمك باردٌ جامد؟ أو لربما سكت أبو تمام ومضى يلعن يوما فكر فيه أن يكتب نصف الورقة ويلقيها في يم يعيدها إليه غريبة كما كتبت أول مرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق