الأحد، 18 فبراير 2018

أساطير النحاة

الدكتور توفيق قريرة
 القدس العربي
من المفارقات أن بعض العلوم القديمة، رغم كونها علوما بما في هذه العبارة من الضبط والموضوعية، لم تخْلُ من نفحات أسطورية ذكرها العلماء أنفسهم في متون مصنفاتهم.
النحو من العلوم والصنائع الأولى التي تحدث في الأمة بشهادة الفارابي، الذي عدّ منها خمس صنائع، هي الخطابة والشعر والرواية وعلم اللسان والكتابة (الحروف: 148).
 



والمطلع على تفكير النحاة العرب يجد أن هذا العلم بلغ درجة عالية من القياس والتجريد وتجاوز مرتبة التقعيد إلى التفكير المعلل والمتين في مسائل العربية بما يجعله من أهم الأنحاء القديمة في العالم. ورغم ذلك فإن بعض الأساطير ظلت تحوم حول هذا العلم وهي أساطير تتعلق بقصة نشأة العلم نفسه.
تقول الأخبار المتواترة إن أبا الأسود الدؤلي هو أول من وضع علم النحو عند سماعه ابنته تلحن في حرف لا يُلحن فيه، فهي لا تميز بين التعجب (يا أبَهْ ما أشد الحرǃ) والاستفهام (يا أبَه ما أشد الحر؟). ومن الأخبار ما يرد النشأة إلى أمر سياسي من علي بن أبي طالب أو زياد بن أبيه . فلقد ذكر الزجاجي وهو من كبار النحاة في كتاب «الإيضاح في علل النحو»: «يقال إنه (يعني أبا الأسود) أول من سطّر في كتاب الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فسئل عن ذلك فقال: أخذتُه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» (الإيضاح، 89). وفي رواية أخرى ذكر الزجاجي أن أبا الأسود سمع ابنة له تلحن فقال: «يا لله فسدت ألسنة أولادنا، وهمّ أن يضع كتابا يجمع فيه أصول العربية فمنعه من ذلك زياد.. إلى أن فَشَا اللحنُ وكثـر وقبح فأمره أن يفعل ما كان نهاه عنه» (السابق:89). وفي كتب النحاة واللغويين والإخباريين وغيرهم أخبار من هذا النوع كان يصدقها الناس قديما، وظلوا يصدقونها حتى باتت كالأساطير التي تحيط العلم بهالة وأبهة هي من سمات الأساطير.
أن ينشأ النحو أو أي علم بأمر سياسي فذلك يعني أنه علم ضروري، وأن ينشأ بأمر من رمز ديني ـ سياسي فهذا يعني أن النحو علم يحظى بدعم سياسي وديني في آن. فما زال يقال لنا إن النحو ما نشأ إلا خشية من دخول اللحن العربية، وبالتالي النص القرآني والسنة وهذا يعني أنه لولا هذه العلة لما نشأ النحو، وهذا أمر لا تثبته الأنحاء التي نشأت لأسباب موضوعية، أدناها بناء القواعد الصريحة للغة، وهي قواعد تكون حدسية في أذهان المتكلمين بها. لا يخفى أن إسناد إنشاء العلم لعلي بن أبي طالب أو زياد بن أبي سفيان يتجاوز تاريخية الحدث إلى رمزياته السياسية التي لها صلة بالفتنة ورمزياته العقدية التي لها صلة بالتمذهب، بل له صلة حتى برمزية القدرة على الفصاحة لتنقلب قدرة على اختراع علم يقعد الكلام، ولاسيما الفصيح منه، وهذا له رافد يوناني يربط علم النحو بالنصوص الراقية نجا منه النحو العربي الذي اشتغل فيه سيبويه والجيل الأول على مفهوم «الكلام» لا الراقي من الكلام فقط. 
في بعض الروايات أن علي بن أبي طالب هو الذي بدأ هذا العلم حين قال الكلام اسم وفعل وحرف، ثم قال لأبي الأسود: «اُنح هذا النحو». يريدنا الخبر أن نصدق أن السياسي أسس علم العربية المغرق في التجريد، بمجرد ذكر نقطة من بحره هي تسمية أقسام الكلام. ليس في مقدور علم كالنحو أن ينشئه عالم مفرد مهما كانت عظمة علمه، فكتاب سيبويه الذي يعد أول أثر نحوي يصلنا كاملا، فيه اعتماد على آراء جماعة من النحاة سابقين أهمهم الخليل بن أحمد وحبيب بن يونس والأخفش الأكبر وغيرهم. ولم يستقم النحو علما كاملا مع سيبويه، فكان ينبغي أن ننتظر قرونا أخرى من التأليف حتى تستقر المفاهيم وتتهذب المصطلحات وتصبح لغة العلم شافة ناضحة.
لأسطورة النشأة هذه علاقة بأسْطورتيْن فرعيتين مترابطين هما تفشي اللحن والمتكلم المثالي. يصور النحو على أنه نشأ لخطر يهدد اللسان العربي، هو خطر اللحن المقبل على ألسنة هؤلاء الأعاجم الذين دخلوا الإسلام وما دخلوا العربية، بل إنهم إن انتطقت بها ألسنتهم تكدر صفاؤها بالمعايب، بل إنه تكدر فعلا، فاللحن أصاب حتى بنت أبي الأسود أي إنه دخل إلى عائلة الحسب في اللغة والنسب، إلى عائلة صفوية. هو لحن عجيب لا يشمل الإعراب والصرف بل حتى الأسلوب، فالبنت لم تعد تميز ـ ويا للغرابة ـ بين الاستفهام والتعجبǃ وهذا لحنٌ لم نسمع أنه وقع في لسان.
في كل لغة قوم يلحنون ويصوبهم الاستعمال الرائج، ولم يحدث في تاريخ اللغات أن لغة هجم عليها لحن من تكلمها من الأجانب فأبادها أو حرفها عن أصولها الصفوية الأولى. لا توجد في اللغة إلا المواضعات، وحتى لو تواضع الناسُ على أن يغيروا في اللغة واستعملوها مغيرة عن أصولها فذاك شأن يعنيهم واصطلاح اتفقوا فيه، وستجري اللغة على مزاجهم هم كما أرادوا. إن اللحن ظاهرة صحية وليست ظاهرة مرضية، هي صحية لأن كل لغة وضعت كي تُتعلم ويخطئ فيها الناس حتى يصيبوا، فكلما أصابوا تعلموا وكلما زاغت ألسنتهم ظلوا في حاجة إلى تعلمها أكثـر، واللغة في التعليم هي هدف يُبغى وليس هدفا يُغير ويحرف. 
وأخيرا توهم أسطورة النشأة بأن الفصحى التي هي لغة القرآن والشعر كانت لغة العامة الموحدة، وأن الناس في الأسواق كانت تتكلم كالشنفرى في عصر الشنفرى وكالمتنبي في عصر المتنبي، فهذا وهم لم تثبته الكتب ولا الأخبار. لم يكن هناك متكلم مثالي للعربية الفصحى يتكلمها يوميا بلا معلم، كما تكلمها أبوه وأمه، بل كان هناك دائما متكلم مثالي للهجات العربية. والمتكلم المثالي هو متكلم على السليقة لا يلحن مثلما لا يلحن العربي اليوم إن تكلم بلهجته. ولكم كانت هذه اللهجات كثيرة ويكفي أن نتابعها في كتاب سيبويه.
أن يروج النحاة لمثل هذه الأساطير فذلك قد يفهم بمعيار تثبيت قيمة علمهم فهم حَرَسَة اللغة، وهذا من الأيديولوجيا لا من العلم. لكن أن يروج فيلسوف كالفارابي لهذا في كتاب الحروف، يؤكد أن هذه الأسطورة باتت أسطورة عالمِة. يتحدث الفارابي عن أن «الأفضل أن تؤخذ لغات الأمة عن سُكان البراري» ويعتل لذلك كما يعتل الصفويون فيقول: «فإن من كان في الأطراف منهم أحْرى أن يخالطوا مجاوريهم من الأمم فتختلط بلغات أولئك فيتخيلوا عجمة من يجاورهم… «فإذا كثــر سمَاعُ هؤلاء ممن جاورهم من هذه الأمم للخطأ وتعودوا أن يفهموه على أنه من الصواب لم يُؤمَن تغير عاداتهم فلذلك ليس ينبغي أن تؤخذ عنهم اللغة» (كتاب الحروف:146)
مشكلة هذه الأساطير أنها تعتقد أن اللغة كيان لا يأتيه من البَعيد إلا الخطرُ (حتى إن كانت اللغة تعني المعجم) هي حسناء ينبغي ألا تتزوج بالغرباء. الأخطر أن يتصور العلماء أن اللغة يمكن أن تعيش في عزلة.. إن في عزلة اللغة، أي لغة موتها لا بقاءها ولن تفيدها صفوية مزعومة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق