الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

‭ ‬تنافس»العلماء‮»‬‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬المعنى

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي 
«‬مجالس‭ ‬العلماء‮»‬‭ ‬تسمية‭ ‬لبعض‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬مجالس‭ ‬كانت‭ ‬تجمع‭ ‬بالصدفة‭ ‬أو‭ ‬بالميعاد‭ ‬علماء‭ ‬العربيّة‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬القديم،‭ ‬ونذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬مجالس‭ ‬العلماء‮»‬‭ ‬لأبي‭ ‬القاسم‭ ‬الزجاجي،‭ ‬وفيه‭ ‬آراء‭ ‬خلافية‭ ‬وبعض‭ ‬مناظرات‭ ‬بين‭ ‬النحاة‭ ‬القدامى،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬نحاة‭ ‬المذهبين‭ ‬البصري‭ ‬والكوفي‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬نحويّة‭ ‬مختلفة. ‬


في‭ ‬بعض‭ ‬كتب‭ ‬‮«‬الأمالي‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬كلام‭ ‬أملاه‭ ‬عالم‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬على‭ ‬طلابه‭ ‬وجمعها‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬تنسب‭ ‬إلى‭ ‬ممليها‭ ‬شأن‭ ‬أمالي‭ ‬الزجاجي‭ ‬وأبي‭ ‬علي‭ ‬القالي‭ ‬و«مجالس‮»‬‭ ‬ثعلب‭ ‬وغيرها‭. ‬ما‭ ‬يعنينا‭ ‬في‭ ‬مقالنا‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكتب‭ ‬أنّه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نؤرّخ‭ ‬فيها‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬طُرقا‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬المسائل‭ ‬العلميّة،‭ ‬وهذه‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يلتفت‭ ‬إليها‭ ‬الدارسون،‭ ‬تخبرنا‭ ‬ببعض‭ ‬آليّات‭ ‬التفكير‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لأجدادنا‭ ‬من‭ ‬‮«‬العلماء»؛‭ ‬طرق‭ ‬ربّما‭ ‬ظلت‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬منقوشة‭ ‬في‭ ‬عقلنا‭ ‬العالم‭.‬
هناك‭ ‬ميل‭ ‬مرضيّ‭ ‬لدى‭ ‬العلماء‭ ‬إلى‭ ‬الإيحاء‭ ‬بأنّهم‭ ‬يمتلكون‭ ‬المعنى‭ ‬الصحيح،‭ ‬وأنّ‭ ‬غيرهم‭ ‬هائمون‭ ‬بين‭ ‬المعاني‭ ‬تائهون،‭ ‬ميل‭ ‬مرضيّ‭ ‬لأنّه‭ ‬يظلّ‭ ‬يكبر‭ ‬حتى‭ ‬يشعروا‭ ‬أو‭ ‬يشعرهم‭ ‬غيرهم‭ ‬بأنّهم‭ ‬يتحوّزون‭ ‬العلم‭. ‬العلماء‭ ‬بمعنى‭ ‬الشعر‭ ‬مثلا‭ ‬تسمية‭ ‬هلاميّة‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لمسمّاها‭ ‬في‭ ‬الواقع؛‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬صنّاع‭ ‬تأويل‭ ‬وللتأويل‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬صناعة‭ ‬قواعد‭ ‬معلومة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحتكرها‭ ‬واحد‭.‬
جاء‭ ‬في‭ ‬أمالي‭ ‬الزجّاجي‭ (‬56-58‭) ‬خبر‭ ‬أورده‭ ‬أبو‭ ‬الحسن‭ ‬الأخفش‭ (‬ت‭ ‬830‭ ‬م‭) ‬وهو‭ ‬نحوي‭ ‬معروف‭ ‬عن‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬رئيسي‭ ‬المدرسة‭ ‬البصريّة‭ ‬والكوفية‭ ‬في‭ ‬عصريْهما‭ ‬وهما‭ ‬محمّد‭ ‬بن‭ ‬يزيد‭ ‬المبرّد‭ (‬ت‭ ‬899‭ ‬م‭) ‬المكنّى‭ ‬في‭ ‬النصّ‭ ‬بالخُلديّ‭ (‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬محلّة‭ ‬ببغداد‭ ‬تسمّى‭ ‬الخُلد‭) ‬وأبو‭ ‬العبّاس‭ ‬ثعلب‭ (‬ت‭ ‬904‭ ‬م‭) ‬يقول‭ ‬نصّ‭ ‬الخبر‭: ‬‮«‬كنت‭ ‬يوما‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬ثعلب‭ ‬فأسْرَعْتُ‭ ‬القيامَ‭ ‬قبل‭ ‬انقضاء‭ ‬المجلس‭ ‬فقال‭ ‬لي‭: ‬إلى‭ ‬أين؟‭ ‬ما‭ ‬أراك‭ ‬تصبر‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الخُلْديّ‭. ‬فقلت‭ ‬له‭: ‬لي‭ ‬حاجةٌ،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭: ‬إنّي‭ ‬أراه‭ ‬يقدِّم‭ ‬البحتريّ‭ ‬على‭ ‬أبي‭ ‬تمّام،‭ ‬فإذا‭ ‬أتيْتَه‭ ‬فقل‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬قول‭ ‬أبي‭ ‬تمّام‭: ‬أَ‭ ‬آلِفَةَ‭ ‬النّحيبِ‭ ‬كم‭ ‬افتراقٍ‭ ‬‭*‬‭ ‬أظلَّ‭ ‬فكانَ‭ ‬داعِيَةَ‭ ‬اجتماعِ‭ . ‬قال‭ ‬أبو‭ ‬الحسن‭: ‬فلمّا‭ ‬صرت‭ ‬إلى‭ ‬أبي‭ ‬العبّاس‭ ‬المبرّد‭ ‬سألته‭ ‬عنه‭ ‬فقال‭: ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬أنّ‭ ‬المتحابّيْن‭ ‬والعاشقيْن‭ ‬قد‭ ‬يتصارمان‭ ‬ويتهاجران‭ ‬إدلالا،‭ ‬لا‭ ‬عَزْما‭ ‬على‭ ‬القطيعة‭ ‬ـ‭ ‬وإذا‭ ‬حان‭ ‬الرّحيل‭ ‬وأحَسّا‭ ‬بالفِراق‭ ‬تراجعا‭ ‬إلى‭ ‬الودّ‭ ‬وتلاقيا‭ ‬خوف‭ ‬الفراق‭ ‬وأن‭ ‬يطول‭ ‬العهد‭ ‬بالالتقاء‭ ‬بعده‭ ‬فيكون‭ ‬الفراق‭ ‬حينئذ‭ ‬سببا‭ ‬للاجتماع‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الآخر‭: ‬مُتِّعا‭ ‬بالفراق‭ ‬يوم‭ ‬الفراق‭ ‬‭*‬‭ ‬مستجيرين‭ ‬بالبُكا‭ ‬والعناق‭). ‬قال‭: ‬فلمّا‭ ‬عُدت‭ ‬إلى‭ ‬ثعلب‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬الآخر‭ ‬سألني‭ ‬عنه‭ ‬فأعدت‭ ‬عليه‭ ‬الجواب‭ ‬والأبيات،‭ ‬فقال‭: ‬ما‭ ‬أشَدَّ‭ ‬تمويهه،‭ ‬ما‭ ‬صنع‭ ‬شيئاǃ‭ ‬إنّما‭ ‬معنى‭ ‬البيت‭ ‬أنّ‭ ‬الإنسان‭ ‬قد‭ ‬يفارق‭ ‬محبوبه‭ ‬رجاءَ‭ ‬أن‭ ‬يغنم‭ ‬في‭ ‬سفره‭ ‬فيعود‭ ‬مستغنيا‭ ‬عن‭ ‬التصرّف‭ ‬فيطول‭ ‬اجتماعه‭ ‬معه‭. ‬ألا‭ ‬تراه‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الثاني‭: ‬وليستْ‭ ‬فرْحة‭ ‬الأوْبَات‭ ‬إلاّ‭ ‬‭*‬‭ ‬لموقوف‭ ‬على‭ ‬تَرَح‭ ‬الوداع‭. ‬وهذا‭ ‬نظير‭ ‬قول‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬منه‭ ‬أخذ‭ ‬أبو‭ ‬تمّام‭: ‬وأطلبُ‭ ‬بُعْدَ‭ ‬الدّار‭ ‬منكم‭ ‬لتقربوا‭ ‬‭*‬‭ ‬وتسكب‭ ‬عيناي‭ ‬الدموعَ‭ ‬لتجمُدا‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬بعينه‮»‬‭.‬
كان‭ ‬الشعر‭ ‬عند‭ ‬النّحاة‭ ‬شاهدا‭ ‬وهذا‭ ‬أهم‭ ‬وجه‭ ‬له،‭ ‬لكنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضوعا‭ ‬لذاته‭ ‬يشرح‭ ‬شرحا‭ ‬نحويّا
ما‭ ‬يلاحظ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬أنّ‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬عالمي‭ ‬النحو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬نحويّة،‭ ‬أي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الاختصاص‭ ‬الدّقيق‭ ‬للعالمين،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الخلاف‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬معنى‭ ‬بيت‭ ‬شعريّ‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬إيهام‭ ‬العالم‭ ‬بأنّ‭ ‬تأويله‭ ‬هو‭ ‬الصحيح‭ ‬وتأويل‭ ‬غيره‭ ‬تمويه‭ ‬وحكم‭ ‬من‭ ‬ثمّ‭ ‬على‭ ‬الدلالة‭ ‬بالأحادية‭ ‬وجعل‭ ‬المعنى‭ ‬يتيما‭ ‬لا‭ ‬يمتلكه‭ ‬إلا‭ ‬عالم‭ ‬حقيقي‭.‬
‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬عند‭ ‬النّحاة‭ ‬شاهدا‭ ‬وهذا‭ ‬أهم‭ ‬وجه‭ ‬له،‭ ‬لكنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضوعا‭ ‬لذاته‭ ‬يشرح‭ ‬شرحا‭ ‬نحويّا،‭ ‬الشعر‭ ‬موضوعا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬شرح‭ ‬شرحا‭ ‬نحويّا‭ ‬أو‭ ‬لغويّا،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬شرح‭ ‬الأنباري‭ ‬للمعلقات،‭ ‬وهذه‭ ‬الشروح‭ ‬اللغوية‭ ‬تظهر‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬تفاسير‭ ‬القرآن‭ ‬ذات‭ ‬المداخل‭ ‬اللغوية‭ ‬مثل‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬معاني‭ ‬القرآن‮»‬‭ ‬للفرّاء‭ ‬أستاذ‭ ‬ثعلب‭. ‬
ما‭ ‬يلاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬أنّ‭ ‬التّمذهب‭ ‬النحوي‭ ‬قد‭ ‬يوازيه‭ ‬تمذهب‭ ‬شعري‭: ‬إذ‭ ‬ينتصر‭ ‬المبرّد‭ ‬البصري‭ ‬للبحتري‭ ‬الذي‭ ‬يمثّل‭ ‬التيار‭ ‬المحافظ‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬ويكرس‭ ‬نهج‭ ‬الأوئل‭ ‬فيه‭ ‬وينتصر‭ ‬ثعلب‭ ‬الكوفي،‭ ‬لأبي‭ ‬تمّام‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬تيار‭ ‬الشعر‭ ‬المحدث‭ ‬في‭ ‬وقته‭. ‬وهذا‭ ‬الانتصار‭ ‬للفريقين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوّي‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬المذهبين؛‭ ‬المهمّ‭ ‬أنّ‭ ‬امتحان‭ ‬ثعلب‭ ‬للمبرّد‭ ‬هو‭ ‬امتحان‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الشّعر‭ ‬يراد‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬يوصلنا‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬التّعصّب‭ ‬للبحتري‭ ‬على‭ ‬أبي‭ ‬تمام‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭ ‬له،‭ ‬وأنّ‭ ‬الموقف‭ ‬المسبق‭ ‬من‭ ‬شاعر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضرّ‭ ‬بفهمه‭. ‬هذا‭ ‬وجه‭ ‬الفكرة‭ ‬أمّا‭ ‬قفاها‭ ‬فيتمثّل‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬التعصّب‭ ‬لشاعر‭ ‬يعني‭ ‬امتلاك‭ ‬مفاتيح‭ ‬فهمه‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعنينا‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭. ‬فمهما‭ ‬كان‭ ‬جواب‭ ‬أبي‭ ‬العباس‭ ‬المبرّد‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬بيت‭ ‬أبي‭ ‬تمام‭ ‬موفّقا،‭ ‬فإنّ‭ ‬موقف‭ ‬ثعلب‭ ‬سيكون‭ ‬رافضا‭ ‬له‭ ‬طالما‭ ‬أنّه‭ ‬يعتقد‭ ‬سلفا‭ ‬أنّ‭ ‬معاني‭ ‬شعره‭ ‬حكر‭ ‬فهمها‭ ‬عليه‭. ‬حين‭ ‬يسأل‭ ‬عالم‭ ‬عن‭ ‬بيت،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬بقيّة‭ ‬الأبيات‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النصّ‭ ‬ويعرف‭ ‬الأبيات‭ ‬المشابهة‭ ‬في‭ ‬أشعار‭ ‬أخرى؛‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أمرين‭: ‬أنّ‭ ‬العلم‭ ‬ليس‭ ‬علما‭ ‬بالمعنى‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬إحاطة‭ – ‬عبر‭ ‬الحفظ‭ ‬طبعا‭- ‬بتقلّب‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬القصيد‭ ‬وفي‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الأشعار‭ ‬ذات‭ ‬المعنى‭ ‬الواحد‭ ‬وأنّ‭ ‬للمعاني‭ ‬تاريخا‭ ‬وتصرّفا‭ ‬ومناسباتٍ‭. ‬السّؤال‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬بيت‭ ‬عند‭ ‬العلماء‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬وحيد‭ ‬مفرد‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬النّصوص؛‭ ‬وهذا‭ ‬يشبه‭ ‬من‭ ‬سألك‭ ‬عن‭ ‬منزل‭ ‬ما‭ ‬فتجيبه‭ ‬بذكر‭ ‬موقعها‭ ‬ومجاوراتها‭ ‬و‭ ‬دور‭ ‬مشابهة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.. ‬لهذا‭ ‬أجاب‭ ‬المبرّد‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬بربطه‭ ‬بغيره‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬فربطه‭ ‬بالصَّرم‭ ‬والتّلاقي‭ ‬في‭ ‬العشق‭. ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬طالع‭ ‬القصيد‭ (‬خُذي‭ ‬عبراتِ‭ ‬عينك‭ ‬عن‭ ‬زماعي‭ ‬‭*‬‭ ‬وصوني‭ ‬ما‭ ‬أزلت‭ ‬من‭ ‬القناع‭). ‬
رأيُ‭ ‬ثعلب‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬المبرّد‭ ‬أنّه‭ ‬‮«‬تمويه‮»‬‭ ‬أي‭ ‬إخفاء‭ – ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬طبعا‭- ‬للمعنى‭ ‬الحقيقيّ‭ ‬وإظهار‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬له‭: ‬أي‭ ‬أنّ‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬العالم‭ ‬الثاني‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬المعنى،‭ ‬وأنّ‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬إغراء‭ ‬بالوصل‭ ‬المتين‭ ‬بعد‭ ‬الفراق‭ ‬القليل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إغراء‭ ‬بالنعمة‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬أوّلها‭ ‬فراق‭ ‬للحبيب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يضرب‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الكسب‭ (‬بالشعر‭) ‬وآخرها‭ ‬لقاء‭ ‬لا‭ ‬فراق‭ ‬بعده؛‭ ‬فالمدح‭ ‬سيجلب‭ ‬مالا‭ ‬لا‭ ‬يفنى‭ ‬وكسبا‭ ‬يريح‭ ‬من‭ ‬وَعْثَاءِ‭ ‬السّفر‭.‬عين‭ ‬ثعلب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬القصيدة‭ ‬مدحيّة‭ ‬وأنّ‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬مألوفة‭. ‬هكذا‭ ‬أبدى‭ ‬ثعلب‭ ‬وثوقيّة‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لأنّ‭ ‬التأويل‭ ‬يفتح‭ ‬النصّ‭ ‬على‭ ‬الممكن‭ ‬بحجة؛‭ ‬والوثوقية‭ ‬لا‭ ‬تُقبل‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬النسبيّة،‭ ‬كان‭ ‬للعلمي‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬استبداد‭ ‬والعالم‭ ‬العاجز‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يستبدّ‭. ‬ماذا‭ ‬سيكون‭ ‬موقف‭ ‬الأخفش‭ ‬الذي‭ ‬استمع‭ ‬للرأيين؟‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬يعنيني‭ ‬ما‭ ‬يكون،‭ ‬لأنّي‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬البداية‭ ‬أنّ‭ ‬الأخفش‭ ‬كان‭ ‬ابن‭ ‬خمسٍ‭ ‬حين‭ ‬توفي‭ ‬ثعلب‭: ‬فهل‭ ‬كان‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السنّ‭ ‬وعاء‭ ‬يقبل‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬ويقدر‭ ‬على‭ ‬التردّد‭ ‬بين‭ ‬مجالس‭ ‬العلماء؟‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬شيئا‭ ‬ممّا‭ ‬قلناه‭ ‬في‭ ‬وثوقية‭ ‬المعنى،‭ ‬ربّما‭ ‬أسقط‭ ‬وثوقية‭ ‬الخبر؛‭ ‬وهذه‭ ‬قضيّة‭ ‬أخرى‭.‬

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق