الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

سيميائيات الحزن

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي


يندرج الحديث عن سيميائية الحزن في نطاق أوسع من السيميائيات، هي سيميائية العواطف. بيد أن هذه السيميائية تظل تخمينية، على حد رأي أستاذ السميائيات الفرنسي جاك فونتاني. والحق أن التخمينية هي سمة أي مبحث سيميائي يترك للعلامات قيادة الدلالة غير المتواضع عليها، إلى فجاج لا يعلمها غير من يؤلها.
يحتاج المرء إلى أن يعيد السيميائية إلى مهدها الطبي الأول، الذي يربط التطبب بمعرفة الأعراض، أو العلامات التي يمكن أن تجعل الأطباء حكماء في ضبط الدواء المناسب لكل داء مناسب، متى استحكموا من الأعراض الفعلية للأمراض التي ينوون معالجتها، لكن ماذا لو قادت الأعراض، بما هي علامات إلى ثنايا خاطئة، بالطبع سيوصف للداء دواء غير الذي يعالجه. نحن حين نتعامل بالعلامات أطباء في الوصول إلى الدلالات ليس من حقهم أن يخطئوا.
يشتغل الطب على العلامات الطبيعية، التي كما يقول عنها غرايماس «تحيل على شيء آخر غير نفسها»، لكن العلامة الطبيعية مثلما يقول، هي إحالة مفتوحة على علامات أخرى طبيعية. فالسحاب يحيل على المطر ويصبح هذا المحال عليه بدوره علامة تحيل بدورها على محال عليه آخر، هو الخريف وقد يحيل الخريف على علامة طبيعية أخرى، تحيل بدورها على أخرى في نسق لولبي من الإحالية الدائرية.
في هذا السياق الإحالي المتفاعل يمكن أن نخرج عن النسق الطبيعي إلى نسق نفسي. بأن يصبح للعلامة محال عليه لا داخل الطبيعة، بل في النفس البشرية. فأن يحيل الخريف على حزنٍ يسكنني، فتلك طريق غير طبيعية للترابط بين العلامات التي تربط السحاب بالمطر، والمطر بالخريف. يمكن في العلامات الطبيعية أن تعود أدراجك من الخريف إلى المطر إلى السحاب؛ غير أنه ما من طريق عودة بين الحزن والخريف. فليس كل خريف يوصل علاميا (وبالتالي رمزيا) إلى الحزن، بل يوصلك أنت بالذات إلى الحزن. إنه نوع من تملك العلامة أو تخصيصها بوجدان أفراد، وليس في ذلك من مواضعة علامية كالتي بين علامة المرور ومستعمليها مثلا.
العبور من علامة طبيعية إلى علامة نفسية، هو تغيير للمسلك الإحالي من التجربة الطبيعية التي لنا مع العلامة (السحب التي تمطر في الخريف ) إلى التجربة النفسية التي لنا مع أنفسنا (مشهد الخريف الذي يشعرني بالكآبة). أن يثير السحاب في نفسي البرم والحزن والكآبة، وغير ذلك من الكلمات العامة التي لا توحد بين أحاسيسنا، هو شيء لا يرتبط آليا ارتباط السعال بالإصابة بالنزلة الشتوية. هل هناك علامة في وجهي على أن الحزن أصابني؟ وهل يمكن أن تكون العلامات التي على وجهي علامات طبيعية، أو من جنس العلامات الطبيعية؟ هذا شيء لا نستطيع الجزم فيه بيسر.
لا يمكن الحديث عن علامات قصدية في الحزن، إلا في العلامات الثقافية التي يرتدي فيها الحزين الاجتماعي بدلة سوداء ليعلن بلون اللباس إعلانا اجتماعيا يفهم ثقافيا أنه في حالة حزن، أو في وضعية مأتم. لكن الاحتفاء بالحزن وتخصيص الفضاء والزمان واللباس لإعلانه، هو درجة متطورة في جعل الحزن احتفالا شأنه شأن الفرح. هذه حالة مَدنية للاحتفال بالحزن، وغالبا ما تركز على التفاعل السمعي البصري الهادئ سماعيا، لكن الحالة البدوية هي حالة بصرية أيضا متوترة سماعيا: حالة من يبكي ويصيح ويولول. نحن نتحدث عن حزن الموت الذي هو أقصى حالات الاحتفال بالحزن اجتماعيا. المهتاجون سماعيا بالحزن المبالغون في عرض علامات الحزن على فضاء الاجتماع حول الميت يشغلون العلامات حول معاقبة الجسد، يرهقونه ضربا ولطما وندبا وعويلا.. هم يمارسون طقوسَ الانتقام من الجسد الحي الحاضر، فداء للجسد الميت المسجى بعد أن غادرته الروح. حين يتعلق الأمر بتذكر الأرواح، ولاسيما مغادرتها الأجساد أو الرغبة في أن تغادر الأجساد موتا اجتماعيا، أو فناء صوفيا تقام الولائم العلنية للانتقام من الأجساد. مسكين هو الجسد كلما أراد المرء الاحتفاء العلني بالأرواح عوقب هو لأنه رمي رميا لا مهرب له منه: إنه وعاء للروح يسجنها. لسنا نعرف في تاريخ التعبيرات الثقافية من انتقم من روحه لأجل الجسد، هناك سعي إلى إشباع الجسد من أجل نشوة الروح وليس العكس. هناك حزن غير اجتماعي لا يرتبط لا بالمناسبات ولا بالمواضعات، هو حزن الذات المفردة التي تعيشه بينها وبين نفسها؛ هو حزن تسعى تلك الذات إلى أن تقتل علاماته، كمن يمحو آثارَ شيء يخشى انكشافه.

يعتقد المستدل على حزنك غالبا أنك عارف بما أنت فيه من الحزن. قد تكون أنت كذلك، وعندئذ يكون هناك نوع من التطابق في المعرفة بالحالة بينك وبين غيرك؛ لكنه تطابق في اللفظ الواصف، أو الباني للكون وليس تطابقا في العلامات التي يدرك كل منكما بها أنك حزين.

يبحث متصيدو علامات حزنك عنها في وجهك. حالة الوجه السكونية هي الحالة التي لا تقول فيها بعينك شيئا جديدا، ولا بفمك شيئا جديدا.. في الحزن تزداد عيناك غيابا في المنظورات، وقد يصبح الزفير مسموعا. الحزن حالة ثبات على الطبيعة غير أن فيها لعبا على المدى الزمني لنشاط الوجه والجسم الطبيعيين.الحزن عدو تغيير الحركة، هو حبيب الثبات فيها يعشش الحزن حيث السكون.
يعتقد المستدل على حزنك غالبا أنك عارف بما أنت فيه من الحزن. قد تكون أنت كذلك، وعندئذ يكون هناك نوع من التطابق في المعرفة بالحالة بينك وبين غيرك؛ لكنه تطابق في اللفظ الواصف، أو الباني للكون وليس تطابقا في العلامات التي يدرك كل منكما بها أنك حزين. استدلالك على أنك حزين يمكن أن يبدأ بسؤال قادح من خارجك: لماذا أنت حزين؟ وما كل هذا الحزن؟ ستسأل نفسك: يا إلهي هل أنا حزين؟ أو ومتى لم أحزن؟ لكل نوع من هذين الضربين من الأسئلة مسار علامي استدلالي. الأول يريد أن يبحث عن تشخيص للحالة الباطنة، انطلاقا من مثير خارجي نبه إلى وجود حزن. ستبحث في عالمك الباطن عن شيء يقودك إلى أن تعرف هل أنت حقا حزين؟ وما تراها تكون تلك العلامات الذاتية العميقة التي ستقودنك إلى الاستدلال من عمقك على أنك حزين. هناك شيء ما مبهم سيؤكد أنك كذلك، أو سوف ينفيه. القوة الشعورية التي لا نستطيع أن نستدل على حجمها ولا على نسبة هيمنتها على أحوالنا، والتي عادة ما نشعر بها حدسا وبشكل إجمالي هي التي ستقول لنا إن كنا حزانى أم لا.
إن كنت حزينا ولا تعرف الاستدلال على حزنك، مرحلة من مراحل فقدان الخيط الرابط بين شعورك، ومسالك الاستدلال الواعي عليه. العلامة الباطنة هي علامة عدمية بمنظار الباحث من خارجك عنها؛ لكنها علامة وجودية بمنظار استبطانك لنفسك غير أنها من الدلائل المستعصية.
من أبرز ما به تقبض على الدلائل المستعصية ألفاظ اللغة إن نظمتها. ففي العربية مثلا نستعمل ألفاظ السكنى من نوع (خيم الحزن) و(عشش) و(سكنني الحَزَنُ).. ومن الأسماء (هذا حزن مقيم). لماذا اخترنا للحزن أن يسكن فينا، واخترنا للفرح أن يطير بنا ويحلق بنا عاليا؟ سكن الحزن فينا قديم قدم الخيام في الصحراء، حين كانت مساكننا الخيام. تصور أنك بدوي تخيم في الصحراء وأنت تخيم فيها يخيم الحزن فيك.. ما يطمئن أن ساكن الصحراء غير مقيم؛ لكن هل ينقشع الحزن فور انقشاع الخيمة؟ يعشش الحزن فينا منذ أن صنعت الطيور أعشاشها. يقيم الحزن قليلا وحين نهدم الأعشاش تقل أمواج الحزن غير أنه سيتكاثر ويعود إلى العش مادام قد فرّخ فينا. أن يسكنك الحزن بلا إيجار يعني أنه قد تملكك وجعلك فضاء للعيش والإقامة الدائمة.
يمكن أن تضع قلبك سكنا يعشش فيه حزن غيرك. شيء بشري أن تأخذ من غيرك حزنه وتأويه عندك لا للتخفيف عنه، بل لكي تزداد ثقلا مثله. أنا حزين لأنني أحبك.. أنا حزين لأني أمك أو أبوك.. هي جمل خرائط لا تحملنا إلى مدن من نحب، بل تقول لنا ما كثافة الحزن في مثقال من الحب؟

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق