قارِبُ كنيدي ....وقطارُ صالح

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
يظهر العنوان غريبا لأنّه يجمع بواو العطف بين شيئين مبهمين هما قارب مزعوم للرئيس الأمريكي الرّاحل كنيدي وقطار مبهم للرئيس اليمني الرّاحل علي عبد الله صالح. وبعد أن علمنا طرفي العطف في هذه العلاقة التي تجمع بينهما الواو، يظلّ السؤال مطروحا: ما علاقة قارب كنيدي المزعوم بقطار صالح المبهم؟ العطفُ في اللّغة علاقة تسمّى تركيبيّة، لأنّها تجمع بين طرفيْن هما المعطوفان جمعا يبدو لنا أحيانا غريبا لأنّه يجمع بين عناصر لا تَجتمع بأداة تعمل عمل علامة الجمع في الرّياضيات. بيد أنّ الفارق بين الواو التي هي «أمّ باب العطف» على حدّ عبارة النّحاة وعلامة الجمع في الرياضيات، أنّ الجمع يكون بين أشياء متجانسة لحاصلٍ متجانس بينما لا يوجد حاصل متجانس في العطف. فنحن نجمع تفاحتين مع تفاحتين لنحصل على أربع تفاحات، ولكن حين نجمع تفاحتين مع تمرتين فلن يكون لنا حاصل من نوع كلّ منهما، بل من جنسيهما كأن نقول إنّ الحاصل أربع ثمرات. فما فعلناه للوصول بالجمع إلى حاصل هو ضرب من تجريد المجموع (تفاحتين وتمرتين) في جنس جامع بينهما (ثمار). لكنّ هذا لا يحدث في بنية العطف، فنحن لم نجمع (قارب كنيدي) مع (قطار صالح) لحاصل متجانس، بل جمعناهما لحاصل دلاليّ جديد ليس هو مجموع رياضيّ للمتعاطفين. لنستبق الأشياء قبل شرح الجامع بين قارب كنيدي وقطار صالح، لنقول إنّ الواو التي في المركّب العطفيّ جمعت بين مفترقين في شيء أو أكثر هو كامن في ذهن المتكلّم، ولكنّه ينبغي أن يكون في إدراك المتلقّي، فتمام الكلام أن يفهم المتلقّي القصد وفهمه يحتاج سياقا معلوما يقال فيه هذا الكلام أو مقاما. كنيدي شخص تاريخي معروف وكذلك صالح: لنا إذن عناصر سياقيّة يمكن أن تقودنا إلى العناصر المقامية، فنكشف سرّ هذا العطف الملبس علينا.إنّ السّؤال الدّافع إلى كشف هويّة ما قبل الواو وما بعدها سؤال لا يخصّ المعنى، بل يخصّ الدلالة. فإن تعرف معنى القارب ومعنى القطار في اللغة العربيّة لن يفيدك شيئا من تحصيل مجموع الدلالة، وأن تعرف من يكون كنيدي ومن يكون صالح ـ وهي معرفة موسوعيّة (يسمّيها بعض الناس معرفة ثقافية ويعتبرها القاصرون غير ضرورية وهي أساسية في تحصيل الدلالة) لن يفيدك وحده في فك شيفرة الدلالة. ما يفكها هو الرجوع ـ إلى الحاضنة السياقية والمقامية التي نبتت فيها دلالتا قارب كنيدي وقطار صالح. ولكنّ الحاضنة السياقية المقامية لن تفيد في كشف سرّ الواو الرابطة بينهما. وهذا يجعلنا نرجع إلى التأويل والحفر في الروابط وهذا عمل لا يحفر في التاريخ، بل في التأويل والحفر الصحيح يتطلّب معرفة قبلية بالمكان الصحيح: أنت على الأرض ومتأكّد أنّ ما تبحث عنه يوجد تحت وقع معولك. هكذا فإنّه في مركّب دلالي بسيط كهذا نحتاج عمليّات ذهنيّة معقّدة كي نفهم. عمليّات يتفاعل فيها المعنى المعجمي مع الموسوعي ويتعامل فيها السياق مع المقامي، ويتعاضد فيها الفهم بالمقاصد، وفي كلّ هذا ينبغي أن يعرف من يشتغل ذهنه لإيجاد حاصل دلالي، إنّه إزاء لغة مشتركة وكلام فريد. لا يمكن لمن جهل عنصرا من هذه العناصر أن يصل إلى برْد اليقين الدلالي في مصنع إنتاج الفهم هذا. فإلى العمل إذن.لقارب كنيدي حكاية ولقطار صالح أخرى. أمّا قارب كندي فهو القارب الذي ورد في كلمته إلى الأمريكيين يوم 23 مايو/أيار 1961 حين قال: «يا إلهيǃ ما أعظم البحر، وما أصغر قاربي». وقال المعلّقون إنّ هذا الدعاء في أصله لعجوز يصلّي. أمّا قطار صالح فهو الذي ذكره في كلمته إبّان اندلاع الثورة اليمنية، يستخفّ فيه بالثائرين عليه فقال: «فاتكم القطار». بين الخطابين السياسيّين خمسون سنة وبين سياقيهما وقائليهما من الفروق ما لا يوحّد ولا يجمع، ورغم ذلك جمعت الواو بينهما في كلام يرمي ويهدف ويبني ويدلّ، من غير أن يقول إلام يرمي وما غاياته وما دلالته وحدها، بنية العطف تحوي بعض المفاتيح ولكنّ ذهن المؤوّل هو ما عليه استخدام تلك المفاتيح لفكّ الشّيفرات.القارب وهو في وادي الحقيقة زورق له حجم صغير مقارنة بالسّفينة أو الباخرة. والقارب لا يرحل براكبه إلى بعيد ويكون للنّجاة. القارب لا يناسب البحر، بل يناسب النهر إن دخل القارب الصغير عباب البحر ذي الأمواج غرق وتاه وتلاعبت به الرياح. هذه المعاني التي نكتسبها في تجربتنا مع القارب في ثقافتنا اليومية، هي التي نستحضرها الآن لا غيرها.هي خلفية أساسيّة نفهم فيها معنى القارب في كلام كنيدي الاستعاري. لكنّ كنيدي استعارَ استعارةَ عجوز يتضرّع إلى ربّه، أي أنّه نقل استعارة دينية إلى ميدان سياسي، فنقل استعارة فيها المركب يعبّر عن مصير الإنسان في الكون إلى مركب يعبّر عن طموح الرئيس الأضخم من وسائله المتاحة. لعلّ العجوز كان يطلب النّجاة من أهوال الدّنيا للوصول بسلام إلى الآخرة، وصار الرئيس يريد لو يوفّقه الربّ ليصل بالبلاد إلى مرساة النّجاة. السياسي ضيق من دائرة الديني ووسع في الإرادي والفاعلية البشرية، أي في التاريخ وترك للدعاء قوّة التوفيق الإلهيّ. لن تمنعني الاستعارة من أن أتذكر قولا أثيرا لعليّ بن أبي طالب فيه: «ولاية الناس بلاء عظيم». غير أنّني سأفهم «البلاء» الذي يشكو منه كنيدي بغير ما أتصوّر به بلاء «عليّ» فالظروف المحيطة مختلفة وليس في الأمر «خلافة» و«فتنة» بل في الأمر «المعسكر الشرقي» و«الحرب الباردة».دعاء السائس ليس خطابا موجها إلى الإله، كما في دعاء العجوز، بل هو موجه إلى الإله على مسامع الناس، هو اعتذار عن التقصير لمحدودية الأدوات المتاحة وفداحة التحديات. هو كلام إلى الناس أكثر منه دعاء.القطار في كلام صالح وهم وحقيقة وهم الثّوار أن يمتطوه إلى ما يطمحون إليه لكنّهم لا يدركونه وحقيقة لا يعرفها إلاّ الرئيس الزعيم الذي يعرف متى يركب القطار ومتى موعده بل يعرف السكة فهو من وضع القطار والناس والبلد عليها. قطار صالح قدرٌ يعتقده بين يديه والشّعب عبثا يحاول الفكاك منه: هي رؤية سياسيّة تصنع الزعيم يصعب أن يتخيّل فيها نفسه في قارب تحيط به أهوال. لكلّ سياسيّ رؤية: للكليانيّ رؤيته وقطاره وللتّشاركيّ قاربه وأهواله وفي السياسة ينجو البلد من الأهوال إن استعدّ لها السياسيّ؛ ولا ينجو بلد في ذهن ساسته أنّهم يعلمون السرّ وما يخفى: فما خفي سيكون أعظم من قطار يخرج على السكة. «المأساة التي هي جادة السياسة» كما يُقال صنعت نهاية كنيدي وصالح: قتلت السياسة الرجلين وبقي من الأوّل قاربٌ صار بفعل حركة التّاريخ سفينةً كبيرة تنقُلُ السّلاح حيث قطار الثاني يمرّ ويترك وراءه خصوما يمدّ بعضهم أياديهم إلى رقاب بعض، أو إلى سلاح السّفينة فترديهم قتلى ويمرّ القطار… قطار الحضارة وتكبر السّفينة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق