الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
ستتزوج ابنتي هذه الصائفة ولم يتزوج من نسلي أحدٌ بعدُ، وعلينا أن نستعد لهذا الحفل البهيج الفريد، تركنا للبنت الطابق العلوي وزينّا البيت كأحلى ما تكون الزينة. هذا بيت العمر كما يقال، وابنتي عمري كما أقول. اشترينا بقروض مجحفة كل شيء في البيت من «براد» الشاي إلى براد الآيس كريم؛ حتى فراش النوم نحن أنا وزوجتي وابنتي من اختار تفاصيله أشكالا وأحجاما.
القدس العربي
ستتزوج ابنتي هذه الصائفة ولم يتزوج من نسلي أحدٌ بعدُ، وعلينا أن نستعد لهذا الحفل البهيج الفريد، تركنا للبنت الطابق العلوي وزينّا البيت كأحلى ما تكون الزينة. هذا بيت العمر كما يقال، وابنتي عمري كما أقول. اشترينا بقروض مجحفة كل شيء في البيت من «براد» الشاي إلى براد الآيس كريم؛ حتى فراش النوم نحن أنا وزوجتي وابنتي من اختار تفاصيله أشكالا وأحجاما.
كان خطيب ابنتي يكتفي بالتفقد ينظر إلى ما اشترينا وجهزنا ويقول: «مُو بطال» وأقول بيني وبين نفسي مغتاظا «أنت البطال مُو الجهاز».. ينظر في وجهي كأنه يقرأ ما بنفسي فأفك أساريره وأبتسم له، بل وأربت عليه.. أقول له ستنام هنا ربما مخمورا وربما نامت ابنتي المسكينة وهي تشتاقك وفي ذهنك امرأة أخرى.. ابنتي تعشقه ولست أدري لمَ وزوجتي أيضا تراه سيد الرجال – بعدي طبعا- وأنا لا أرى فيّ ولا فيه غير أشباح صور فقدت ذاكرتها..الرجال والرجولة كلمة لا معنى لها نفختنا ثم للوهم تركتنا؛ إنْ تكلمنا نحن الرجال قلنا: نحن مقبلون ومدبرون، وحين تتكلم النساء يقلن نحن مُقبلات ومدبرات، تنسى اللغة لماذا تنكسر اللغة حين تنسب إلى النساء ويدخلها الشيطان؟ في «نحن مقبلون» من الشجاعة والكبرياء ما يجعلها جملة رجالية فيها لون الفتوة، لكن حين نقول نحن الرجال: هن مقبلات فسنركز أكثر على الوجه والقد والخد، وما استدار وتكور وعلى ما كان عالة على خيال يقتله اللعاب؛ ثم من القادمات سنختار واحدة هي الأفضل، هكذا يلعب التذكير والتأنيث بأذهاننا وتنكسر اللغة كما تنكسر مشيتهن في خيلاء.مشت ابنتي في الغرفة ومعها خطيبها تريه شيئا.. مشيته لم تعجبني: شيء ما ينقصها، قلت: ما شاء الله على العروس! أنا قصدت ابنتي.. قال هو بلسان غريب «مارسي» أي شكرا.. هو يعتقدني أتحدث عنه.. العروس عبارة مُشتركة في العربية الفصحى تطلق على النساء والرجال، وتطلق بالتالي على من فيه من الرجال شيء من النساء، هل سمع العبارة بالفصحى؟ أم أنه شكرني لأني أثنيت على ابنتي؟ أصارتْ أقربَ إليه؟ سمعتها تقول له أنت مقامر حبيبي.. وتنظر إليّ وتقول: لا تقامر حبيبي.. ثم تنظر إليّ بانكسار.. وأمها تنظر إليّ بأمل.. رن هاتفه ابتسم إليّ وغمز ابنتي أو أمها لا أدري.. أشارا إليه أنْ إطمئن ثم غادر كنت أسمع وقع أقدامه وهي تبتلع الدرج زوجا زوجا، وكانت عيني على ابنتي التي فتحت النافذة لتراه، وهو يستقل سيارته التي اشترت له بقرض بنكي فياض الفائدة… المحرك اللطيف في الأصل سمعته وهو يئن.. قلت لابنتي تعالي إليّ وفتحت حضني لأستقبلها فقطعت عليّ أمها الطريق وأخذتها في حضنها.. قالت فلذة كبدي وعيني التي لا أرى العالم إلا بها: حبيبي متعب.. يفكر في كل شيء.. ربتت أمها على شعرها سمعتها تقول: حبيبي عدْ إلينا.. عدْ مِنْ هذا البعيد الذي أربكنا.. فجأة قررت أن أتعقبه.. أعطتني ابنتي مفتاح السيارة وكأنها تكهنت بما يدور في خلدي.
سقطت دمعتان حارتان على خدي.. لست أدري أأبكي خوْلة أم ابنتي التي أضاعها هذا الفتى أم أبكي المعاني؟ هل أحزنني اللحن الذي يدمي القلوب؟
نزلت سريعا أخذت سيارتي وتعقبته لست أدري لمَ فعلت ذلك.. حدسي قال لي سرْ في هذا الطريق سرت فيه فرأيته من بعيد توهمت أنه يراني لكنني ضغطت على دواس البنزين حتى لم تبق بيننا غير سيارتين.. كان ذهني أسرع منهما غادر دماغي ودخل إلى ذهنه الفارغ، وبدأ يبحث فيها عن كل شيء يتعلق بابنتي ..كنت متأكدا أنه لن يجد فيه شيئا كثيرا.. وجد مفتاح سيارة ومفتاح شقة ودفتر الصكوك حتى وجه ابنتي لم يجده فيها لم يكن هناك غير شفتيها.. غلى الدم في عروقي.. كان في المذياع أغنية لفنانة رقيقة الصوت تغني رائعة المتنبي:
يَا أُخْتَ خَيْرَ أَخٍ يَا بِنْتَ خَيْرَ أبِ كناية بهما عن أشْرَفِ النسَبِ
سقطت دمعتان حارتان على خدي.. لست أدري أأبكي خوْلة أم ابنتي التي أضاعها هذا الفتى أم أبكي المعاني؟ هل أحزنني اللحن الذي يدمي القلوب؟ أم تراني أبكي طربا لأن الشرف نُسب إلى الأب والأخ لا إلى خطيب قد يصير زوجا، أو قد لا يصير.. كنت ألمح سيارته بعين وأسمع الموسيقى بجزء من شغاف القلب حتى وصلت إلى قولها:
كأن فَعْلةَ لم تملأْ مَواكِبُها ديارَ بَكْر ولم تَخْلَعْ ولَمْ تَهَبِ
غاصت عيناي في دموع كادت أن تحجب عني سيارته، يا ويلي لمَ كل هذا البكاء؟ ذهب ذهني إلى (فَعْلةَ) التي هي وزن صرفي لخَوْلَة… هل لخولة أطلال في قلبي أم في قلب المتنبي؟ لمَ كنى عن اسمها بالوزن ولم يصرح به؟ عظيم من يحمل اسمَ امرأته خفيفا ويصوغه في وزن ويغلق عليه حتى لا يكاد يراه، إلا من قدر قيمة ذلك الجوهر. فَعْلة وزن وخوْلة موزون ولا يقدر الموزون إلا صاحب وزن ولا يرفعه ويعليه إلا من كانت أوزانه من الذهب الإبريز.. غلى الدم في عروقي أكثر لأنني أدركت أن هذا الجبان لم يعرف ما وزن ابنتي؛ ولم يختر لصوغها معدنا خالصا من الذهب الذي لا يكدر صفرته أو بياضه زمان.
عيني عليه، على سيارة ابنتي وأذني على من تغني هو الشادن بالشادي المسكر:
يَظنُ أن فؤادي غيرُ ملتهِبِ وأن دَمْعَ جُفوني غيرُ مُنْسَكِبِ
هو كذلك يا حبيبي يا متنبي.. سيف الدولة عندك كصهر المستقبل عندي.. أنت تكتم أسفا على أن أخذ الزمان منك بالحقيقة أختا بالمجاز؛ وأكتم أسفا على أن سيأخذ الزمان مني بالمجاز بنتا بالحقيقة، وأختا وخالة وعمة وحواء بكل المجازات.. يظنك سيف الدولة بلا إحساس، ويظنني صهر الرداءة بلا إحساس، لعن الله ما جعل سيف الدولة يظن غير ما يعتور في ذهنك، ولعن الله ما جعل عشيق العصر المتجمد يظن غير ما يعتور في ذهني.. لعنني الله لأنني أنا من أوحى بما في ذهن صهري. نظل نموت من الكمد والحزن، نظل ندور على أرواحنا نأكلها ونتظاهر أنّا بلا عاطفة ظنا منا أنا إنْ أظهرنا ما أضمرنا أغضبْنا من نحب ففقدناهم.. نظل نخشى فقدهم حتى يُطاف عليهم بِلَيْل: السارق واحد شخصا أم زمنا.
توقفت السيارة نزل منها…. توقفت سيارتي.. ثم بعد حين توقفت سيارة ثالثة نزلت منها ابنتي مع أمها.. قال لي ابني وهو يحضنني: ألم أقل لك إنك لن تضيع الطريقَ؟ قالت ابنتي لأخيها الذي لم يعد يلتبس عليّ وجْهه: أنت أحلى مقامر يا أخي يا حبيبي.. لقد تركتَه يقود السيارة رغم أن الطبيب منَعه.. قالت زوجتي: عزيزي أنت بخير لقد شفيت.. قلت الحمد لله. ظللت أفتش عن وجْه ذلك الخطيب الذي سيفتك مني ابنتي.. حمدتُ الله أنه لم يكن موجودا في أي مكان من حولنا إلا في ذهني.. دخلت إليه ركلته وأنمته إلى حين.
يَا أُخْتَ خَيْرَ أَخٍ يَا بِنْتَ خَيْرَ أبِ كناية بهما عن أشْرَفِ النسَبِ
سقطت دمعتان حارتان على خدي.. لست أدري أأبكي خوْلة أم ابنتي التي أضاعها هذا الفتى أم أبكي المعاني؟ هل أحزنني اللحن الذي يدمي القلوب؟ أم تراني أبكي طربا لأن الشرف نُسب إلى الأب والأخ لا إلى خطيب قد يصير زوجا، أو قد لا يصير.. كنت ألمح سيارته بعين وأسمع الموسيقى بجزء من شغاف القلب حتى وصلت إلى قولها:
كأن فَعْلةَ لم تملأْ مَواكِبُها ديارَ بَكْر ولم تَخْلَعْ ولَمْ تَهَبِ
غاصت عيناي في دموع كادت أن تحجب عني سيارته، يا ويلي لمَ كل هذا البكاء؟ ذهب ذهني إلى (فَعْلةَ) التي هي وزن صرفي لخَوْلَة… هل لخولة أطلال في قلبي أم في قلب المتنبي؟ لمَ كنى عن اسمها بالوزن ولم يصرح به؟ عظيم من يحمل اسمَ امرأته خفيفا ويصوغه في وزن ويغلق عليه حتى لا يكاد يراه، إلا من قدر قيمة ذلك الجوهر. فَعْلة وزن وخوْلة موزون ولا يقدر الموزون إلا صاحب وزن ولا يرفعه ويعليه إلا من كانت أوزانه من الذهب الإبريز.. غلى الدم في عروقي أكثر لأنني أدركت أن هذا الجبان لم يعرف ما وزن ابنتي؛ ولم يختر لصوغها معدنا خالصا من الذهب الذي لا يكدر صفرته أو بياضه زمان.
عيني عليه، على سيارة ابنتي وأذني على من تغني هو الشادن بالشادي المسكر:
يَظنُ أن فؤادي غيرُ ملتهِبِ وأن دَمْعَ جُفوني غيرُ مُنْسَكِبِ
هو كذلك يا حبيبي يا متنبي.. سيف الدولة عندك كصهر المستقبل عندي.. أنت تكتم أسفا على أن أخذ الزمان منك بالحقيقة أختا بالمجاز؛ وأكتم أسفا على أن سيأخذ الزمان مني بالمجاز بنتا بالحقيقة، وأختا وخالة وعمة وحواء بكل المجازات.. يظنك سيف الدولة بلا إحساس، ويظنني صهر الرداءة بلا إحساس، لعن الله ما جعل سيف الدولة يظن غير ما يعتور في ذهنك، ولعن الله ما جعل عشيق العصر المتجمد يظن غير ما يعتور في ذهني.. لعنني الله لأنني أنا من أوحى بما في ذهن صهري. نظل نموت من الكمد والحزن، نظل ندور على أرواحنا نأكلها ونتظاهر أنّا بلا عاطفة ظنا منا أنا إنْ أظهرنا ما أضمرنا أغضبْنا من نحب ففقدناهم.. نظل نخشى فقدهم حتى يُطاف عليهم بِلَيْل: السارق واحد شخصا أم زمنا.
توقفت السيارة نزل منها…. توقفت سيارتي.. ثم بعد حين توقفت سيارة ثالثة نزلت منها ابنتي مع أمها.. قال لي ابني وهو يحضنني: ألم أقل لك إنك لن تضيع الطريقَ؟ قالت ابنتي لأخيها الذي لم يعد يلتبس عليّ وجْهه: أنت أحلى مقامر يا أخي يا حبيبي.. لقد تركتَه يقود السيارة رغم أن الطبيب منَعه.. قالت زوجتي: عزيزي أنت بخير لقد شفيت.. قلت الحمد لله. ظللت أفتش عن وجْه ذلك الخطيب الذي سيفتك مني ابنتي.. حمدتُ الله أنه لم يكن موجودا في أي مكان من حولنا إلا في ذهني.. دخلت إليه ركلته وأنمته إلى حين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق