الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

سبعون الأمم المتّحدة:عن أيّ سلام تبحث المنظمة، سلام المنتصرين أم سلام المنكسرين؟


من الظلم الاعتقاد أنّ الأمم المتّحدة لم تسع في مسيرتها الطويلة إلى السلام لكن من السّذاجة القول إنّها كانت ناجحة.

 ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. توفيق قريرة

ستحتفل الأمم المتحدة بعد أيّام بعيدها السبعين فهنيئا لها على العقود السبعة وصبرا لها على الشيخوخة. سبعون سنة في عمر المنظمات ليس شيئا يسيرا وخصوصا في أكبر المنظمات الدولية نفوذا. نشأت المنظمة عام 1945 وكانت وريثة لمنظمة هزمتها الحرب العالمية الثانية هي 'عصبة الأمم' التي لم تعمّر أكثر من ربع قرن هي الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين وجاءت منظمة الأمم المتحدة بديلا منها تبشر تريد أن تعمّر فعمّرت وتريد فرض السلام ورفض الحرب وكان ذلك حلم أمم أنهكتها الحرب فقطفت أرواحا كثيرة وأزرت بأنفس الأحياء وشردتهم ودمّرت المباني والحضارات وبدت في أبشع صورها وهل كان للحرب من صور ناصعة إلاّ لمن أرادها أن تفرض واقعا جديدا؟ لقد فرضت واقعا جديدا بموازنات جديدة فرضها المنتصرون من الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية بالحلفاء وعلى أرض زعيمتهم نشأت منظمة الأمم المتحدة وكان من أبرز أهدافها تحقيق السلام لكن أيّ سلام؟ هل هو سلام المنتصرين في الحرب أم سلام المنكسرين؟ سلام الشعوب التائقة إلى الحرية الفارة من الحرب أو المدفوعة إليها أم سلام القوى العظمى التي تشنّ الحرب وتناور بالسلام؟ هل هو سلام بين الدول أم سلام بين الشعوب؟




قال الصحفي الساخر والكاتب الفرنسي رولان بكري يطرح الصراع من أجل السلام وكأنّه هو الحرْب الحقيقية هذا الشكل من الطرح يبدو ممّا يميّز سعي الأمم المتحدة المحموم من أجل السلام. ليس في الأمر لعبٌ بالكلام يجعل أيّ سلام كالحرب المستعرة من أجل الرجوع إلى واقع ما قبل الحرب كمن يوقد نارا رغبة في إطفائها والحقّ أنّ التجربة البشرية تثبت أنّه ليس من العسير إشعال فتيل حرب هنا أو هناك فيكفي إذكاء نارها العرقية أو الدينية أو القبلية التي لم تنطفئ ولم تستطع لها الثقافة إخمادا، وحين يشتعل فتيل الحرب فلن يكون من اليسير إخمادها وسيكون من الأعسر خلق بديل سلام لها من هنا كان هدف الأمم المتحدة إقرار السلام على النطاق الدولي من أصعب أهدافها فما بالك بفرض السلام على عالم شبيه بخلايا بركانية نائمة ما أسرع ما تنتشر فيه شرارة الحرب لأدنى الأسباب.

لكن من الظلم الاعتقاد أنّ الأمم المتّحدة لم تسع في مسيرتها الطويلة إلى السلام لكن من السّذاجة القول إنّها كانت ناجحة تمام النجاح في مسعاها ذاك وإذا كان من الظلم القول إنّ الأمم المتّحدة قد فرضت القوة من أجل العدل والسلم الاجتماعي في العالم فمن السذاجة القول إنّها لم تنجح على الأقلّ جزئيّا في توجيه القبعات الزرق من أجل إرساء سلام حتى وإن كان ذلك السلام هشّا أو هشيما من تحته نار خامدة. فلقد بات معلوما ومفهوما اليوم أنّ الأمم المتّحدة التي أسّسها المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية تدين إن كثيرا وإن قليلا بالولاء لأولئك الكبار المتنفّذين في العالم وليس أكثر دلالة على ذلك من إقرار حق النقض أو الفيتو وهو حقّ متّعت به الأمم المتحدة أعضاءها الكبار في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة) ولقد رفع هذا القرار مرّات لإبطال كثير من القرارات والإدانات لإسرائيل التي كانت تحتمي دوما بهذا الحق فلا تحاسب على التقتيل والترويع والتشريد للشعب العربي الأعزل في فلسطين وفي غير فلسطين. وعلى الرّغم من أنّ العالم يسعى إلى فرض سياسات الحوار والتشاور وإلى الدفاع عن الحق والعدل والكرامة وحرية الشعوب في تقرير مصيرها مازالت هذه القوى العظمى تتشبث بقرار النقص هذا لتبرير ما لا يراعي العدل الشامل والسلام الشجاع والحرية المسئولة بل قل ليرعى السلام لدى فئة ويمنعها من أخرى.

على الرغم من ذلك لا يمكن أن ننكر أنّ للأمم المتحدة دورا قد نختلف في تقييم أهميّته في الدّفاع عن حقوق الأقليات على الأقل في النطاق الذي تسمح به القوى العظمى (وقد لا تسمح به) وفي بعض الأحيان استجابة للأصوات الحرة في العالم والقادمة من المنظمات غير الحكومية ومن ناشطي المجتمع المدني. ونحن إن ركّزنا نظرنا على دورها في السلام في الشرق الأوسط يمكن أن نلحظ أنّه وإن كان دورا محتشما فإنّه كان مهمّا إن لم نحجب ذلك الدور عن سياقاته المرتبطة بالمصالح الدول الكبرى وبموازنات علاقة الأمم المتحدة مع تلك الدول التي هي أهمّ من يؤمّن لوجستيّا وجودها بالإضافة إلى الاستراتيجيات والموازنات والمتغيرات الدولية والإقليمية.

آخر الأحداث الهامة التي مرّت دون أن يكون لها وقعها المدويّ لا في صفّ المناصرين ولا في صفّ الرافضين هو رفع العلم الفلسطيني أمام مقر الأمم المتّحدة يوم 30 سبتمبر 2015 بعد أن أقرت الجمعية العامة في 10 من الشهر نفسه وبتصويت أغلب أعضائها (119 دولة) رفعه ويمثل ذلك سابقة لأنّها المرة الأولى التي تقر فيها الجمعية العامة رفع علم دولة لا تتمتع بعضوية كاملة. وهذه العملية الرمزية لها قيمة في اعتراف أغلب الدول الأعضاء بتضحيات الشعب الفلسطيني وصبره الطويل وسعيه من أجل استرجاع أرضه المستباحة وتأمين حقّ كريم للعودة المشردين والمغرّبين والمنفيين عن تلك الأرض. وللجمعية العامّة أيضا فضيلة أخرى لن ينساها الشعب الفلسطيني تعود إلى عام 1974 في ذلك العام وحين كان الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة منتخبا بالإجماع رئيسا للدورة 29 للجمعية العامة دُعي الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بوصفه رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقدمة بوتفليقة بهذه الصفة وزاده صفة مقلقة كثيرا في ذلك الوقت حين لقبه علنا بـ'قائد عام الثورة الفلسطينية' ويومها ألقى عرفات من أعلى منبر الجمعية العامة خطابه الشهير الذي علق منه في الذاكرة قوله:' لقد جئتكم بغصن الزيتون في يدي وببندقية الثائر في يدي فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي'. كان غصن الزيتون بديلا رمزيا لسلام الحمام فيه كانت الزيتونة رمزا للأرض والتجذّر فيها وكان 'قائد عام الثورة الفلسطينية ' يطلب السلام بشدة دون أن يفرّط في بندقية الحرب.بعدها بعشرين سنة فاز عرفات بنوبل للسلام لكن فاز معه أيضا الاسرائيليان بيريز ورابين مثلما فاز أنور السادات عام 1978 بنوبل للسلام برفقة برفقة مناحيم بيغن (والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر) و جائزة السلام لم تكن منحة أممية لكنها كانت من أجل مسعى أممي لتحقيق سلام بين العرب واسرائيل طالما شكك العرب في صدقه وسلامته ودوامه. وعرفات كان لا يرضى إلا بسلام الشجعان الذي يفرّط في المكاسب القديمة التي افتكها بالسلاح لينال مكاسب تمنح له بالسلام لكنّه قتلته الرغبة الطاغية في الحرب والتيار الذي لا يرضى إلا بسلام المنتصرين الذين لا يريدون غير فرض سياسة الأمر الواقع.

ولئن كان من الممكن الحديث عن حرب عادلة من أجل قضية عادلة فمن الممكن الحديث عن سلم غير عادلة وكما أنّ الحرب ليست دائما ظالمة إن كانت الحل الوحيد لافتكاك ما سلب من حقوق لا يمكن للسلام الضعيف أن يستردها فكذلك السلام ليس دائما حركة عادلة خصوصا إن كان من يسعى إليه لا يسعى إلا إلى تحقيق كسب جديد إضافة إلى كسب حققته الحرب ومثلما قال الكاتب الأنكليزي صموئيل باتلر "لنختر سلاما غير عادل من أجل حرب عادلة". لأجل كلّ ذلك سوّيت بعض القضايا برعاية أمميّة على هذا المبدأ. فالقضية الفلسطينية لم تجد حلّها الأمميّ العادل الذي ترتضيه لكنّ المنظمة لم تتوان في كل مرّة عن إصدار القرارات المناسبة صحيح أنّ تلك القرارات كانت حبرا على ورق ولم يكن للأمم المتحدة من قدرة على تنفيذها ولن يكون لها تلك القدرة في ضوء الموازنات الراهنة لكنّ إصدارها كان في ذاته مهمّا حتى وإن جوبه بالفيتو أو بالتعنّت أو بغيره من ردود الفعل التي باتت غير صادمة في ظل الموازنات الفعلية. في يونيو عام 1967 أصدر مجلس الأمن القرار 237 يدعو فيه مجلس الأمن إسرائيل إلى احترام حقوق الإنسان في المناطق التي تأثرت بصراع الشرق الأوسط حيث أوصت بأن تأخذ اسرائيل بعين الاعتبار الحاجة الملحة إلى رفع المزيد من الآلام عن السكان المدنيين وأسرى الحرب في منطقة النزاع في الشرق الأوسط. لكن ما معنى رفع المزيد من الآلام عن هذه الشعوب؟ أليس في ذلك اعترافا بإلحاق أمة بأخرى الأذى وسعيا محتشما إلى التخفيف منه لا إلى إزالته؟ إنّ صياغة النصوص يمكن أن تكون مدخلا مهمّا إلى الإدانة أو على الأقلّ الشهادة بواقع مزر وهذا ليس قليل لمن نظر إلى المسألة بمنظار تاريخي أو بمنظار شهادة منظمة دولية على الوقائع.

وفي السنة نفسها أصدر مجلس الأمن القرار 242 بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية ومرتفعات الجولان وغزة وسيناء حيث ورد فيه ضرورة انسحاب القوات المحتلة من الأراضي التي احتلت في حرب 1967 في هذه الدعوة اعتراف بالاحتلال وبالعدوان وهي بمنظور القانون الدولي حجة على وقائع ملموسة تدين المحتل وتعترف بأنه محتلّ.

وبعد ذلك بحوالي ثلاثة عقود وحين هجّرت القيادات الفلسطينية إلى تونس وبعد أغار الطيران الحربي على تونس البلد المستقل البعيد جغرافيا عن دائرة النزاع الاسرائيلية وبعد أن قتل الطيران في واضحة النهار ودمّر في منطقة حمام الشط في ضواحي العاصمة أصدر مجلس الأمن في 4 أكتوبر 1985 القرار رقم 573 يدين فيه العدوان الإسرائيلي على تونس ويحث الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على أن تتخذ تدابير لثني إسرائيل عن أعمال عدوانية مماثلة. أليس التقصير في المطالبة بالحق مشتركا ولا يمكن أن يلقى في شبكة الأمم المتّحدة وحدها. ألا يمكن أن نعتبر هذه القرارات وإن كانت غير ملزمة وثائق مهمّة ووظيفية؟

إنّ الأمم المتّحدة وهي إذ تحتفل بالسبعين تحتاج أكثر من أيّ وقت آخر أن تراجع أهدافها التي رسمتها في أوّل نشأتها وكان السلم من بينها. صحيح أنّ الحرب الكونية لم تعد ممكنة بالشكل الذي دارت به في النصف الأوّل من القرن العشرين وأنّ أشكالا أخرى من الحروب قد برزت واتخذت أشكالا أخرى ليست أطرافها الحقيقية الأطراف المتصارعة مباشرة والظاهرة على ركح الصراع كما كان الأمر في الحربين الكونيتين السابقتين بل يمكن أن تكون الأطراف المتصارعة آخر طرف الخيط الذي به حُبِكت المؤامرة عندئذ هل ينبغي أن تسعى المنظمة إلى سلام بين الأطراف الظاهرة أم بين الأطراف المخفيّة وهل أنّ هذه الأطراف الحقيقية هي في نزاع فعلا حتى نسعى إلى فرض السلام بينها أم أنّ الذي يسيرها تنافس حول المصالح؟ في التنافس حول المصالح يصعب أن يكون السلام هدفا حقيقيا لأنّه سيكون خرافة كخرافات الصبيان.. لكن هل أنّ عجوزا في السبعين كالمنظمة العالمية لا تعي أنّ خرافات الصبيان ليست موضوعة إلا لعقول الصبيان؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق