الدكتورتوفيق قريرة
القدس العربي
بعد أن قلت عن النحاة في مقالتي السابقة إنهم جعلوا الأمنية مستحيلة وحنطوا الأشعار؛ وبعد أن شعرت بأن ضميري المستتر مرتاح، وأنني قلت ما عليّ وشققت عصا الطاعة؛ وبعد أن بِت لا أخشى أن «أفرد إفراد البعير المعبد» نمت قرير العين خفيف الفؤاد.
القدس العربي
بعد أن قلت عن النحاة في مقالتي السابقة إنهم جعلوا الأمنية مستحيلة وحنطوا الأشعار؛ وبعد أن شعرت بأن ضميري المستتر مرتاح، وأنني قلت ما عليّ وشققت عصا الطاعة؛ وبعد أن بِت لا أخشى أن «أفرد إفراد البعير المعبد» نمت قرير العين خفيف الفؤاد.
العم سيبويه يضع العطرَ الراقي ولا يحمل كتابه في يمينه ولا في شماله. يزورني ولا يكلمني بلطف، بيد أني أتحمله وأحيانا أغيب عنه باليقظة.
حتى إن عدت إلى نومك فلن تجده؛ الأحلام ليست كالواقع، هي تجدد أمكنتها وشخوصها ولا موت فيها. كان سيبويه غاضبا كعادته فقال لي: كيف تقول إننا ضد الأمل؟ أردت أن أتكلم فسلب من لساني الكلام فخرجت الأصوات خاوية: خرجت بملابس داخلية، ملابس الصمت. قال لي سأمنع عنك الإعرابَ، وسترى إن كان سينفعك من قدمتهم علينا.. ثم مضى مزمجرا: عوالم ممكنة قالǃ ثم زم شفتيه دهشة وتلمظ لسانُه بحروفه الذلقية كأنه يلعق بقايا شراب عالق بلحيته؛ تركني أتهيأ للكلام وخرج. أردت أن أستيقظ قبل أن يخرج فأبت اليقظة أن تستجيب. هناك أوقات في الحلم تخونك فيها اليقظة وتسلمك للوَسن تقول له: خذه لقد سئمتُه؛ يقول الوسن: أنا لا أحتمل هذا الثقيل أتركيه حتى الهزيع الأخير من الليل، وسأسكب عليه نارا بلا سلام.. تركتني اليقظة وتركني الوسن، وغرقت حتى أن كل من زار أحلام أهل الحي مرّ بخُفه عليّ وأنا أتذكر الشهادة فلا تجد كلماتي إليها سبيلا.. فأكتفي بأن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله.
زوار أحلام حينا مختلفون عرفتهم جميعهم من أحذيتهم وتعلقت بحذاء أثقلهم، فحاول أن يتحرر مني لكنه لم يفلح. دخلت معه بلا استئذان؛ دخل بالساق اليمنى وشمّر كم سترته ودلفت أنا مع الساق اليسرى. كانت المرأة النائمة تنام بلا أمل في الأحلام، قبل أن يدخل عليها هذا الغريب الذي تعلقتُ بخفه.. وضع حقيبته الخفيفة على طاولة الليل، كان الفانوس خافتا فأطفأه.. أول مرة أعرف أن زوار الأحلام يتصرفون في أشيائنا الواقعية كما يريدون.. ربت على شعرها قليلا وأخرج من حقيبته الخفيفة دَواةً وريشة وورقا رفيعا.. استيقظت النائمة وسلمت عليه بقبلات حارات كان هو لا يأبه لقبلها ويأبه لأوراقه؛ قالت له: اكتب فكتب وهي تملي. كانت عيني على ما يكتب وكان يكتب شيئا عن هند بن عتبة وكأنه رسالة؛ كان يكتب بخط نبطي. أنا نسيت أن أقول لكم إنني أفهم كل الخطوط في الأحلام وأفقه كل اللغات.
زوار أحلام حينا مختلفون عرفتهم جميعهم من أحذيتهم وتعلقت بحذاء أثقلهم، فحاول أن يتحرر مني لكنه لم يفلح. دخلت معه بلا استئذان؛ دخل بالساق اليمنى وشمّر كم سترته ودلفت أنا مع الساق اليسرى. كانت المرأة النائمة تنام بلا أمل في الأحلام، قبل أن يدخل عليها هذا الغريب الذي تعلقتُ بخفه.. وضع حقيبته الخفيفة على طاولة الليل، كان الفانوس خافتا فأطفأه.. أول مرة أعرف أن زوار الأحلام يتصرفون في أشيائنا الواقعية كما يريدون.. ربت على شعرها قليلا وأخرج من حقيبته الخفيفة دَواةً وريشة وورقا رفيعا.. استيقظت النائمة وسلمت عليه بقبلات حارات كان هو لا يأبه لقبلها ويأبه لأوراقه؛ قالت له: اكتب فكتب وهي تملي. كانت عيني على ما يكتب وكان يكتب شيئا عن هند بن عتبة وكأنه رسالة؛ كان يكتب بخط نبطي. أنا نسيت أن أقول لكم إنني أفهم كل الخطوط في الأحلام وأفقه كل اللغات.
أول مرة أعرف أن زوار الأحلام يتصرفون في أشيائنا الواقعية كما يريدون.
وجدت أنه يكتب شيئا غير الذي تمليه المرأة؛ كان يكتب تقريبا عكس ما تريد. كانت الحالمة تريد أن تشكو إلى أبي سفيان بن حرب صاحب القوافل، وأعتقد أنه كان يومَها جاهليا ذَا مال كثير، تشكو إليه زوجه التي أخذت منها ذهبا باعته بخسا لحاجة أو لمسغبة.. معقول هند بنت عتبة تشتري ذهبا من هذه؟
كان كاتب الأحلام كان يزيف ما يُملى عليه. همست في أذنه: إسمع لا تزيف ما يملى عليك.. الكاتب ينبغي أن يكون ناقلا أمينا.. لكنه لم يسمع. أنا أصلا لا أعرف إن كانت له أذن يسمع بها ما أقوله وما تمليه السيدة.. حين ألحَحْتُ عليه وهددته بأنْ أرفع الأمر إلى السيدة المملية قال لي: إسمع يا رجل هذه امرأة تأمرني وأنا أعلى منها درجَة، فأنا سيدها في الواقع.. هي تريد أن تستعبدني في أحلامها فتستعملني في الكتابة وتأمرني بأن أكتب ما تريد… إن الأمر إن بلغ من أدنى إلى أعلى فقَد شرعيته؛ قلت: هذا في الواقع . قال هذا واقعي الآن وهو حلمها هي وليس حلمي. لا أحلم أن أصبح كاتبا فأنا ربها في العمل وهي كاتبتي.. لم يبق لي إلا أنْ ألعب على ما يسمى بإفشال قولها. وأضاف: ليس كل من يأمر له هذه الصلاحية؛ ولهذا يمكن أن تأمر وأنت تمزح، ويمكن أن تأمر من هو أعلى منك فيكون ذلك الأمر أمرا خاطئ الهدف تماما كالسهم إن ضل دائرته.
تذكرت درس الأعمال اللغوية مع أوستين وسورل وتعليق جاك دريدا عليها وتذكرت أنا الطالب المجتهد الاستعمال العادي للأقوال واستعمالاتها الطفيلية، وأن للأقوال سياقاتٍ باطنةً تحركها المقاصد وسياقات اجتماعية خارجية .فهمت أن هذا الكاتب الذي استدعاه الحلم ليعاقبه أو ليجعله يشقى في حلم الآخرين يريد أن يتبرأ من أحلام يستفيد منها المحرومون.
كان كاتب الأحلام كان يزيف ما يُملى عليه. همست في أذنه: إسمع لا تزيف ما يملى عليك.. الكاتب ينبغي أن يكون ناقلا أمينا.. لكنه لم يسمع. أنا أصلا لا أعرف إن كانت له أذن يسمع بها ما أقوله وما تمليه السيدة.. حين ألحَحْتُ عليه وهددته بأنْ أرفع الأمر إلى السيدة المملية قال لي: إسمع يا رجل هذه امرأة تأمرني وأنا أعلى منها درجَة، فأنا سيدها في الواقع.. هي تريد أن تستعبدني في أحلامها فتستعملني في الكتابة وتأمرني بأن أكتب ما تريد… إن الأمر إن بلغ من أدنى إلى أعلى فقَد شرعيته؛ قلت: هذا في الواقع . قال هذا واقعي الآن وهو حلمها هي وليس حلمي. لا أحلم أن أصبح كاتبا فأنا ربها في العمل وهي كاتبتي.. لم يبق لي إلا أنْ ألعب على ما يسمى بإفشال قولها. وأضاف: ليس كل من يأمر له هذه الصلاحية؛ ولهذا يمكن أن تأمر وأنت تمزح، ويمكن أن تأمر من هو أعلى منك فيكون ذلك الأمر أمرا خاطئ الهدف تماما كالسهم إن ضل دائرته.
تذكرت درس الأعمال اللغوية مع أوستين وسورل وتعليق جاك دريدا عليها وتذكرت أنا الطالب المجتهد الاستعمال العادي للأقوال واستعمالاتها الطفيلية، وأن للأقوال سياقاتٍ باطنةً تحركها المقاصد وسياقات اجتماعية خارجية .فهمت أن هذا الكاتب الذي استدعاه الحلم ليعاقبه أو ليجعله يشقى في حلم الآخرين يريد أن يتبرأ من أحلام يستفيد منها المحرومون.
لم يَكن لي من فُرصة قبل أن أستيقظ سوى أنْ أذهب إلى دار أبي سفيان كي أخبر زوجَه بأن مكيدة ما تدبر.
من أيْن لأوستين ولسيرل أنْ يَعرفا مَا يدور بخلد هذا المتمرد على دوره في الحلم؟ وكيف يريد أن يقلب خطابا عاديا إلى خطاب طفيلي لا يصل إلى مبتغاه بواسطة نحس يصب القول ويجعله غير مفهوم أو هكذا يبدو. تنطق المرأة بالمعنى الذي فيه شكوى وسعاية بزوج أبي سفيان ويتظاهر الكاتب بسوء الفهم فلا يكتب ما ينبغي أن يفهم، بل ما لم يفهم؛ يتظاهر الكاتب بأنه لم يُؤمن الفهمَ المقصود.
لم يَكن لي من فُرصة قبل أن أستيقظ سوى أنْ أذهب إلى دار أبي سفيان كي أخبر زوجَه بأن مكيدة ما تدبر. دخلت دار أبي سفيان كان الوقت ظهيرة، وكانت دار أبي سفيان ظليلة وكان فيها خدم وحشم، لكنني لم أجد هندا. قالوا إن أبا سفيان ذهب في جماعة من الخدم والمتطوعين لاستقبال قافلة مقبلة من الشام غيرت وجهتها خوفا من اللصوص. لكن أين هندٌ؟ رأيتها في محفل من النساء تضحك مع ذلك الرجل الذي تركته يُسْتمْلى والمَرأة تمليه كان غلاما مليحا مقربا من هند. أردت أن أدخل إليها لكن الخدم منعوني؛ قال لي أحدهم: خذ قيلولتك ثم استفق بعدها وستجد السيدة بانتظارك.
نمت في دَار أبي سفيان نوْمَ الظهيرة كانت نَوْمَة بديعة؛ وحينَ فتحت عيني كان أبو سفيان يقف على رأسي هو والكاتب والمرأة وهندٌ قلت لهم قبل أن يسألوني: أين أنا؟ قال لي أبو سفيان عد إلى النوم وحين ستستيقظ ستجد نفسك في سوق النخاسة؛ ثم التفتَ إلى ذلك الكاتب الذي صار غلاما وقال له: كم يساوي في السوق؟ قبل أن يَرد عليه الغلام الكاتب استيقظتُ وحمدت الله أني لم أعرض للبيع بعدُ قلت: صباح الخير.. فنطقت وحمدت الله على أن لساني ما زال طلقا وأن صباح الخير لم تزيف.
لم يَكن لي من فُرصة قبل أن أستيقظ سوى أنْ أذهب إلى دار أبي سفيان كي أخبر زوجَه بأن مكيدة ما تدبر. دخلت دار أبي سفيان كان الوقت ظهيرة، وكانت دار أبي سفيان ظليلة وكان فيها خدم وحشم، لكنني لم أجد هندا. قالوا إن أبا سفيان ذهب في جماعة من الخدم والمتطوعين لاستقبال قافلة مقبلة من الشام غيرت وجهتها خوفا من اللصوص. لكن أين هندٌ؟ رأيتها في محفل من النساء تضحك مع ذلك الرجل الذي تركته يُسْتمْلى والمَرأة تمليه كان غلاما مليحا مقربا من هند. أردت أن أدخل إليها لكن الخدم منعوني؛ قال لي أحدهم: خذ قيلولتك ثم استفق بعدها وستجد السيدة بانتظارك.
نمت في دَار أبي سفيان نوْمَ الظهيرة كانت نَوْمَة بديعة؛ وحينَ فتحت عيني كان أبو سفيان يقف على رأسي هو والكاتب والمرأة وهندٌ قلت لهم قبل أن يسألوني: أين أنا؟ قال لي أبو سفيان عد إلى النوم وحين ستستيقظ ستجد نفسك في سوق النخاسة؛ ثم التفتَ إلى ذلك الكاتب الذي صار غلاما وقال له: كم يساوي في السوق؟ قبل أن يَرد عليه الغلام الكاتب استيقظتُ وحمدت الله أني لم أعرض للبيع بعدُ قلت: صباح الخير.. فنطقت وحمدت الله على أن لساني ما زال طلقا وأن صباح الخير لم تزيف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق