الثلاثاء، 8 نوفمبر 2016

نُصُوصٌ جُرّدتْ من عَلامَاتِها

حين يُدوَّن الكلام اليوميّ تضيع منه أشياء كثيرة منها العلامات غير اللغويّة التي ترافقه عند إنجازه الحيّ.
 فالكتابة لا تفتح أبوابها غالبا إلاّ لعلامات اللغة وهي إنْ رضيت فتحت قوسا لوصف تلك العلامات وإلاّ ظلت خارج أسوار التدوين.
٭ الدكتور توفيق قريرة أستاذ اللسانيّات بجامعة تونس.




الكلام الحيّ تتآزر فيه العلامات اللّغوية والعلامات غير اللّغوية كتقاسيم الوجه وحركات اليد والرأس والنبرات والزفرات والعبرات النغمة واللباس.. والكتابة تغيّبها لأنّها لا تصوّر إلاّ اللفظ ؛ غير أنّ القراءة يمكن أن تستعيدها لا كما كانت، بل بإعادة بنائها أو ترميمها. وقراءة لا تفعل هذا هي قراءة باردة مشاهدها محنّطة.

لنأخذ على سبيل المثال هذا الخبر الذي يرويه أبوالقاسم الزجّاجي النحوي في القرن الرابع عن الشاعر الأموي الأحوص ورد فيه: « جاءت أمّ جعفر بكتاب حقٍّ على الأحوص بدَيْنٍ حَالٍّ فقبضت عليه وجعلت تطالبه بالدّيْن المذكور في الكتاب وهو يحلف بالله إنّه ما يعرفها ولا رآها قطُّ فقالت له: يا فاسقُ فأنا أمّ جعفر فلمَ تذكرني في شعرك ولم ترني قط؟» (الأمالي:191) وكانت تعني شعرا قاله مشبّبا بامرأة تسمّى أمّ جعفر منه: (أَدُورُ ولَوْلاَ أنْ أرَى أمَّ جعفرٍ * بأبياتكم ما دُرْتُ حيْثُ أَدورُ).

قراءة هذا النص تقتضي إعادة بناء المشهد وهو أمر يتعدّى حَوْسَبة الكلام وجَمْع دلالته إلى افتراض معطيات أخرى لم يقلها النصّ وهي تدخل في بناء المقام أو مكوّنات الوضعيّة التي ذكرت في الخبر، ومن بين تلك العناصر العلامات التي يمكن أن تكون صاحبت هذا التفاعل بين الشخصيتين ومن بين هذه العلامات المغيبة اللباس والحركات والإيماءات.

فأمّ جعفر ليست في المشهد الذي تبنيه القراءة امرأة غائمة الملامح أو مجرّدة عن صفاتها التاريخية المفترضة؛ بل هي مفعمة حياة صحيح أنّ الكلام هو ما يرسمها، لكنّ افتراض علامات أخرى قد يغني ذلك الرسم ومنه اللباس.

إذا انطلقنا من معلومة يذكرها الأصمعيّ من أنّ الأحوص كان «يشبّب بنساء الأشراف» وافترضنا أنّ أمّ جعفر منهنّ فإنّها ستلبس لباسهنّ. واللباس كما يرى علماء العلامات علامة على الانتماء الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الجغرافي وهو أعلق بالإنسان من لغته بل للثياب كما يقول بارت «وجود ذهنيّ « وهذه المعطيات تجعلنا نبني صورة لأمّ جعفر وهي في لباس يحقّق غايتها من لقائها بالأحوص فإذا كانت في ثياب الأشراف كان الادّعاء أقوى ممّا لو كانت في ثياب الإيماء ولو كانت من ذوات الحليّ والثياب المطرّز فإنّ ثيابها ستكون حجة آكد ممّا لو لبست الأسمال. للباس كما يقول دومنيك فاكاي «سلطة على الآخرين» ولا شكّ أنّ الجمهور الذي يكون حاضرا سيبني موقفه على أشياء كثيرة من بينها اللباس.

الحوار يسيطر عليه سُوء التفاهم بين الشاعر وأمّ جعفر وقد استحالت له امرأة بلحمها ودمها وكان يظنها حبيسة خياله الشعريّ. يتواجه المتحاوران ويتفاعلان في هذا اللقاء وهو تفاعل علاميّ متعدّد، الكلام جزء منه. في هذا المحيط العلامي الواسع تتعدّد قنوات الاتصال، ففيها القناة اللفظية والقناة الحركية وكانا في اللقاء الحيّ في تفاعل وتعاون؛ غير أنّ المكتوب غيّب الحركيّ وفي النص إشارة إليه في عبارة « قبضت عليه». سوف نفهم القبض في معناه الحسيّ الحركيّ باعتباره حركة ماديّة منعت بها أمّ جعفر خصمها من الهروب أو التملّص (لا نهتم بتبعات هذه القراءة الحضارية). ومن قوله (فجعلت تطالبه بالدين المذكور في الكتاب) نفهم أنّ الكتاب كان علامة: استخدم المكتوبُ حجة مادية توجب على الأحوص دفع الدين حالاّ؛ وهذا يعني أننا إزاء نظام علاميّ متعدّد القنوات ومتعدّد الوسائط ففيه القولي والخطي والحركيّ .

لا شكّ أنّ الأحوص كان في حيرة ممّا ألمّ به ولا شكّ أنّه تفرّس مليّا في وجه هذه المرأة الغاضبة ينظر إن كان ما تأتيه حقّا أو باطلا جدّا أم هزلا وسيكون وجهها بلا شكّ موضع استقراء وستكون علاماته مفاتيح إضافية (مع الكلام) يفهم بها هذا الشاعر المغلوب على أمره السرّ الذي دفع بهذه المرأة إلى أن تتسلّط عليه وتطالبه بِدَيْن لاعلْمَ له به. ولاشكّ أنّ الأحوص كان يردّ بالحركة وبالإشارة وبالإيماءة بها «يقول» أشياء غير القسم الذي كان يقوله بالكلام. ولا شكّ أنّ المرأة كانت تتمتّع وهي ترى في وجه الشاعر علامات الكدر والحرج الذي سببته له. والحركات وغيرها من العلامات تفتح لنا النص على طرف غائب هو الجمهور الذي له أيضا لباسه وعلاماته الحركية المفيدة في الموقف وقد يكون الجمهور حضر صدفة هذا الموقف في السوق أو أمام المسجد، ولن يكون المكان محايدا بل اختلافه مؤثّر من المؤثرات وأمارة من الأمارات.

من المؤكّد أنّ قولها في الكلام الصريح (يا فاسق.. إلى آخر كلامها) فيه نوع من تطوّر المواجهة بين الشخصيّتين لم يصنعه فقط كلامها المطالب بقضاء الدين وكلامه المقسم بأنه لا يعرفها، بل هو تطوّر نابع من توتّر في الحركة الجسديّة وفي الإيماءات الوجهية وفي الإشارات اليدوية وغيرها. وحين قالت له (يا فاسق) فلا شكّ أنّها قالتها بنبرة ستكون مؤثرة في التخفيف من وطأة الكلمة (فاسق) أو في التثقيل من وقعها. لنفترض أنّ المرأة ابتسمت وقالت ما قالته في نبرة مازحة سيكون الموقف عندئذ قد آل إلى نهاية تشبه نهايات الكاميرا الخفيّة عندنا وهذا ليس مطلوبا منّا باعتبارنا قرّاء أن ننتهي إليه لأنّه سيجعلنا إزاء امرأة تميّز بين الخياليّ الشعريّ والواقعيّ؛ والحقّ أنّ مقصد الخبر هو عكس ذلك: امرأة واقعيّة أضرّ بها خيال الشاعر المشبّب. في هذه القراءة سيكون الصوت مرتفعا متشنّجا والنبرة حادّة والوجه عبوسا والموقف في ذروته ويكون الشتم مقذعا والفسق كالحقيقة الفاجعة حين تتهم به امرأة رجلا وسط الرجال وسيعني ذلك بالنسبة إلينا نحن من يناصر الخيال الشعريّ (ونحن قلّة) أنّ المرأة لا تفرّق بين الشعري والواقعي وأنّ تأثير التشبيب بها قد بلغ عكس ما ينتظره الشاعر.

إنّ الحركيّ هو اليوم جزء من تحليل الكلام وتسمى مثل هذه الإشارات الإشارات الحركيّة الخطابيّة وهي التي تقحم مع الكلام ولا يدرس الكلام الحيّ من دونها.

لقد كانت أمّ جعفر في نصّ الأحوص امرأة افتراضية، خرجت له ذات يوم بلحمها ودمها بحركتها وإيماءاتها بلباسها وبعطرها بقدها وبشعرها ونكّلت به هو من كان يعتقدها شخصا افتراضيّا خلقه خياله وتركه بين الأبيات في حارة القصيدة، لكنّه وجدها حيّة تسعى في الأسواق. كذلك هي العلامات في النص المكتوب تظنّها الكتابة شيئا غير موجود حتى تعيد القراءة العلامية بناءها فتعود إلى ما يشبه حياتها الأولى. ربما أرهقت هذه القراءة قارئها كما فعلت أم جعفر بشاعرها بيد أنّها ستبث فيه حياة أخرى لم يكن ينتظرها النصّ حياة كتلك التي لم يكن ينتظرها الأحوص وقد بعثت في أم جعفره: جاءت تفرض عليه ديْنا كان يظنّ أنه ليس عليه وظلّ يظنّ أنّه ليس عليه هكذا أوهمته اللّغة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق