الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

الزمن الضائع

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
يخطئ تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات في تحديد الزمن النّحوي بدقّة، فهم يعتقدون أنّ الماضي الذي في الفعل سافر في (سافر زيد) يعني أنّه حدث وانقضى وبات في حكم الغابر ولذلك يسمّى ماضيا.

وحين تسأل أحدهم لكنّ (قام) في قول مقيم الصلاة (قد قامت الصلاة) و(فتح) في قول المُؤْذن بفتح الجلسة في المحكمة (فُتحت الجلسة) هل يفيدان حدثا انقضى؟ فمعلوم أنّ الصلاة لم تُقَم بعْدُ، والجلسة القضائيّة لم تُفتح بعدُ فإنْ كان الماضي في صيغة الفعل يعني غُبورَ الحدث وانقضاءَه فلمَ عبّر عن المستقبل بصيغة الماضي؟
أصل المشكل لَبْسٌ وقلّة اهتداء إلى التمييز بين الزمن الفلكي أو الطبيعي من ناحية، والزمن اللغوي من ناحية أخرى. ومن سوء حظّنا نحن ـ طلاّب اللغة العربيّة ومعلميها ـ أنّ هذا اللبس فكّ من زمان بعيد، أي منذ ما يقرب من اثني عشر قرنا، بيد أنّ الرغبة في التبسيط المخلّ جعلتنا لا نرى هذا الفرق ونأنس إلى ترادف مقيت بين الزمن النحوي أو اللغوي، والزمن الفلكي الذي نقسمه إلى ماض هو أمْسُكَ وما شابهه، وحاضر هو لحظتك أو يومك ومستقبل هو غــــدك وما يعقبه.
لو أنّ اللبس كان مقتصرا على خلط بين الزمن الفلكي والزمن النحوي لهان الأمر بهوان إزالته، لكنّ هذا التصوّر عشّش في الأذهان وخلق لدى الطلاب، وهم مواطنون ذوو ثقافة تصوّرا ثقافيّا للزمان، يؤسفنا أن نقول إنّه معرقل لأشياء كثيرة أهمّها الإيمان بالحركيّة والتطوّر.
من المعلوم المبسَّط أنّ الزمن الفلكي هو زمن فيزيائي، فبحركة الفلك يكون تعاقب الليل والنّهار والأعوام والقرون؛ والترتيب البسيط يقتضي أن نقسّم الأزمنة إلى ثلاثة ماض وحاضر ومستقبل. بيد أنّ الزمان اللغوي لا يتحدّد كما هو معلوم أيضا بحركات الفلك، بل له مقياس آخر يحدّده من داخل اللغة وليس من خارجها. كان المقياس الذي انتبه إليه النّحاة العرب بحذق كبير وأيّده اللّسانيّون المحدثون من أمثال الفرنسي إيميل بانفينست هو التناسب بين زمن التكلّم أو الإخبار أو الحديث وزمن الحدث، وهذا مقياس طبّق على زمن الفعل.
زمن الحديث أو الإخبار (أو بعبارة حديثة زمن التلفّظ) هو الزمن الذي تأخذ فيه في الكلام؛ وهذا زمنه ثابت وهو الحاضر. حدث الكلام الذي يسمّيه الفيلسوف البريطاني أوستين «عمل القول»، وهو أن تتلفظ بأصوات لتؤلّف كلاما منطوقا (أو تكتبه)، هو حدث لا يقع إلاّ في حاضرٍ بالنسبة إلى المتكلّم. فكلما تكلّم المتكلّم تجدّد ذلك الحاضر، إذ الحاضر يتجدّد بالكلام والكلام يتحدّد بأن تحقّقه. فلا يمكن لي أن أتحدّث في الماضي ولا في المستقبل فأنا أتحدّث وحين أتحدّث يكون ذلك حاضر نطقي. 
في الفعل من نوع أكل وضرب وسافر وأحبّ وكره حدث مقترن بزمان، ولا يعقل أن يكون الفعل حدثا إلا إذا اقترن به زمان لا يفارقه؛ وهذا يختلف فيه الفعل عن المصدر الذي هو حدث منقطع عن الزمان ومطلق منه. الزمان الذي يقترن بالفعل هو زمان صيغيّ أي متأصّل في بنية الفعل فلا يمكن إزالته منه من دون أن ينهدم بناؤه انهداما تامّا. الزّمان الذي في الفعل يتحدّد حسب النّحاة العرب (ينظر في شرح كتاب سيبويه للسيرافي وشرح المفصّل لابن يعيش وفي شرح الكافية للأسترابادي) وحسب اللسانيّين المحدثين ( ينظر في «مسائل في اللسانيّات العامّة» لإيميل بانفينيست) بزمن الإخبار أو زمن التلفظ وهو الحاضر أبدا؛ ويسمّى زمن الفعل زمن الحدث (وزمن التلفظ زمن الحديث) أو زمن الخبر، فالفعل نحويّا خبر عن مخبر عنه (سافر زيد: سافر خبر عن مخبر عنه هو زيد) وهكذا يتحدّد زمن الفعل بالنسبة إلى زمن التلفظ، وهو الحاضر أبدا فإمّا أن يقع قبله أو بعده أو مزامنا له. بهذا يتحدّد زمن الفعل بمقياس لساني هو زمن التلفظ، ولا يتحدّد بمقياس الزمن الفلكي أو الطبيعي مثلما يذهب في اعتقاد الناس.
فسافر في (سافر زيد) هو فعل ماضٍ لا لأنّه وقع بالأمس أو في أيّ زمن ماض من الأزمنة التي تقاس بحركة الأفلاك، بل لأنّ المتكلم الذي نطق بملفوظ (سافر زيد) نطق به آن تلفظه بهذا القول، وبالنسبة إليه تحدّد زمن الفعل (سافر) كالتالي: زمن التلفظ الحاضر/ زمن الحدث وهو السّفر: سابق له، لذلك نقول إنّه الزمن الماضي. نقول ذلك لأنّ زمن السفر (وهو زمن الحدث) جدّ قبل أن ينطق المتكلم الذي حدّثنا بقوله ( سافر زيد) ليصف لنا أنّ زيد مسافر. وبناء عليه فإنّ متكلّما آخر لو قال (سيسافر زيد) فإنّه يصف في زمن تلفظه حدثا هو السفر سيقع بعد تلفّظه؛ لهذا سيكون زمن الحدث لاحقا لزمن التلفّظ وهذا هو معنى المستقبل، لا لأنّ الفعل سيحدث في لاحق الأزمنة الفلكيّة؛ وهذا معطى لاغٍ لا اعتبار له في ضبط زمن الفعل وهو زمن لغوي لا فلكي. وأخير لو أنّ قائلا قال: (يسافر زيدٌ الساعة) وهو يصف حدثا للسفر يقع متزامنا مع اللحظة التي يتحدّث فيها فإنّ زمن الفعل (يسافر) هو الحاضر أو الحال لأنّه تقاطع مع زمن التلفظ. 
سيقول المتسامحون وما أكثرهم إنّ الأمر سيّان أكان المحدّد الزمن الفلكي، أم الزمن الطبيعي مادامت القسمة واحدة وهي متشابهة ومن سافر غدا سيسافر في زمن نحوي مناسب للزمن الطبيعي؛ وأنّ تشقيق المقاييس ضبط غير مفيد وأنّ تبسيط الأمور على الطلاب أن يقال لهم إنّ الماضي ماض سواء أكان فلكيّا أم نحويّا وأنّ الزمن هو هو ما دام كلامنا يصف أكوانا واقعيّة. هذا الكلام المتسامح يقضي على خصوصيّات المقاييس العلمية التي تميز المفاهيم في العلوم المختلفة، فالزمن مفهوم متعدّد مختلف باختلاف العلوم التي تخوض فيه هناك، فمثلما تسلّم بوجود زمن جيولوجي وزمن فلكي وزمن فيزيائي وزمن نفسي يمكن أن تتعامل ولا ينبغي أن تلتبس متصوّراتها، فكذلك الشأن بالنسبة إلى الزّمن النّحوي. يضاف إلى ذلك أنّ القسمة الثلاثيّة التي ربما كانت السّبب في التباس الزمن الفلكي بالنّحوي لا يقول بها بعض النّحاة المتأثّرين بالفلاسفة حين قالوا إنّ الآن ليس امتدادا زمانيّا كامتداد الماضي والحاضر، وأنّه ليس له دوامهما، ولذلك ينبغي أن لا نعتدّ بوجوده؛ بل الزمن اللغوي زمنان الماضي والمستقبل. وردّ عليهم من أنكر هذه القسمة المنطقية بأنّ «الآن النحويّ» ليس كالآن المنطقيّ وفي قوله إيمان بخصوصية المقاييس التي تحدّد الزمنين.
آخر القول إنّ من النّحاة من اعتبر أنّ الزّمان النحويّ الأصلي هو المستقبل لأنّه لم يكن شيئا ثمّ أتي آنه قبل أن يصير ماضيا. ما أحوجنا إلى مثل هذا القول بين طُلاب يخافون المستقبل ويرونه كابوسا ووسط ثقافة فيها تمجيد كثير للماضي، حتى لكأنّه هو الأصل، تمجيد يبنى على كثير من الحنين وكثير من الراحة من أنّه مضى وانقضى بشرّه وخيره. وما الكابوس والمجهول إلا المستقبل: إنها ثقافة البحث عن الزمن الضائع على حدّ عبارة «بروست».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق