الجمعة، 15 مارس 2019

حَبُّ المُلوكِ في الأرض التّوأم

الدكتور توفيق قريرة :  أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
القدس العربي
هيلاري بوتنام فيلسوف أمريكي شهير هو رجل فلا تغرّنكم الأسماء وهو فيلسوف ولا تخدعنّكم السياسة وهو أمريكي بلا خداع هو فيلسوف لغة وأنا أستاذ لسانيّات بسيط غمرتني المياه بينما طبّقت شهرته الآفاق، إذ عاش في أمّة تريد لعلمائها أن يشتهروا.. دعنا منّي فلا خلاص لي بين هؤلاء، المهمّ أنّ هيلاري بوتنام هذا يرتبط اسمه بفلسفة الذّهن وفلسفة العلوم وفلسفة اللغة، أعانه الله عليها جميعا إلى أن توفاه الله عام 2016.

وما يعنينا من بوتنام اليوم هو فتحه المبين في فلسفة اللغة فلقد حاور محاورة نافعة فيلسوفا ومنطقيا أمريكيا آخر هو صول كريبكاي، الذي كان له باعٌ وذراع في ما يسمّى المنطق الجِهيّ ومنه استمدّ نظريّة تنسب إليه وإلى بوتنام هي نظريّات العوالم الممكنة. في هذه النظريات يمكن لك أن تفترض وجود عوالم غير عالمنا؛ سيقال لنا إنّ هذا أمر قديم، سأسكت ولن أجيب على من يعتقدون أنّ الأشياء الجديدة هي قديمة قد لبست الجينز وصارت معاصرة.. سئمت من تفكير يعتقد أنّ الجينز يمكن أن يعيد الشباب لعجوز عاشت شبابها وتعيش بهناء شيخوختها ولا تفكّر إلاّ في الخَرف.
في علم الدلالة التي وضع أسسها كريبكاي تطرح العوالم الممكنة في سياق ميتافيزيقي لكنّ طرحها ليس لاهوتيا. صحيح أنّ لايبنيتز حين تحدّث عن العوالم الممكنة قبل قرنين أو أكثر كان يمزج المنطق باللاّهوت لا لأسباب عقديّة، بل لأسباب منطقية فالعقديّ فيها ريح تعطرها وتمتنها قال: «إنّ فهمنا لله يقتضي أنْ نراه مالكا لكلّ العوالم الممكنة التي يقبلها إدراكنا، أي تلك العوالم غير المتناقضة منطقيّا»، ويضيف لايبنيز إنّ الله هو من اختار عوالمنا الممكنة بأن أرساها على اختيار يناسب تحمّل بشريّتنا للخير والشرّ، بهذا اختار لنا أفضل العوالم الممكنة: وهو عالمنا أي أنّ ما اختاره الله لنا هو أفضل ما اختاره الله من العوالم الممكنة.. لكنّ هذا الكلام الذي يشبه كثيرا كلام متكلمي الإسلام لا يرتكز على الأسس نفسها فلايبنيتز يقدّم الممكن المنطقيّ في ثوب من الحكمة التي تجعل من الله العقل الكليّ الذي لا يخطئ في إيجاد أفضل الإمكانات. الإمكان عند لايبنيتز ينخرط في سياق الذكاء إذ يقول: «إنّ أبسط وجوه العلم علمٌ نجد فيه أبسط أشكال الذكاء ذاك الذي يحيط علما بجميع الإمكانات؛ علم به نبحث عن منابع الأشياء».
تخيّل بوتنام أنّ هناك كوكبا في درب التبانة مطابق لأرضنا سمّاه «الأرض التوأم» تجد فيها ممّا لدينا لغة وماء وأشياء أخرى كأشيائنا الأخرى.
كان كريبكاي أكثر صراحة حين تحدّث عن العوالم الممكنة وميزها من «عالمنا» حين قال: «العالم الممكن ليس مدينة بعيدة يمكن أن تعترض سبيلنا، أو يمكن أن نراها بالمنظار؛ العالم الممكن هو على العموم مختلف عن عالمنا، هو بعيد جدّا عنه: حتّى إنْ سافرنا بسرعة فائقة كسرعة الضوء، فلن نقدر أن نصل إليه، العالم الممكن هو عالم معطى بشروط وصفيّة نمنحها له.. العوالم الممكنة هي عوالم متكهَّن بها ليست مكتشفة بواسطة تليسكوبات عملاقة».
توجّهت إلى السيد بوتنام برسالة ولم أتوجّه بها إلى السيد كريبكاي لأن بوتنام ابتدع وهو يحكي عن العوالم الممكنة، تجربة علمية خارقة راقت لي. تخيّل بوتنام أنّ هناك كوكبا في درب التبانة مطابق لأرضنا سمّاه «الأرض التوأم» تجد فيها ممّا لدينا لغة وماء وأشياء أخرى كأشيائنا الأخرى. لكنّ عربيّتهم مثلا (عرّبت المثال) هي كعربيّتنا وفيها شيء من الاختلاف وماؤهم لا لون له ولا رائحة ولكن بدلا من يتألّف من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين يتألف من مكوّن طويل اختصاره (س، ز، ص) أي أنّ الماء المحال عليه (أو بعبارة المناطقة المَاصَدَق) في الأرض هو ما يدلّ على الماء ذي الهيدروجين والأكسجين والماصدق في الأرض التوأم، هو ما يدلّ على الماء المختصر (س ز ص). ويتخيّل بوتنام في خياله العلمي أنّ دارسين من الأرض يتحولون إلى الأرض التوأم لدراسة مائه فيقرون بأنّه هو ماء الأرض غير أنّه يسمّى (س ز ص)؛ ويتحول علماء الأرض التوأم لدراسة ماء الأرض فيقولون لأهلهم حين يعودون: هو ماء (س ز ص) نفسه غير أنّه يسمّى ماء..
أنا أعجبتني حكاية الأرض التوأم وقرّرت أن أكتب رسالة إلى مخترعها أطلب منه أن أنتقل إلى هناك لأبحث عن حَبّ الملوك: هل هو فعلا حَبّ مُلوكنا؟ أم هو حبّ ملوكهم؟ وإن كان كحبّ ملوكنا قما لونه وما طعمه وما ريحه وما حجمه؟
كتبت: عزيزي بوتنام يا من أرجعت للرجال أسماءهم وقد انتهكتها النساء يا من أرجعت للعلم هيبة أرادت أن تلبس ثوب الرياسة في بلادك أحبك أيّها العالم الجليل الجميل وأحب عوالمك الممكنة وأحبّ أرضك التوأم: كيف اخترعتها؟ ثم كتبت جملة محوتها وأجهدت نفسي أن أمحوها فظلّ خطها الدقيق بيّنا قلت فيها: هل ربحنا من هذه الأرض كي نربح من أرضك التوأم؟ كتبت فوقها جملة تشبهها في الشكل: ربحنا يا سيّدي في أرضنا وربحنا أتاح لنا أرضا توأما على يديك.. إلى أن قلت: لقد أثبت علماء الأرض نظرية ماء الأرض التوأم، وأنا رجل بي حبّ لحبّ الملوك: هلاّ تكرّمت وأرسلت إليّ تذكرة تسمح بأن أزور أرضك التوأم يا حاكما له كلّ الأراضين التوائم..
لم أتمّ الجملة حتى وجدتُني أنزل من مركبة الفضاء وأعود بلا لا شيء إلى أرضي الحبيبة أرض الملوك وحبّ الملوك.
وصلني مكتوب وتذكرة سفر لأستقلّ مركبة الفضاء المقبلة.. سافرت ووصلت إلى الأرض التوأم… لم أقابل بوتنام قالوا إنّه مدفون في الأرض وترحّموا عليه فتحت يدي ترحما على روحه فهربوا مني قلت لهم: لا تخشوا أنا أرضيّ مسالم؛ قالوا ومازالوا يخشون: أهلا بالتوأم.. رأيت رجلا مثلي غير أنّه كان أجمل معافى؛ صحيح أنّه أصلع لكنه يضع باروكة. كان يبحث معي عن حَبّ الملوك، لكنّه كان يعمل كثيرا وهو يبحث ويقرأ مِن كُتب بينما كنت أتمتم أورادي وألعن شياطين أرضهم التوأم.. في نهاية اليوم الألف بزمن الأرض التوأم، جاء شبيهي وقال لي: أمتأكّد أنّك تركت في الأرض حَبّ الملوك؟ قلت له: أجل، وأقسمت قال: لا تقسم أنا أصدقك.. إسمع يا توأمي يبدو أنّ أرضنا التوأم ليست في حاجة إلى حَبّ الملوك؟ قلت: معقول؟ أرض بلا حبّ ملوك؟ قال: أصلا أرضنا ليس فيها ملوك.. فلمَ تريدنا أن ننتج حبّا لكائنات ليست موجودة في أرض بوتنام التوأم..
من الغد بدأت أبحث عن الملوك في أرضهم التوأم بدلا من البحث عن حبّ الملوك.. أيعقل أن تكون أرضٌ بلا ملوك؟ أيعقل أن تكون جغرافيا بلا ملوك؟ ما حياتي أنا إن لم يكن فيها الملوك؟ أنا أصلا حين آكل حبّ الملوك الأحمر أكله وأتلذّذ ففيه شيء من حمرة الملوك .. اعتقدت أن» استدامة أكله تجعل بشرتي الصفراء البالية حيّة يسري فيها شيء من دم الملوك.. صحت في أرضهم التوأم: يا بوتنام قراءتي لك حرام .. أتصنع أرضا توأما بلا ملوك؟.. جمعت أناسا طيبين من الأرض التوأم وخطبت فيهم: مات الملك عاش الملك.
لم أتمّ الجملة حتى وجدتُني أنزل من مركبة الفضاء وأعود بلا لا شيء إلى أرضي الحبيبة أرض الملوك وحبّ الملوك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق