على نقيض الموقف الرسمي يفاجؤنا الخطاب الشعبي الفرنسي برفض الرد على الإرهاب بالإرهاب، والكراهية بالكراهية.
ميدل ايست أونلاين
بقلم: د. توفيق قريرة

لم تعد وسائل الإعلام العادية هي السباقة إلى نقل الأحداث فشبكات التواصل الاجتماعي التي مواردها المعلوماتية ذاتية مصدرها مستعمل تلك الشبكات ووسائله صورة حية بأدوات بسيطة هي التي صارت الأسبق في إعلان الخبر وهذا يعني أيضا أنّ هذه الشبكات باتت تصنع خطاباً سياسيّاً موازياً وإن كان ذلك بشكل غير مباشر.
هذا ما حدث إبّان تفجيرات فرنسا الأخيرة الجمعة حيث وجدنا في هذه الشبكات ضربا من الخطابات السياسيّة المُقنَّعة بينما كانت وسائل الإعلام التقليدية تواكب الخطابات السياسية الرسمية التي يصنعها رجال السياسة وأصحاب القرار.
ولإعطاء عيّنة لا غير من الخطابات السياسية يمكن أن نذكر على سبيل المثال موقف رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية كلود برتولون إذ يرى أنّ "الإرهاب يريد تفتيت الوحدة الفرنسية وأنّ ما أراد الإرهابيون قتله هو فنّنا في العيش".
وقال دومينيك دي فالبان رئيس حكومة أسبق في ولاية جاك شيراك هم يريدون أن ننقسم فيما بيننا وهم يدفعوننا إلى الحرب الأهلية. في هذين الموقفين توجيه للرأي العام نحو الخطر المحدق الحرب الأهلية لانتهاج السياسة المطلوبة: سياسة الوحدة الوطنية التي يمكن أن تقود إلى حكومة وحدة وطنية أو إلى زيادة في سلطات رئيس الجمهورية.
ويمكن أن يصنع الموقف السياسي الرسمي مختصون حين يوجّهون الانظار لا إلى الموقف ولكن إلى ما يعدّونه تشخيصا صحيحا وهذا ما نجده مثلا على لسان مارك ساجمان المختص في علم نفس الإرهاب والعضو الأسبق في السي آي آي معلقا على منفذي العملية قائلا "إنّهم ليسوا مرضى ولا منفصمي شخصية إنّهم متأدلجون". يريد بذلك أنّ العدوّ الحقيقي ليس في الأشخاص بل في الإيديولوجيات الاصولية الإسلامية التي تسيّرها.
لكن إذا نظرنا إلى شبكات التواصل الاجتماعي سنجد نشاطا حثيثا في نقل الأحداث والتعليقات وبين هذا وذاك تصنع المواقف السياسية الموزازية. لقد سجّل تويتر 6.3 مليون تغريدة في 10 ساعات حول تفجيرات فرنسا؛ وفي الفايسبوك تفاعل الناس مع الحدث بأشكال مختلفة.
فعلى سبيل المثال اختار صحفي فرنسي من إذاعة "فرنسا الزرقاء" الفايس بوك ليكتب رسالة مؤثرة جابت أرجاء العالم بعد أن فقد زوجته في التفجير الأخير جاء في الرسالة التي نقلتها جريدة ليبراسيون الفرنسية هذه المقاطع يتوجّه فيها الصحفي إلى منفذي العمليّات "لقد سرقتم حياة كائن استثنائي، هو حب حياتي وأم ابني ولكنّكم لن تحصلوا على كرهي. أنا لا أعرف من أنتم ولا أريد أن أعرف فأنتم أرواح ميتة..إنّ الجواب على الحقد بالجهل سيكون استسلاماً للجهل نفسه الذي جعل منكم ما أنتم عليه الآن".
هذه الرسالة ومثيلاتها كثيرات تشدّ كلّ من يقرأها بما فيها من هدوء قد يفتقده الإنسان العادي في مثل هذه المواقف لكنّها تشدّه أكثر من جهة أنّها ومثيلاتها تنتج موقفا سياسيّا موازيا وراء الموقف الانفعالي من الإرهاب؛ ويمكن القول إنّ هذه الرسائل وهي تعتمد وسائل نشر لها شبكات التواصل الاجتماعي لا تضمن فقط رواجا وتعاطفا وحسب بل تضمن أيضا نوعا من الاصطفاف السريع وراء الموقف السياسي المضمر وتأييدا له قد يفوق تأييد الخطاب السياسي الرسمي الذي قد تصنعه وسائل الإعلام التقليدية.
يعلم خبراء السياسة جيّدا أنّ صناعة المواقف السياسية تكون في أكثر لحظات التعاطف وأشدّها انفعالية وفي أكثر الأزمات التي يشعر فيها المرء أنّه ما حدث لغيره قد يحدث له وأنّه نتيجة لذلك يسلّم بأي موقف يمكن أن يبدر من الأفراد المعنيّين وقد يسمّى ذلك تعاطفا والتعاطف هو الذي يولّد القرب الأقصى في المواقف ويصنع رأيا عامّا يمكن أن يترجم إلى موقف سياسي.
وفي الرسالة أعلاه من الممكن أن نلحظ موقفين سياسيّين على الأقلّ: أمّا الموقف الأوّل فيتمثّل في تعبئة الناس (لا الفرنسيّين وحسب) ضدّ الإرهاب وذلك بتصنيف منفذي العملية وكلّ من لفّ لفّهم ووسم بالإرهابيّ تحت تسمية "الأرواح الميتة".
وهي تسمية استعاريّة تجعل الموت لا غاية عندهم بل حقيقة تميّز كياناتهم؛ ومن ليست له روح حية لا يستحقّ بالتالي حقوق الأحياء بل موضعه الحقيقي دائرة الموت التي يصدر منها سهامه للأرواح الحية. الموت ليس مصير الحرب على الإرهاب هو إعادة لهذه الأرواح الميتة إلى صلصالها الأخرس الذي خلقت منه. وكيانات كهذه لا تتطلب سياسة تحاور أو تناور وإنما لها سياسة الاستئصال.
وأمّا الموقف السياسي الثاني فيتمثل في أنّ الحقد على هذه الكائنات هو سياسة ليست في الاتجاه الصحيح لأنّ الحقد لن ينتج إلاّ دوامة من العنف ويجرّ المجتمعات إمّا إلى الخوف وإمّا إلى إعادة إنتاج الكراهية التي تنتجها في الأصل هذه الجماعات.
إنّ سياسة تنشر الكراهية ليست إلاّ سياسة خطّط لها الطرف الممارس للإرهاب وهي سياسة سيعتمدها كي يعشش أكثر وكي يوجد من جديد بما أنّه يعتلّ بالإرهاب ردّا على كراهية بكراهية.
وهذا الرأي السياسي المتستّر في رسالة الصحفي وفي كثير من التغريدات والنصوص والصور والرسوم الموجودة هنا وهناك على مواقع التواصل الاجتماعي يختلف من جهة شكل طرحه وتأثيره عن السياسيات التقليدية الصريحة التي تكون بعد مماحكة ونقاش وشدّ وجذب. إنّ كثيرا من المواقف السياسية اليوم يصاغ في مواقع التواصل الاجتماعي ويبلغ درجات من التأثير تصنع القرار الذي قد لا تصنعه السياسات الصريحة.
د. توفيق قريرة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق