الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
في دارتي الواقعة في سفح جبلي تنام تحته العيون وتجبن فيه الأودية في الشتاء البكاء عن أن تحتمل ما تحمل من سيول، أفتح الصنبور فلا أسمع إلا حشرجة أو سكينة أبدية ولا أرى ماء العادة أو أسمع هديره المهذب.
أذكر في هذا الجو العابث بعناوين العطش مقالا حول علاميات المشروب وفعل الشرب لبول مانينغ.
في هذا المقال المفيد قراءة علاماتية للمياه المعلبة التي تسمى المياه المعدنية، أو الطبيعية وللمياه العامة، التي توفر لنا في المنازل وتجري في الحنفيات، وهي مياه الدولة. ينقل مانينغ رأيا لريتشارد ويلك فيه أن تجارة المياه المعلبة في العالم هي أفضل مثال على «تناقضات الرأسمالية» في شكلها الراهن. فكل علبة ماء تحمل في رأيه تقابلات بين الطبيعة والتكنولوجيا والدولة والسوق والبُنى التحتية العامة والشركات الخاصة؛ وهي توفر أمثلة واضحة عن الفرق اللافت بين اقتصادات العالم المتقدم واقتصادات العالم الثالث. وقد اتبع مانينغ خُطى ويلك، في دراسة علامية للمياه العامة والمياه المعلبة تقف على الفرق بين البضاعة الرأسمالية والبضاعة الاشتراكية. لن نساير في هذا المقال وجهتي نظر الباحثين، لكننا سنسير على خطوهما في اعتبار الماء المعلب حامل علامات تقع في طرف مع الماء الطبيعي.
حين ينقطع الماء عن أنابيب المنزل وتملأ فرشاة الأسنان وتفتح الحنفية، سيـأتيك صوتٌ يصفر يعلمك أن الماء كان هنا ورحل كقطار عجوز يعشق السكك الباردة. في ذلك الوقت وأنت تسمع شيئا كالصفير أو النفخ في أنابيب خاوية ستتذكر أن للماء صوتا مميزا حين كنت تفتح الصنبور داخل «بيت الماء» فيجري الماء. صوت الماء مقطوعا وعدم صوته هو مقابل علامي لصوت الماء موجودا. علبة الماء «الطبيعي» المعدني هي المنقذ فمتى طلبتها وجدتها هي لم تنقذ من السوق. ستقول إنك غسلت اليوم بماء معدني، ولكنك لم تقل مرة إنك غسلت بماء الحكومة. ستكون كمن غسل وجهه بأغلى العطور.
تعليب الماء وبيعه في علب بلاستيك أو بلورية تُختار أشكالها بإتقان وألوانها، وأسماؤها عليها كالرايات، وكذلك العيون التي «حُلبَت» منها وتركيبة الأملاح المعدنية التي تألفت منها والفرحُ الأبله بأن الماء «خال من النيترات» هي أشياء من مُنتجات الصناعة ومن عقلية الشركة التي علبت لنا هذه المياه وألبستها تيجانا من الأوصاف مثل «الطبيعي» و«المعدني» و«الفرات»، وقالت عنها إنها «غنية بالأملاح المعدنية» وذهب في ظننا أن مياه الحنفية أو ماء الدولة أو بعبارة شعبية «ماء الحاكم» هو كـ»زيت الحاكم» أو «دجاج الحاكم» بخس القيمة؛ فالدولة تصرفه ببخس الأثمان، لذلك يفقد في أذهاننا صفة الطبيعية ويغدو غير معدني، أو فقيرا من الأملاح المعدنية وبعبارة شعبية قد يصبح ماء غير صالح للشراب لأنه مختنق بالكلس الذي يورث الأسقام.
في عصر ما قبل تعليب المياه كانت علاقتنا بالماء أكثر طبيعية وبلا حواجز؛ ولكن العلب أنستنا الأصل الطبيعي للماء. لقد انعكس رأينا في الدولة وهو في الغالب سلبي، على مائها الطبيعي؛ وانعكس رأينا في رأس المال، وهو في الغالب رأي موجب يعني الثراء الفاحش، على مائه المعلب. قرأنا المائين قراءتين مُتنافرتين: قراءة سلبت منه طبيعيته وكنهه وأكسبته ريحا آسنة ولونته بشتى الألوان؛ وقراءة أخرى ضخمت فيه طبيعيته وكنهه وجعلته نافعا يدخل المعدة فيرطبها ويلطف الهضم و«يوصى به للرضيع ولمجاري البول وللسمنة وضغط الدم». لقد مرت القراءة المُنفرة من حنفية الدولة وأنابيبها التي كانت تصنعها من مواد ضارة كالرصاص؛ والقراءة المرغبة مرت من الإشهار ذي الصورة الساحرة.
تلعب الشركات على شكل العلب ولونها، وعلى الإشهار أي هي تلعب على علامات مرئية وتحجب مذاقَ الماء خلف أسوار البلاستيك أو البلور الشفافة فتشتاقه النفس حتى تلقاه؛ لكن الدولة تسكت عن مصادر مائها لا لأنها تخفيها؛ بل لأنها شيء تافه في خطاب السياسة التنموي.
تتحدث عنه بلغة الجمع والعدد من نوع حفرت الدولة هذا العام كذا بئرا أو وفرت الدولة الماء الصالح للشراب. ماء الدولة في توصيفها «صالح للشراب» وماء الشركة «معدني طبيعي». وبين التوصيفين تقابل: الأول مع الماء غير الصالح للشراب، وهو ماء المـــوت المالح، والثاني مع الماء العادي وهو ماء كثير لا يعذب، بينما ماء العلب هو ماء النغبة والنخبة.
لم تدافع الدولة عن صورة مائها المهتزة، ولكنها لا تكذب ما يوجد على العلب من إشارات من نوع أن هذا الماء ينصح به للمريض وللرضيع. لم تبحث الدولة عما يثبت هذا الادعاء الإشهاري، وهي أيضا لم تكن صارمة في مراقبة نسب الأملاح المعدنية المذكورة على العلبة: من منا قرأ هذه قراءة غذائية جادة هذه المكونات؟ ذكر البيولوجي برغمان في القرن الثامن عشر، أن «تحليل الماء تحليلا كيميائيا دقيقا يعد واحدا من أشد المشاكل، عوصا في الكيمياء»، وعلى الرغم من أن برغمان كان وقتها متفائلا بما ستؤول إليه الأمور في الأزمنة اللاحقة، ولا سيما في القدرة على ترجمة المعطيات الكيميائية إلى معطيات طبيىة، فإن هذا لم يتحقق على الأقل لدى مستهلك ماء النخبة. فمن المفيد أن يعرف الشارب أن نسبة معينة من المنيزيوم تؤثر في العصبية العضلية، وأن الكلورين يساعد على الهضم وغيرها من المعلومات الأساسية المفيدة. وبناء على معرفة الأملاح الأساسية الأثرى من غيرها يمكن أن يتجه الشارب إلى مائه المناسب في حالته وفي يومه. هذه المعلومات تغيب لأسباب تجارية لتوهم أن الماء كله واحد ونافع لكل إنسان في كل مكان وزمان.
كان الماء دائما مشتركا بين الناس لأن الطبيعة كانت ملكا بينهم مشاعا فلما دُجنت عناصر الطبيعة وملكت وصارت موضوع عقد انتقلنا من صوت الخرير، وهو صوت كان يسمع بشكل متشابه، إلى صوت ارتطام القوارير وطرشقة العلب، وإعادة رسكلتها لتحمل ماء جديدا ينسى طبيعته الأبدية بمجرد أن يدخل بلا حذاء إلى هيكل العلبة، ذلك الوثن المعبود حديثا.
كل هذا مقبول إلى حد ما، لكن علينا أن نكون على درجة معينة من السذاجة حتى نقبل بالعطش في كوكب ثلثه يابسة وثلثاه ماء، وفي واقع تقنيات تحلية مياه البحر فيه ممكنة وبسيطة: هل تجرعتم هذا القرص؟ انتظروا أن يعود ماء الحاكم إلى الأنابيب.
في هذا المقال المفيد قراءة علاماتية للمياه المعلبة التي تسمى المياه المعدنية، أو الطبيعية وللمياه العامة، التي توفر لنا في المنازل وتجري في الحنفيات، وهي مياه الدولة. ينقل مانينغ رأيا لريتشارد ويلك فيه أن تجارة المياه المعلبة في العالم هي أفضل مثال على «تناقضات الرأسمالية» في شكلها الراهن. فكل علبة ماء تحمل في رأيه تقابلات بين الطبيعة والتكنولوجيا والدولة والسوق والبُنى التحتية العامة والشركات الخاصة؛ وهي توفر أمثلة واضحة عن الفرق اللافت بين اقتصادات العالم المتقدم واقتصادات العالم الثالث. وقد اتبع مانينغ خُطى ويلك، في دراسة علامية للمياه العامة والمياه المعلبة تقف على الفرق بين البضاعة الرأسمالية والبضاعة الاشتراكية. لن نساير في هذا المقال وجهتي نظر الباحثين، لكننا سنسير على خطوهما في اعتبار الماء المعلب حامل علامات تقع في طرف مع الماء الطبيعي.
حين ينقطع الماء عن أنابيب المنزل وتملأ فرشاة الأسنان وتفتح الحنفية، سيـأتيك صوتٌ يصفر يعلمك أن الماء كان هنا ورحل كقطار عجوز يعشق السكك الباردة. في ذلك الوقت وأنت تسمع شيئا كالصفير أو النفخ في أنابيب خاوية ستتذكر أن للماء صوتا مميزا حين كنت تفتح الصنبور داخل «بيت الماء» فيجري الماء. صوت الماء مقطوعا وعدم صوته هو مقابل علامي لصوت الماء موجودا. علبة الماء «الطبيعي» المعدني هي المنقذ فمتى طلبتها وجدتها هي لم تنقذ من السوق. ستقول إنك غسلت اليوم بماء معدني، ولكنك لم تقل مرة إنك غسلت بماء الحكومة. ستكون كمن غسل وجهه بأغلى العطور.
تعليب الماء وبيعه في علب بلاستيك أو بلورية تُختار أشكالها بإتقان وألوانها، وأسماؤها عليها كالرايات، وكذلك العيون التي «حُلبَت» منها وتركيبة الأملاح المعدنية التي تألفت منها والفرحُ الأبله بأن الماء «خال من النيترات» هي أشياء من مُنتجات الصناعة ومن عقلية الشركة التي علبت لنا هذه المياه وألبستها تيجانا من الأوصاف مثل «الطبيعي» و«المعدني» و«الفرات»، وقالت عنها إنها «غنية بالأملاح المعدنية» وذهب في ظننا أن مياه الحنفية أو ماء الدولة أو بعبارة شعبية «ماء الحاكم» هو كـ»زيت الحاكم» أو «دجاج الحاكم» بخس القيمة؛ فالدولة تصرفه ببخس الأثمان، لذلك يفقد في أذهاننا صفة الطبيعية ويغدو غير معدني، أو فقيرا من الأملاح المعدنية وبعبارة شعبية قد يصبح ماء غير صالح للشراب لأنه مختنق بالكلس الذي يورث الأسقام.
في عصر ما قبل تعليب المياه كانت علاقتنا بالماء أكثر طبيعية وبلا حواجز؛ ولكن العلب أنستنا الأصل الطبيعي للماء. لقد انعكس رأينا في الدولة وهو في الغالب سلبي، على مائها الطبيعي؛ وانعكس رأينا في رأس المال، وهو في الغالب رأي موجب يعني الثراء الفاحش، على مائه المعلب. قرأنا المائين قراءتين مُتنافرتين: قراءة سلبت منه طبيعيته وكنهه وأكسبته ريحا آسنة ولونته بشتى الألوان؛ وقراءة أخرى ضخمت فيه طبيعيته وكنهه وجعلته نافعا يدخل المعدة فيرطبها ويلطف الهضم و«يوصى به للرضيع ولمجاري البول وللسمنة وضغط الدم». لقد مرت القراءة المُنفرة من حنفية الدولة وأنابيبها التي كانت تصنعها من مواد ضارة كالرصاص؛ والقراءة المرغبة مرت من الإشهار ذي الصورة الساحرة.
تلعب الشركات على شكل العلب ولونها، وعلى الإشهار أي هي تلعب على علامات مرئية وتحجب مذاقَ الماء خلف أسوار البلاستيك أو البلور الشفافة فتشتاقه النفس حتى تلقاه؛ لكن الدولة تسكت عن مصادر مائها لا لأنها تخفيها؛ بل لأنها شيء تافه في خطاب السياسة التنموي.
تتحدث عنه بلغة الجمع والعدد من نوع حفرت الدولة هذا العام كذا بئرا أو وفرت الدولة الماء الصالح للشراب. ماء الدولة في توصيفها «صالح للشراب» وماء الشركة «معدني طبيعي». وبين التوصيفين تقابل: الأول مع الماء غير الصالح للشراب، وهو ماء المـــوت المالح، والثاني مع الماء العادي وهو ماء كثير لا يعذب، بينما ماء العلب هو ماء النغبة والنخبة.
لم تدافع الدولة عن صورة مائها المهتزة، ولكنها لا تكذب ما يوجد على العلب من إشارات من نوع أن هذا الماء ينصح به للمريض وللرضيع. لم تبحث الدولة عما يثبت هذا الادعاء الإشهاري، وهي أيضا لم تكن صارمة في مراقبة نسب الأملاح المعدنية المذكورة على العلبة: من منا قرأ هذه قراءة غذائية جادة هذه المكونات؟ ذكر البيولوجي برغمان في القرن الثامن عشر، أن «تحليل الماء تحليلا كيميائيا دقيقا يعد واحدا من أشد المشاكل، عوصا في الكيمياء»، وعلى الرغم من أن برغمان كان وقتها متفائلا بما ستؤول إليه الأمور في الأزمنة اللاحقة، ولا سيما في القدرة على ترجمة المعطيات الكيميائية إلى معطيات طبيىة، فإن هذا لم يتحقق على الأقل لدى مستهلك ماء النخبة. فمن المفيد أن يعرف الشارب أن نسبة معينة من المنيزيوم تؤثر في العصبية العضلية، وأن الكلورين يساعد على الهضم وغيرها من المعلومات الأساسية المفيدة. وبناء على معرفة الأملاح الأساسية الأثرى من غيرها يمكن أن يتجه الشارب إلى مائه المناسب في حالته وفي يومه. هذه المعلومات تغيب لأسباب تجارية لتوهم أن الماء كله واحد ونافع لكل إنسان في كل مكان وزمان.
كان الماء دائما مشتركا بين الناس لأن الطبيعة كانت ملكا بينهم مشاعا فلما دُجنت عناصر الطبيعة وملكت وصارت موضوع عقد انتقلنا من صوت الخرير، وهو صوت كان يسمع بشكل متشابه، إلى صوت ارتطام القوارير وطرشقة العلب، وإعادة رسكلتها لتحمل ماء جديدا ينسى طبيعته الأبدية بمجرد أن يدخل بلا حذاء إلى هيكل العلبة، ذلك الوثن المعبود حديثا.
كل هذا مقبول إلى حد ما، لكن علينا أن نكون على درجة معينة من السذاجة حتى نقبل بالعطش في كوكب ثلثه يابسة وثلثاه ماء، وفي واقع تقنيات تحلية مياه البحر فيه ممكنة وبسيطة: هل تجرعتم هذا القرص؟ انتظروا أن يعود ماء الحاكم إلى الأنابيب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق