بقلم الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
أركب القطار وإلى جانبي يجلس شيخ ثمانيني يلبس لباسا صوفيا يناسب شتاء البلد ويتحدّث يا إلهي كم يتحدّثǃ يتحدّث بالأمثال كمن يريد أن يقنع بأنّ الشيخوخة حكمة. يكدّس الأمثال في غير محالّها ويضحك وينبز ويهرّج ويسخط ويزمجر ويموج فيلكزني عمدا، وأنا صخرة لا تتحرّك، ألعنه بيني وبين نفسي وأنظر مشاهد الخضرة من النافذة وأصبر.
القدس العربي
أركب القطار وإلى جانبي يجلس شيخ ثمانيني يلبس لباسا صوفيا يناسب شتاء البلد ويتحدّث يا إلهي كم يتحدّثǃ يتحدّث بالأمثال كمن يريد أن يقنع بأنّ الشيخوخة حكمة. يكدّس الأمثال في غير محالّها ويضحك وينبز ويهرّج ويسخط ويزمجر ويموج فيلكزني عمدا، وأنا صخرة لا تتحرّك، ألعنه بيني وبين نفسي وأنظر مشاهد الخضرة من النافذة وأصبر.
صبري عليه أقلّ طبعا بكثير من الصبر على غيره في سنّه، أنا من أين جاءني السكّريّ أنا ريفي ابن ريفي ما علقني السكّري إلاّ من صمتي عليكم، وصبري وقلة حيلتي. قريبا سأصاب بأمراض أخرى سيورثنيها العيش بين من يفهم ويتجاهل، ومن يعد ويخلف، ويعلّم الناس وهو جاهل، ومن يلبس لباس الإفرنج وذهنه قد أكله الصّدأ وعشّشت فيه القبيلة، ومن يذبح الشّاة ولا يعرف سلخها ومَنْ ومَنْ ومَنْ .. هل عليك كي تعيش معافى في بلادٍ تداركَها الله أن تكون أصمّ وأبكم؟
عاد الرجل يلكزني وهو يتكلم بجسد ككتلة صخرية، يهزها زلزال على سلم ريختر.. ضحكت من سلم ريختر هذا كيف سيقاس به ثقيل كالذي يجاورني ويتعدّى على رقعة كرسيّين.. توقّف القطار في المحطّة وتمنيت النزول فهممت بالوقوف؛ نظر إليّ يستعجلني الرّحيلَ فجلست نكاية فيه.. قال وهو يغمز عليّ امرأة أربعينيّة تجلس قبالتنا وتمضغ العلكة: عشنا وشفنا.. نظرتْ إليّ المرأة ونظرت إليه تلومه فعاد يقول: هذه القبّعات الإفرنجيّة سبب الجفاف وشحّ المطر اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا. كنت ألبس قبّعة سوداء كقبعات رعاة البقر ولست أدري ما كان يلبس، وهل لرأسه ملبس أصلا. هل على رؤوسنا أن تصنّف بحسب القبعات التي نلبسها: أرني قبعتك أقلْ لك من أنت..
جلستْ في المقعد الشاغر قبالتي في القطار شابة لا أعرف إن كانت تلميذة أم طالبة كانت معها أخرى تقف حذوها. عاد الرجل يعلّق على قبعتي ويعيد: عشنا وشفنا؛ قبعات الكفار على رؤوس المُسلمين. أزعجني كلامه فنظرت إلى رأسيْ الشّابتين كانت الجالسة تضع طربوشا من الصّوف يخرج من تحته شعر طويل كشعر غجريّة، يبدو أنّ الريح تلاعبت به وأعيته حتى استراح ينام قليلا. أمّا الواقفة فكانت تضع قبعة كقبعتي وشعرت بوطأة كلام العجوز فقالت له: اعْتَنِ برأسك ودعْك من رؤوس النّاس.. أعجبني كلامها فابتسمتُ وأمعنت في الابتسام حين رأيت الرّجل قد تفاجأ. لعب الرّجل على الأخلاق.. فقالت الشابة الجالسة تنهره وقد أطال لسانه على صديقتها: عشنا وشفنا.. كانت الأربعينيّة منزعجة من الشّابّتين تدعوهما إلى التأدّب وعدم إطالة اللسان على من يكبرهما في السنّ فقالت: إنّه بمثابة جدّكما.. غضب الرجل وأطلق لسانا لاذعا عليها، فتعجّبت كيف أنّها تدافع عنه وهو يشتمها.. قالت: عشنا وشفنا.. وقالت لي: أرأيت كفَفْت عنه الأذى فآذاني.. قلت لها: عشنا وما شفنا.. استشاط الرجل غضبا ونزل في المحطّة الموالية يلعنني ويلعن القبّعات ولابسي القبّعات الأحياء منهم والأموات.
عاد الرجل يعلّق على قبعتي ويعيد: عشنا وشفنا؛ قبعات الكفار على رؤوس المُسلمين. أزعجني كلامه فنظرت إلى رأسيْ الشّابتين كانت الجالسة تضع طربوشا من الصّوف يخرج من تحته شعر طويل كشعر غجريّة.
قالت لي الواقفة: لا عليك لا تهتمّ يا عمّ قبعتك جميلة.. قالت لها الأربعينيّة مسكين هذا الرّجل تحمّله كثيرا ولم يجبه.. سألتني: هل تعرفه؟ قلت: ليس أكثر من معرفتي بكنّ؟ قالت الشابة الواقفة: اشتريت لأبي واحدة من هذه القبعات فلبسها لأجلي.. هي جميلة؟ قلت شكرا لك.. في سنّنا نلبس لأجل أولادنا. ولدايّ يريدانني أن ألبس هذا وأنا أثق في ذوقهما.. قالت لي الجالسة: وهي تضحك في اطمئنان: يا عمّ أليس طربوشي الصوفي جميلا أيضا؟ قلت لها: طبعا هو كذلك، وأضفت مازحا: ربّما هو أحلى طربوش في عين الشيخ الذي نزل. قالت: لمَ قلت ذلك يا عمّ.. أريد رأيك أنت.. قالت: صديقتها الواقفة: لا عليك هو يمازحك. قالت الأربعينيّة: قال لي والدي مرّة، حين كنّا شبابا كنّا نلبس الشاشيّة التونسيّة، وكنّا إنْ أردنا إشعار أهلنا بأنّا نريد الزواج نميلها سريعا ثمّ نرجعها وكأنّنا فعلنا ذلك سهوا.. ضحكت البنتان وقالت صاحبة القبعة الإفرنجية: سأميّل القبعة لأبي هذا اليوم وضحكنا جميعا.. قلت: كمن يتحدّث إلى نفْسه ولكنّ الكلمة خرجت مسموعة: اللباس لغة.. قالت إحدى البنتين: يعني أنني حين ألبس قبعة الصوف وتلبس صديقتي أخرى نريد أن نقول شيئا. قلت: ينبغي أن لا تضمرا أنّكما تريدان أن تقولا شيئا ويفهمه من تريدان أن تخاطباه به. أمّا لباسكما القبعتين فهو ضرورة لاتّقاء البرد. قالت إحداهما: يعني أنني لو أملت طربوشي أمام أبي ويفهم أنني أريد أن أتزوج فعندئذ يكون اللباس قد ناب عنّا.. أنا يا عمّ أقول لأبي ما أريد بالكلام ولا أحتاج لغة اللباس.. قلت: كان بعض الكلام قديما ممنوعا فصار شيئا فشيئا مباحا، وحين يُمنع الكلام خوفا أو قداسة فإنّا نعوّضه بعلامات أخرى كاللّباس. قالت الأربعينيّة وقد توقّفت عن مضغ العلكة: أنت تقصد أنّ الشيخ منذ حين كان يفهم من لباسك ما يزعجه؟ قلت: هو ذاك سيّدتي.. هو يرى في قبّعتي استفزازا فهو يعتقد أنّها من لباس الكفّار، أو أصحاب الديانات الأخرى.. قالت الشابّة لابسة الصوف وقد انتقلت للجلوس حذوي لصاحبتها: يا كافرة.. قالت الأخرى: أحسنت يا مسلمة.. يا صوفيّة. قلت لها متعجّبا: تعرفين الصّوفيّة؟ قالت نعم: لي قريب متصوّف.. قالت لها صديقتها: أتُذاكرين من ورائي؟ سألتها الأربعينيّة قريبك المتصوّف هذا ماذا يلبس؟ قالت: عادي يلبس الجينز وفي الأعياد يضع الطّيب إن خطبني يوما فسأصبح مثله متصوّفة.. ماذا يعجب فيها هذه الدّنيا؟ قلت لها: الدنيا جميلة يا صغيرتي.. ثمّ ملت عليها هامسا: دعك منه سأخطبك لابني.. قالت يا ليت يا عمّ تبدو رجلا طيبا تحب الناس.
نزلنا من القطار ثلاثتنا كان عليهما أن تركبا حافلة أخرى.. ودّعتهما ولكن ظللنا نمشي معا.. اعترضني مقهى مختلط قالت صاحبة الطربوش الصّوفي: إسمع يا عمّ يعزّ علينا أن نفارقك.. نصف ساعة أخرى معك نشرب فيها عصيرا.. ما رأيك؟ قلت: على الرّحب والسعة.. في المقهى الفاخر وقفت بنت من البنتين أمام المرآة الكبرى تسوّي شعرها.. وقفت صديقتها معي ننظر إلى عصّارة البرتقال.. قالت لي: اسمع يا عمّ .. ليتك كنت أبي.. أشعر بأنّك حنون ومنفتح. قلت: كيف عرفت؟ قالت: وجهك الطيب مثل أبي ووشاح عنقك يا عمّ ما أجمله تضعه كما كان يضعه أبي.. شربنا العصير وودّعتهما.. كم مضى من عام .. أضع قبّعتي ووشاح العنق وأمتطي القاطرة نفسها في قطار شبه قفر: أقرأ لصديقي بارط: «للّباس وجود يوميّ.. هو عندي إمكانٌ من الإمكانات التي تتيح لي أنْ أعرف نفسي «أرفع رأسي وأقفز على الكلمات وأعود لأقرأ: «للثياب وجود ذهني» ألمس وشاح عنقي فأذكر حديث ذلك اليوم وألمس طربوشي وأبتسم أذكرني حين قلت للعجوز: عشنا وما شفنا.. ثمّ فجأة شعرت بالضّيق: فعلا عشنا وما شفناǃ
نزلنا من القطار ثلاثتنا كان عليهما أن تركبا حافلة أخرى.. ودّعتهما ولكن ظللنا نمشي معا.. اعترضني مقهى مختلط قالت صاحبة الطربوش الصّوفي: إسمع يا عمّ يعزّ علينا أن نفارقك.. نصف ساعة أخرى معك نشرب فيها عصيرا.. ما رأيك؟ قلت: على الرّحب والسعة.. في المقهى الفاخر وقفت بنت من البنتين أمام المرآة الكبرى تسوّي شعرها.. وقفت صديقتها معي ننظر إلى عصّارة البرتقال.. قالت لي: اسمع يا عمّ .. ليتك كنت أبي.. أشعر بأنّك حنون ومنفتح. قلت: كيف عرفت؟ قالت: وجهك الطيب مثل أبي ووشاح عنقك يا عمّ ما أجمله تضعه كما كان يضعه أبي.. شربنا العصير وودّعتهما.. كم مضى من عام .. أضع قبّعتي ووشاح العنق وأمتطي القاطرة نفسها في قطار شبه قفر: أقرأ لصديقي بارط: «للّباس وجود يوميّ.. هو عندي إمكانٌ من الإمكانات التي تتيح لي أنْ أعرف نفسي «أرفع رأسي وأقفز على الكلمات وأعود لأقرأ: «للثياب وجود ذهني» ألمس وشاح عنقي فأذكر حديث ذلك اليوم وألمس طربوشي وأبتسم أذكرني حين قلت للعجوز: عشنا وما شفنا.. ثمّ فجأة شعرت بالضّيق: فعلا عشنا وما شفناǃ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق