الثلاثاء، 31 يوليو 2018

الذكاء العاطفي

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
أ
جلس في حديقة عامة وأقرأ أخبارا من جريدة لا محلية ولا إقليمية لا كرة ولا سياسة ولا مجتمع .. أصوات السيارات تتعالى عند الاقتراب، ولكنها لا تخفت عند التنائي، وكيمياء من الضجيج متفاعلة مع هواء يريد أن يصبح نقيا، لكنه لا يصفو لا تعرف من أين تدخل إليّ أمن عيني أم من أذني؟ أشرب من قنينة الماء وأنا لا ظمأ عندي ولا ارتواء وآكل شيئا تافها لا هو بالحلو ولا بالمر..
وأقرأ أخبارا يظهر أني قرأتها منذ عقود عن شيء كالخذلان والهزيمة والتطبيع والحرية والثقافة الوطنية واليُتم والعُهر، والصور المخلة بالحياء، والسرقة والخيانة والموضة وموائد الأيتام والحصار، وضحالة مستوى التعليم وغلاء الأسعار والتضخم والحليب المعقم الفاسد والقهوة العبقة.
أتوقف عند صور مألوفة لنارجيلة حولها رجال بأزياء عربية وسيدة بجلباب أسود في يدها طفل يتأبط ذراعها، وفي الأخرى شيء كالطبق المكشوف على الرأس الملتحف فيه خبز «العيش»، والمارة يمرون وعيونهم على الرغيف، أو على الرأس لا أدري.. ثبتت الصورة كل شيء حتى حركة المارة.. حركت في ذهني الصورة كي يمشي الواقفون فأرى المرأة من تكون؟ فلم يتحركوا كانوا هم أيضا يريدون أن يعرفوا من تكون السيدة؟ وإلى أين تذهب بتلك الأرغفة.. بذلك العيش؟ غاب الطفل في الزحام.. كان هو الوحيد الذي تحرر من ثبات الصورة .صحيح أنه ما زال بالأبيض والأسود، لكنه ظل يمشي ولا يلتفت إلى أمه. 
أسرعت أطوي صفحة الجريدة وأشرب المَاء على ظمأ أو أطلب الله ألا يحرك الصورة، فتنتبه المرأة إلى ابنها الذي ذهب في السواد والبياض ولم يلتفت إليها وإلى رغفان «العيش» التي مد المارة ايديهم إليها، رغم أن أقدامهم ثابتة.. التهمتُ شيئا تافها بعد العطش، وأحسست أنه بطعم العيش الذي في الصورة. رأيته، نعم .. الولد رأيته يسير أمامي هناك؛ صحت فيه أيها الولد الذي أضاع أمه.. هاي أنتǃ وعدوت خلفه.. التفت إليّ كل من في الشارع.. صاروا جميعا أولادا، وثبتت الحركة حتى حركتي وصرنا جميعا بالأسود والأبيض.. حتى أنا صرت بالأسود والأبيض. مرّ صبي كذاك الصبي يبيع الجرائد.. مددت يدي أريد أن أوقفه، رأيتني في الجريدة وأنا في الشارع مثبت الحركة وحولي مارة مثبتو الحركة.. فتشت عن الأم فلم أجدها. 
ليس هذا قصا بالطبع إنما هو وصف لما عشته بيني وبين نفسي وأنا أنظر في صورة بالأبيض والأسود في جريدة. صحيح أن الصورة ثابتة ولكن ذلك لم يمنع خيالاتي من أن تتفاعل معها، وتصنع منها صورا متحركة ترتبط بها في الأصل، غير أنها تتجاوزها وتتوالد منها صور متحركة قابلة لأن تصبح فيلما قصيرا.
الصورة التي في الصحيفة رآها بلا شك أكثر من قارئ؛ ربما كانوا بالمئات أو بالآلاف، هذا هو المشترك بيني وبينهم، غير أن تعاطفي مع المرأة وابنها وما ولده ذلك لديّ من انفعالات وصلت درجة دخولي عالم الصورة الثابتة وتحريكها، كان شيئا مما يسمى في بعض البحوث العرفانية الحديثة بالذكاء العاطفي Emotional Intelligence .
الذكاء العاطفي يعني مبدئيا أن الإنسان يمكن أن يستفيد من عواطفه ومن عواطف غيره ويحسن استخدامها في معالجة الأنشطة المعرفية المختلفة. ذلك أن أمزجة الأشخاص تؤثر في إدراكهم، فمن يمرون منهم بحالات شعورية سالبة كالشعور بالإحباط والعجز، يؤثر ذلك في أدائهم وفي عملهم العرفاني فينصرفون مثلا عن مواصلة الجهد، أو لا يجدون الطريق اليسيرة لتجاوز الصعوبات. وعلى العكس من ذلك، فإن الأشخاص الذين لديهم حالات شعورية موجبة يقدرون أكثر من غيرهم على أن يناضلوا في سبيل تجاوز الصعوبات أثناء معالجة عمل عرفاني معين. بعض النظريات الحديثة تعتقد أن هناك رابطا قويا بين المشاعر والإنجاز العرفاني للأنشطة المتنوعة، وهنا نتحدث عن نشاط فك شيفرة الصورة في الصحيفة اليومية، هذا الفك صاحبه تفاعل شعوري من الرائي، يمكن القول إنه تفاعل عال جعله لا يقف على الحياد مع أطرافها، ولا مع سياقها الاجتماعي والتاريخي، ولا يفك دلالتها بعيدا عن التأثر الشعوري. 
لنعد إلى صورة الطفل والمرأة والأرغفة التي رأيتها في الجريدة، وإلى ما أثارته فيّ من انفعالات وصور نقلتها في بداية هذا المقال. فما نقلته دليل على وعيي بما دار في باطني وأنا أرى الصورة، وهذا وصف للحالة العامة لا للشعور. وصف الشعور والوعي به هو أول مراحل بناء الذكاء العاطفي، لأن هذا الذكاء هو القدرة الذاتية على تعيين عواطف المرء وعواطف غيره وحسن إدارتها (لا بمعنى التحكم الذاتي فيها) في معالجة المعارف. يبدأ البناء بما يسمى الوعي العاطفي، فمثلا حين أدخل أنا في خضم الصورة وأنادي الطفل كأنني معه وأراه وأسمعه، فأنا واع بأني في حالة عاطفية هي التفاعل الحركي الأقصى مع المشهد المرئي. وهذا يعني أنني لو كنت أسير مع الشارع نفسه الذي سارت فيه المرأة مع ولدها لاقتربت من الطفل وحادثته وسرت معه، ليس هذا فقط، بل لكنت واعيا تمام الوعي بأن ما جعلني أسير معه وألاطفه هو أنني متعاطف معه. المرحلة الثانية من بناء الذكاء العاطفي هو ما يسميه المختصون توظيف المشاعر في المعالجة العرفانية، ذلك أن الاقتراب من الطفل وأمه وإشعاره بالتعاطف معه وعرض المساعدة عليه هي من أنواع توظيف المشاعر؛ لكن إن كان الطفل في الصورة وأنا أناديه في الواقع فهذا يعني ضربا من تحدي حيثيات الواقع، وتسخير ملكة التخيل للنفاذ إلى العالم الافتراضي للصورة؛ وليس هذا بالضرورة جنونا أو خروجا عن النواميس العقلية، فالتخيل ملكة عرفانية نشيطة ولا علاقة لها بفقدان موازين التعقل في السلوك أو في التفكير. فالتخيل إذن ومثلما ذكر ذلك الفيلسوف كانط «ملكة عرفانية منتجة». فالذهن وهو يستعمل هذه القدرة، قدرة التخيل يخلق عالما آخر، وإن كان منطلقه الواقع.
وأخيرا فإن بناء الذكاء العاطفي ينبغي أن يوصلني إلى التحكم في عواطفي وفي عواطف غيري، أي أن أعرف مثلا وأنا في الحديقة وأشاهد هذه الصورة وأتفاعل معها خيالا، أنه من غير المفيد أن أصيح في الفتى بأعلى صوتي، كما فعلت بيني وبين نفسي وبأصواتي النفسية، وحتى لو فعلت ذلك وصحت في هذه المدينة الصاخبة وانتبه إلى من انتبه واتهمني بالجنون أو تلاشت أصواتي، وما انتبه إليّ من أحد فسأكون قد فعلت ذلك، وأنا أعرف أني نكرة في هذه الحديقة وأن أخباري ستموت هنا ولن تحمل أخباري الركبانُ. الذكاء العاطفي في النهاية شيء من ماء الحياة يدخل إلى عقلك من باب مزاجك، ليثبت أنه لا توجد حدود كالتي أخبرونا بها بين عالم عاطفي وعالم عقلي، وأن العاطفة شيء والعقل شيء مخالف. الجسم والذهن والثقافة واللغة والعلامات في تفاعل أبدي، ويظهر لك هذا التفاعل وأنت تعالج شيا بسيطا كرؤية صورة في صحيفة وأنت لا تنتظر في حديقة عامة غير وقت سيأتي ليأخذك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق