بقلم الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
لم يزدهر فن الرسم في الحضارة العربية الإسلامية لأسباب كثيرة؛ وساد اعتقاد بأن ذلك كان بمفعول كراهته دينيا، كراهة أصبحت تحريما لأن هناك خوفا من أن ينكص الناس على أعقابهم إلى عبادة الأوثان.غير أن هذا السبب لا يصمد أمام ما نعرفه من تراجع عن منع فن آخر، ورد في القرآن نص صريح في الإزدراء به وبأهله الذين قيل إنهم «فِي كُل وادٍ يَهِيمُونَ وأنهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ» (الشعراء 225 ـ 226). لكن الرسول (ص) نفسه اصطنع له أكثر من شاعر كحسان بن ثابت وكعب بن مالك سخروا نصيبا من شعرهم لخدمة الدعوة ورسولها.
ربما يكون الإشكال الديني في كراهة فن الرسم أنه اقترن بفن مكروه صار رمزا للشرك وهو النحت، الذي تنسب إليه صناعة الأصنام. الخوف على المسلمين الموحدين من الرجوع إلى عبادة الأصنام كانت علة العلل؛ غير أنها علة هشة الأسس لسببين اثنين على الأقل: أولهما أن الجاهليين كانوا يؤمنون بإله واحد مع آلهتهم المختلفة والتوحيد هو استغناء عن آلهة ثانوية كانت شكلا من أشكال العبادة المحلية، أو الخاصة بجماعة ثيولوجية وليس كما يفهم نقلا من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الأوحد؛ والسبب الثاني أن الأصنام هي تمثيل لرمز، ومن المستحيل أن ينقلب الرمز إلى ما يمثله حتى إذا كان الرمز تشخيصا لآلهة لا وجود لها مرجعيا، لأن قداسة تلكم الرموز الإيقونية تُستمد مما تمثله لا من ذاتها. حين أقبّل صورة عزيز عليّ أو أقربها إلى صدري، فإني أكون في وعي تام بأني أقبّل عزيزي الذي في خيالي والممثل في الصورة ولا أقبّل الورق حتى وإنْ قبلت الصورة. وهذا تماما ما كان يحدث في المنحوتات التي تسمى أصناما والتي تنتمي إلى حقبة تدين عرفها العالم هي الحقبة الوثنية. العبادة بشكلها غير الوثني هي عبادة مطلق يتنزه عن أن يوضع في تمثال، وعدم تمثيل المقدس سرى حتى إلى الأنبياء والتابعين. لكن الوثنية وظفت فن النحت في تمثيل المعبود.
وبالتوازي مع توظيف المنحوتات في العبادة ظل النحت في أصقاع كثيرة من العالم يؤدي وظيفته الجمالية، كأن يُنحت تمثالٌ يَعرض جمالا عاريا لامرأة أو رجل. ينبغي أن نفترض أن هؤلاء النحاتين كانوا يبرون الحجارة لكي يخلقوا صورا لجمال طرازي تتشوق العيون لمرآه. لقد كانت الفنون أهم المساهمين في تثبيت صورة طرازية للجمال بما في ذلك الرسم.
عاش مع النحت الرسمُ، غير أنه لم يكن ينافسه فالرسم فن في المتناول، إذ يمكن أن يُمارَس بوسائل بسيطة على فضاء ثنائي الأبعاد لا ثلاثيه كما في النحت. كان الرسم أقدم الأشكال التي عبر بها الإنسان البدائي قبل اكتشاف الكتابة، بل إن أولى مراحل الكتابة كانت تصويرية، ثم صارت بعد ذلك رمزية حين ابتُكرت الكتابة الألفبائية.
غياب الرسم في حيز زماني كبير ومكاني واسع في الأرض العربية الإسلامية كانت وراءه أسباب أخرى أعمق من الموانع الدينية، ما يعنينا منها هو الإدراكي. يتطلب الرسم قدرة فائقة على تمثل المرسوم جيدا وحفظه وتخزينه، وإعادة تمثيله بشكل تتفاوت درجة مطابقته للممثل عليه المرجعي، وهذا يتطلب عينا محيطة ونافذة إلى المدرك وذاكرة منظمة وقدرة على إعادة تمثيل المخزن ذهنا بالريشة.
الفقر الفني شأنه شأن الفقر المادي يصيب الشعوب ويصيب الطبقات لعوز في توفير وسائله. الرسم والنحت بمعنييهما الفني هما فنان يرتبطان تاريخيا بثقافة المدينة ولا علاقة لهما بثقافة البادية التي تنخرط في استخدام طقوسي للفن، عادة ما يرتبط بصراعها المركزي مع الطبيعة. ومثلما لا يمكن أن يوجد فن مجرد وعميق كالفلسفة بين الشعوب التي تفتقر في بداياتها إلى وسائل ثقافية متطورة، لا يوجد فن مركب ودقيق في تلك الثقافة. لكن أن تكتشف تلك الشعوب ذلك الفن عند أمم أخرى يمكن أن يكون موضوع ترحيب أو نفور. لم ينجح مثقفو العرب في العصور القديمة ممن ينتجون الثقافة بالعلامة اللغوية في أن يسوقوا لجمال الفنون الأخرى المنتجة بالعلامات البصرية كالنحت والرسم. كان الشعر هو السيد إذ كان ينتج القول، ويرسم الصور، لكنه لم ينجح في رسم ما كان لا بد أن يُرسم بالريشة: وجه الموناليزا العربية.
لوحة الموناليزا من اللوحات ذات القيمة المرجعية في العالم، هذه اللوحة يقصدها يوميا خمسة عشر ألف زائر، وهي موضوع تحليل فني وجمالياتي لا ينتهي؛ ما يعنينا منه أنها كرست عبر العصور صورة طرازية للجمال الأنثوي، الذي تتنازعه الأبعاد: فهو جمال شاب وناضج في آن؛ وجمال بدوي ومدني في آن وجمال حزين وسعيد معا، وجمال تلتقي فيه الأنوثة بنسمات من الذكورة، المهم أنه جمال تجتمع فيه العناصر المتناقضة في انسجام.
الشعر العربي كان أقدم الوثائق التي يمكن أن تبحث فيها عن رسم طرازي لامرأة جميلة، أي عن طراز للجمال في تلكم العصور؛ كان التشبيه والاستعارة اللون المائي الأهم الذي به رسمت تلك الصورة؛ كان في لون وجهها بريق البدر، وفي لون شعرها سواد الليل وفي شكلها المقدود غصن بان، وفي حركتها الرشيقة صورة غزال، وفي ريقها العذب أرقى الخمور وبين طيات ثيابها وجسدها الذي يحن للضوء عبق بخور يمني معتق أو فارسي مركب. هذه أوصاف لكنها لا تتجسد بالريشة إلا في شكل رسم تخطيطي؛ لأن في ذهن الشاعر خطاطة لا مثالا. وحتى إن أجهدنا أنفسنا فسيقودنا الرسم إلى ملامح امرأة غير عربية واقعيا، لا لأن الفن لا يحاكي الواقع، بل لأن الذهن يعشق جمالا غير ذاك الذي يعرفه. وعلى الرغم من أن المرجع الطبيعي المعتمد في الرسم صحراوي، فإنك إنْ لملمته لن تحصل على صورة امرأة عربية صحراوية وهذه مفارقات الطبيعة قبل أن تكون مفارقات الفن والواقع.
في العصر الحديث صنعت السينما المصرية في الخمسينيات والستينيات صورة للمرأة الراقية؛ صورة امرأة متحررة تلبس القصير والمكشوف وتحلق شعرها على الطريقة الأوروبية وتدخن السيجارة وتواعد حبيبها وتغازله في الهاتف وتركب معه السيارة المكشوفة.. هذه الصورة المرجعية الفنية كانت في الحقيقة تقليدا لصورة مرجعية فنية من السينما الأوروبية والأمريكية، التي تحاكي مرجعا فعليا، ولكن السينما العربية كانت تدفع إلى خلق صورة مرجعية افتراضية للمرأة وساعدت على ترويجها وتعزيزها أشياء كثيرة أهمها، دعوات التحرر في تونس ولبنان ومصر. كانت قاعات السينما في البلاد العربية أكبر مسوق لصورة المرأة العربية المعاصرة لغربها، واستطاعت السينما أن تجعلها صورة معشوقة غزت خيال الرجل، ثم صارت صورة حية تسعى . ومثلما يقول بلزاك، فإن «المرأة التي تكون في دائرة بصرنا هي المرأة التي نرغب فيها» ويضيف «من هنا جاءت القوة الرهيبة للممثلات».
ليس عيبا أن يكون الرجال في الغالب أهم من يرسم وجوه النساء؛ الرجل إن رسم المـــرأة رسمها بتطلع وترك فيها شيئا منه، بل يدعي الممثل الفرنسي ساشا غيتري أن المرأة الحقيقية «هي قبل كل شيء امرأة ليس فيها منزع نسوي».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق