الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

مَوْتُ العَلامَات

بقلم الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
ورد في كثير من الآثار القديمة أن جماعة من المُسلمين طلبوا من الرسول (ص) أن يجعل لهم نظيرا لشجرة كانُوا يعبدونها تُسمى «ذاتَ أنْوَاطٍ».

وذكر أبو العلاء المعري ذلك في «رسالة الغفران» فقال: «وقد رُوي أن بعض الناس قال: يا رسُول االله، اجعلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ». وجاء في لسان العرب: «وذاتُ أنواط شجرة كانت تُعْبد في الجاهلية، وفي الحديث: اجعلْ لنا ذاتَ أنواط، قال ابن الأثير: هي اسم سَمُرَة (شجرة طَلْح) بعينها كانت للمشركين يَنُوطُونَ بها سلاحَهُم أي يعلقونه ويعكفون حولها».

ما نركز عليه من هذا الحديث أن الشجرة المذكورة علامة وأن عمرها الافتراضي مهدد بزوال اشتغالها. فشجرة طلح السمُر العظيمة حملها عابدوها دلالة مقدسة فأخرجوها من طور النصبة (حالة كل شيء منصوب بلا دَلالة) إلى العلامة، وشحنوها بهذا المعنى التقديسي وجعلوها من العلامات الرموز.

يرتبط رمز الشجرة المقدسة على ما يُفهم من شرح ابن كثير، بالحرب؛ ويبدو أن المحاربين كانوا يقصدونها ليطلبوا في «ظلها» النصر؛ وكانوا يعلقون أسلحتهم عليها كيْ تنزع عنها نحسا قد يصيبها فتنكسر، وتجعلها فعالة جالبة، بما سيتنزل عليها من بخت، انتصارا. ونحن نعلم من التفسير ذاته أن هناك على الأقل طقسيْن كبيريْن: الأول تعليق السلاح على الشجرة الكبيرة؛ والثاني العكوف بها تبركا. وكون الشجرة رمزا يعني أنها علامة اعتباطية ككل الرموز غير الإيقونية، فلا علاقة صريحة لمعنى العبادة بالشجرة. وهي تكسب تلك الدلالة عبر المؤول عابدا أو عارفا بالقصة، وهذه سمة أخرى من سمات الرموز.

ينبغي أن تكون رمزية شجرة الأنواط الجديدة قد وُلدت بالتدريج كأنْ تكون مباركة على فردٍ، ثم يتسع الاعتقاد في بركتها ليشمل كثيرين.

وقد تكون بركتها بالصدفة ثم صارت مطلوبة بالقصد فتواضع الناس على ذلك وصار شائعا. وبهذا توفر شرطان لحياة كل علامة هما المواضعة والقصد. ولا يمكن أن تكون للشجرة حياة رمزية إلا إذا كان في دالها ما يسميه مارسيل موس بعبارة بولينيزية (مَانَا)، التي تدل على حزمة من المعاني المتضافرة، منها القوة السحرية التي للأرواح والبشر والأشياء. فلقد زرع المتعبدون في هذه الشجرة طاقة سحرية لم يستطع أنْ ينساها المسلمون حديثو العهد بالإسلام.

حكاية الشجرة المقدسة ليست جديدة في تاريخ الثقافات؛ فمنذُ شجرة آدم والمخيال يصنع صورا مقدسة لشجر لا يُخرِج من الجنة، بل يُرجِع إليها؛ ويبحث الإنسان فيها عن الارتقاء إلى عالم مُفارِق، فالشجرة هي معراج البسطاء أو بُراقُهم. وحين قال المتحولون الجدد إلى الإسلام اجعلْ لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواط، كانوا يعبرون عن شعور بالافتقار إلى ما يمكن أن يعوضهم في العقيدة الجديدة عن الدور الذي كانت تلعبه ذات أنواط: نعني التخفيف من خوفهم الشديد من الحرب، وبالتالي من الموت؛ وتحميسهم لها ورص صفوفهم ودفعهم إليها لا نفسيا فقط، بل عقديا أيضا. أنْ يحارب المرء ومعه المقدس الجمعي، يعني بشكل ما أنه سيكون أداة لتنفيذ نصر حاسم تصنعه الآلهة؛ أي أن يحارب باسم المقدس. هذا أهم دلالة في علامة الشجرة ذات الأنواط.
حتى تكون للشجرة «المانا» المناسبة لا بد أن يكون لها ما يسميه دوركهايم «قوى المقدس»، وهي قوى لا تبعث من التاريخ، بل تبعث أيضا من ممارسة المجموعة سلطتها على أفرادها. في حكاية الشجرة ذات الأنواط قوتان واحدة جاذبة هي قوة الشجرة الرمز، وأخرى نابذة هي قوة الرسول (ص) الذي يريد أن يعدل بالجماعة إلى رمز أكبر قداسة هو الله الواحد.

ليس من البسيط أن تتوقف الشجرة عن عملها الرمزي الحيوي بمجرد الانتقال إلى دين جديد. وسؤال المؤمنين أن يجعل لهم النبي ذات أنواط مشابهة، يعني أن يخلق لهم بديلا رمزيا لعلامة ظلت تشتغل في مخيالهم ووجدانهم مدة، إنه سُؤال من يؤجل موت العلامة بخلق بنت لها أو أخت. يريدون أن يخلق النبي لهم علامة مقدسة أخرى قد تكون شجرة أخرى من الفصيل ذاته أو من غيره، أو قد تكون صخرة أو كهفا.. المهم أن يأذن لهم بابتداع مقدس طبيعي آخر.

يشي لنا موقف هؤلاء بتردد في الانتقال من الرمز المرئي (الشجرة) إلى الرمز المفارق والخشية من موت المقدس الطبيعي الوسيط. مركزية العقيدة في دين التوحيد الجديد والخروج من تشتتها المعتاد المتمثل في وجود قوى مقدسة متعددة، هو ما أربك على الموحدين الجدد تصورهم، وجعلهم يطلبون أن يوجد الرسول لهم ما يوازي ذات أنواط في دينهم الجديد.

ليس في طلب استبدال علامة مقدسة بأخرى مقدسة مثلها قلة فهم للدين الجديد، مثلما يمكن أن يُفهم، أو على الأقل ليس هو السبب الوحيد وراء هذا الطلب. يوجد صراع مهم بين رؤيتين للعبادة متفاعلتين ما زالتا من مجتمعاتنا إلى اليوم وإن خفتا: هما الجمع بين عبادة الله الواحد وشعائر أخرى تقدس البشر أو الأشياء أو الأماكن أو غيرها. ما يزال هذا الأمر حاضرا في فكرة الولي الصالح الذي لا يلغي التوحيد، لكنه يكسب بعض الشخصيات رمزية مقدسة؛ ولئن كانت فكرة الولي الصالح مبنية على الشخص، فإن ذات أنواط مبنية على الشيء، ولكنهما فكرتان لا تختلفان من حيث الدور العقدي إلا في كيفية اشتغال العلامة. يصبح الشخص رمزا بكل مكوناته إن كان حيا، فإن مات صار التقديس إلى أشيائه وقبره، فالرمز هو حياة ما بعد العلامة عند انتهاء اشتغالها المادي؛ لكن لا يمكن أن يصبح للشجرة هذا الطابع الرمزي بعد حياتها، فهي شيء لا يستدل ماديا على وجوده العلامي القديم فاشتغالها يكون في حياتها وبموتها تموت شعائرها.

وأن يستشير المسلمون الجدد رسولهم في أن يخلق لهم علامة بديلة هو سؤال يقتل العلامة ويجعلها مرتهنة في وجودها وفي عدمها بالإذن. ربما يُحتاج خلْقُ علامة إلى نبي بالمعنى الرمزي، ولكن الأنبياء تحتاج نبوتهم لتتقوى وتظهر إلى علامات معجزة. بيد أن الأصل في العلامات أنها لا تُحدَث بإذن من أحد. للعلامات خصوصا الرموز الدينية، قوة خلق ذاتية وطاقة على التواصل ولا يمكن تدميرها إلا اجتماعيا. حين ينسى الناس بمرور الزمن ما كانت قيمة ذات أنواط الرمزية المقدسة في بعض حياتهم الجماعية، ستكون العلامة ممددة في مكان ما من مجمع العلامات تُحتضرُ. سيكون مريدوها قلة وسينفضون من حولها خوفا من لعنة أكبر من لعنتها ترسل عليه من إله لا يحب أن يشرك به. وهكذا ستُسلم الشجرة الروح وتموت علاميا حتى إن عاشت وعمّرت، وحتى إن ضربت جذورها في الأديم عميقا، حتى أغصانها التي علقت عليها أسلحة المحاربين قديما تطلب يمنها وبركتها ستصبح ملتقى للغربان الناعقة. عندئذ ستصبح الشجرة حمالة لعلامة أخرى، لكنها هذه المرة علامة عن موتها الذاتي: هي نعيب الغربان.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق