الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
![]() |
| Ajouter une légende |
الفوقية السياسية والتجارية – وهي الفوقية التي يعترف بها المجتمع إلى اليوم – ترفض فوقيتهم ويرفضون تحتيتهم فهم منفيون في كل اتجاه.
كل الناس تحتمي بالشجر وتجلس في «التحت» وهي غير واعية بأنها تتقي فوقا ماطرا بتحت يُظل. «التحت» و«الفوق» مسألة فَضائية بسيطة تتعقد حين تصبح مسألة قضائية لها صلة بالعقيدة والقضاء والقدر.. يخصص الفوق للمتعالي الذي أعلى أعاليه الله المطلق، ويخصص الأسفل لكل من تدحرج من الناس من أعلى عندما خرج أبوه آدم من الجنان أو لكل متساقط في الهاوية بيده أو بقضاء وقدر ليس له فيه شيء غير التنفيذ. المهم أن هناك دائما في الفضاء الفيزيائي ما وراء مَا في التحت أو في الفوق.. المطرُ النازل الساعة أحسن مثال لهذا الهبوط المقدر بمقادير الفيزياء، أو ما وراء الفيزياء، ليصل إلى قراره الأرضي.. السماء تغيث منذ الأزل أرضا تعيد إليها ماءها ذات بخار.
تقوى حبات المطر ويتسارع صبيبها، أنظر مشفقا على عصافير ابتلت، وأستعيد صورة أبي صخر الهذلي قالها ذات نشوة، فقتلتها البلاغة ببذاءة التكرير (وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر)؛ لقد مثلت البلاغة بهذا التشبيه تمثيلا حتى مجته الأسماع ولعنت العصفور وانتفاضَه والشاعر وهزته.. ومضت العيون تراقب صخبا للحياة ليس فيها لا ذاكرة ولا انتفاضة عصفور، بل فيها كائنات في الأعلى تنقض على كائنات في الأسفل، وتنتف ريشها في صراع أبدي مميت حول امتلاك الفضاء العمودي، فضاء التخْت والإلقاء بمنتوفي الريش في التحت.
العصافير التي فوق يمكن أن تنزل إليّ وتستظل معي عن المطر، ولكنها لا تريد النزول إلى التحت، بل هي لا تفكر حتى في الأمر.. من مقهى مجاور يعبث الريح بصوت يدنيه ويبعده. «أنا عصفورة في الساحة أهلي نذروني للشمس والطرقات».. تعبث بالصوت رياح تأتي بأسمائها في الأغنية عرضا.. والرياح تأتي حزينة في «ليالي الشمال الحزينة».. تختلط الأصوات وتختلط الاتجاهات، ولذلك قررت أن أمشي تحت المطر.. فأنا أنا تحت الشجر وتحت المطر مادمت في التحت.. لماذا لا أغير «التحت» ما دامت كثرة الاحتماء لا تفيد وكثرة التعرض لا تصيب؟
أن تكون في التحت، فهذا ليس اختيارا هو ضرورة من لا يستطيع أن يصعد إلى «الفوق». المكوث في الفوق ليس قضاء وقدرا هو دائما إكليل يوضع على الرؤوس المميزة، ليس فخرها أنها وصلت إلى الأعلى، بل فخرها الأكبر أنها استطاعت أن تمكث في الأعلى.
نحن نتحرك في فضاء ثلاثي الأبعاد ونتعامل مع تلك الأبعاد الثلاثة بأجسادنا في تجربة حسية مباشرة. فبجسدنا ندرك الطول حين ننتصب والعرض حين نستلقي والعمق حين نغرق في تجويفات الفضاء، أو نمرق من أخاديده. جسدنا الذي ندركه على أنه وعاء ـ والعبارة للعرفانيين من علماء الدلالة – يخبرنا بأننا واعون تمام الوعي بهذه الوعائية. فحين نقول في عز التعب الذهني: «دماغي ستنفجر» نكون في تلك اللحظة من الإدراك قد استعرنا لدماغنا تجربتنا مع الوعاء، من أنه يمكن إن امتلأ كثيرا أن ينفجر.. استعرنا تجربة إدراك ولم نستعر صورة. الفرق هو أن الصورة إن استعيرت لا تفجر الدماغ، ولكن التجربة إن استعيرت تجعلنا نتعامل مع حالتنا المزرية وكأنها على شفير الانفجار.
تقوى حبات المطر ويتسارع صبيبها، أنظر مشفقا على عصافير ابتلت، وأستعيد صورة أبي صخر الهذلي قالها ذات نشوة، فقتلتها البلاغة ببذاءة التكرير (وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر)؛ لقد مثلت البلاغة بهذا التشبيه تمثيلا حتى مجته الأسماع ولعنت العصفور وانتفاضَه والشاعر وهزته.. ومضت العيون تراقب صخبا للحياة ليس فيها لا ذاكرة ولا انتفاضة عصفور، بل فيها كائنات في الأعلى تنقض على كائنات في الأسفل، وتنتف ريشها في صراع أبدي مميت حول امتلاك الفضاء العمودي، فضاء التخْت والإلقاء بمنتوفي الريش في التحت.
العصافير التي فوق يمكن أن تنزل إليّ وتستظل معي عن المطر، ولكنها لا تريد النزول إلى التحت، بل هي لا تفكر حتى في الأمر.. من مقهى مجاور يعبث الريح بصوت يدنيه ويبعده. «أنا عصفورة في الساحة أهلي نذروني للشمس والطرقات».. تعبث بالصوت رياح تأتي بأسمائها في الأغنية عرضا.. والرياح تأتي حزينة في «ليالي الشمال الحزينة».. تختلط الأصوات وتختلط الاتجاهات، ولذلك قررت أن أمشي تحت المطر.. فأنا أنا تحت الشجر وتحت المطر مادمت في التحت.. لماذا لا أغير «التحت» ما دامت كثرة الاحتماء لا تفيد وكثرة التعرض لا تصيب؟
أن تكون في التحت، فهذا ليس اختيارا هو ضرورة من لا يستطيع أن يصعد إلى «الفوق». المكوث في الفوق ليس قضاء وقدرا هو دائما إكليل يوضع على الرؤوس المميزة، ليس فخرها أنها وصلت إلى الأعلى، بل فخرها الأكبر أنها استطاعت أن تمكث في الأعلى.
نحن نتحرك في فضاء ثلاثي الأبعاد ونتعامل مع تلك الأبعاد الثلاثة بأجسادنا في تجربة حسية مباشرة. فبجسدنا ندرك الطول حين ننتصب والعرض حين نستلقي والعمق حين نغرق في تجويفات الفضاء، أو نمرق من أخاديده. جسدنا الذي ندركه على أنه وعاء ـ والعبارة للعرفانيين من علماء الدلالة – يخبرنا بأننا واعون تمام الوعي بهذه الوعائية. فحين نقول في عز التعب الذهني: «دماغي ستنفجر» نكون في تلك اللحظة من الإدراك قد استعرنا لدماغنا تجربتنا مع الوعاء، من أنه يمكن إن امتلأ كثيرا أن ينفجر.. استعرنا تجربة إدراك ولم نستعر صورة. الفرق هو أن الصورة إن استعيرت لا تفجر الدماغ، ولكن التجربة إن استعيرت تجعلنا نتعامل مع حالتنا المزرية وكأنها على شفير الانفجار.
الفوقية السياسية والتجارية – وهي الفوقية التي يعترف بها المجتمع إلى اليوم – ترفض فوقيتهم ويرفضون تحتيتهم فهم منفيون في كل اتجاه.
لقد أطال علماء الدلالة العرفانيون في هذا ولاسيما لايكوف وجنسن، في أثريهما الشهير الاستعارات التي نحيا بها. ونحن لن نعود إلى هذه الأفكار التي باتت معروفة ومنتشرة، بل يهمنا أن نتوقف عند مقولتين من المقولات الفضائية التي تصنف الفضاء عموديا، إلى علوي نسميه ههنا التحتي وسفلي نسميه الفوقي.
أمشي ودماغي التي تكاد تنفجر ينزل عليها المطر بردا وسلاما، فيترك له أن يفكر في معنيي التحتية والفوقية، تفكير من يبحث عن تفاصيل اللغة. الكلمات التي تدل على التحتية والفوقية في العربية تنقسم قسمين إلى كلمات تنتمي إلى قائمة مفتوحة هي الأفعال والمصادر (علا، علوا واستفل استفالا)؛ وكلمات تنتمي إلى قائمة مغلقة هي الحروف (على) والظروف (فوق، تحت) وتسمى في النحو العرفاني محمولات علاقية، لأنها تدخل على كيانين فتقيم بينهما علاقة كأن تقيم (على) علاقة بين (الشجرة) و(العصافير) في قولنا (على الشجرة عصافير).
الكلمات التي تنتمي إلى قائمة مغلقة هي كلمات نحوية؛ وهي مغلقة لأنه لا يمكن أن نضيف إليها كلمات جديدة، ويحدث ذلك في العبارات المعجمية المفتوحة. فعلى سبيل المثال لا يمكن أن نزيد ناسخا على النواسخ المعروفة ـ كان وأخواتها وإن وأخواتها؛ ولا حرفَ جر على الحروف المعروفة، وإن كان ذلك ليس مستحيلا لكنه يحدث بعد سنوات عديدة حين يتم انتقال كلمة معجمية لتصبح كلمة نحوية وهو ما يسمى إنْحَاءً أو نحْونة، وهذه الظاهرة ليست بنت ليلة وضحاها مثلما يمكن أن يحدث في الوحدات المعجمية.
الظروف في العربية من نوع (تحت وفوق) هي من الأسماء المنتمية إلى قائمة مغلقة لأنها أسماء نحوية. وما يميز هذا الزوج أنه يسم الفضاء عموديا وسْما مزدوجا، إذ يقسمه إلى عُلوي فوقي وتحتي سفلي، ولكنه مع هذا التقسيم يؤسس في الفضاء مقولتين مفيدتين هما الفوقية والتحتية. التحتية والفوقية أمران متناسبان يحدد أحدهما بالنسبة إلى الآخر، وإن كانا لا يتقاسمان الفضاء قسمة عادلة، ففي بعض الأحيان يكون التحت أكثر امتدادا وغورا، وفي بعض الأحيان يكون الفوق هو أكثر امتدادا وشَسَاعا.
بناء على هذه النسبية نبني الكون، ولكنْ نبنيه بعد أن نكون تموقعنا قربا من الفوق، أو من التحت، أو بعدا عنهما. الفوقية أنتجت كثيرا من المقولات تتجاوز التحديد في الفضاء الثلاثي الأبعاد، فالفوقية يمكن أن تعني التسلط هذا يقوله «كائن تحتي» متسلط عليه، ولكن التحتية قد تعني وفي الكفة الموازية الدونية، وهو في الغالب شعور ذاتي مرير بأننا مُسْتَفِلُون بالنسبة إلى مستعلين. والتحتية تنتج أيضا معنى السفْلة التي عادة ما استعملتها طبقة تتموقع – حقا أو باطلا – في الأعلى لوسم العامة؛ وهي التي تسميها العامة بالخاصة.. والأعجب في هذه المقولة الصادرة من الأعلى، إنها صادرة من «المثقفين» الذين كانوا دائما يعتبرون أنفسهم متعالين؛ غير أن الفوقية السياسية والتجارية – وهي الفوقية التي يعترف بها المجتمع إلى اليوم – ترفض فوقيتهم ويرفضون تحتيتهم فهم منفيون في كل اتجاه.
ما لم يفهمه المثقفون الذين يعتبرون أنفسهم في « فوقية’ أن هذه المقولة تشترط حسن الارتكاز أو الســند، في حين لا تحتاج التحتية إلا إلى التحدد النسبي بإطار. من السهل إذن أن تكون «تحتا» ومن الصعب أن تجد أساسا يصنع فوقيتك. حتى يصنع العصفور «فوقية» فوق الشجرة، عليه أن يكون ذا جناح؛ وعلى الشجرة أن تكون له سندا وعلى التماس أن يقع بين السند والمستنِد، صحيح أن الشجرة لو زالت وامحت فإن الطائر سيفقد سنده، بيد أن جناحه صنع لكي يكون فوقا بلا سند. أما أنا الماكث تحت الشجرة فلا أحتاج سندا ولا تماسا، ولا اتكاء لأكون تحتا؛ أحتاج شيئا يصنع ظلا لآوي إليه.. لذلك ذهبت حرا أمشي تحت المطر.
أمشي ودماغي التي تكاد تنفجر ينزل عليها المطر بردا وسلاما، فيترك له أن يفكر في معنيي التحتية والفوقية، تفكير من يبحث عن تفاصيل اللغة. الكلمات التي تدل على التحتية والفوقية في العربية تنقسم قسمين إلى كلمات تنتمي إلى قائمة مفتوحة هي الأفعال والمصادر (علا، علوا واستفل استفالا)؛ وكلمات تنتمي إلى قائمة مغلقة هي الحروف (على) والظروف (فوق، تحت) وتسمى في النحو العرفاني محمولات علاقية، لأنها تدخل على كيانين فتقيم بينهما علاقة كأن تقيم (على) علاقة بين (الشجرة) و(العصافير) في قولنا (على الشجرة عصافير).
الكلمات التي تنتمي إلى قائمة مغلقة هي كلمات نحوية؛ وهي مغلقة لأنه لا يمكن أن نضيف إليها كلمات جديدة، ويحدث ذلك في العبارات المعجمية المفتوحة. فعلى سبيل المثال لا يمكن أن نزيد ناسخا على النواسخ المعروفة ـ كان وأخواتها وإن وأخواتها؛ ولا حرفَ جر على الحروف المعروفة، وإن كان ذلك ليس مستحيلا لكنه يحدث بعد سنوات عديدة حين يتم انتقال كلمة معجمية لتصبح كلمة نحوية وهو ما يسمى إنْحَاءً أو نحْونة، وهذه الظاهرة ليست بنت ليلة وضحاها مثلما يمكن أن يحدث في الوحدات المعجمية.
الظروف في العربية من نوع (تحت وفوق) هي من الأسماء المنتمية إلى قائمة مغلقة لأنها أسماء نحوية. وما يميز هذا الزوج أنه يسم الفضاء عموديا وسْما مزدوجا، إذ يقسمه إلى عُلوي فوقي وتحتي سفلي، ولكنه مع هذا التقسيم يؤسس في الفضاء مقولتين مفيدتين هما الفوقية والتحتية. التحتية والفوقية أمران متناسبان يحدد أحدهما بالنسبة إلى الآخر، وإن كانا لا يتقاسمان الفضاء قسمة عادلة، ففي بعض الأحيان يكون التحت أكثر امتدادا وغورا، وفي بعض الأحيان يكون الفوق هو أكثر امتدادا وشَسَاعا.
بناء على هذه النسبية نبني الكون، ولكنْ نبنيه بعد أن نكون تموقعنا قربا من الفوق، أو من التحت، أو بعدا عنهما. الفوقية أنتجت كثيرا من المقولات تتجاوز التحديد في الفضاء الثلاثي الأبعاد، فالفوقية يمكن أن تعني التسلط هذا يقوله «كائن تحتي» متسلط عليه، ولكن التحتية قد تعني وفي الكفة الموازية الدونية، وهو في الغالب شعور ذاتي مرير بأننا مُسْتَفِلُون بالنسبة إلى مستعلين. والتحتية تنتج أيضا معنى السفْلة التي عادة ما استعملتها طبقة تتموقع – حقا أو باطلا – في الأعلى لوسم العامة؛ وهي التي تسميها العامة بالخاصة.. والأعجب في هذه المقولة الصادرة من الأعلى، إنها صادرة من «المثقفين» الذين كانوا دائما يعتبرون أنفسهم متعالين؛ غير أن الفوقية السياسية والتجارية – وهي الفوقية التي يعترف بها المجتمع إلى اليوم – ترفض فوقيتهم ويرفضون تحتيتهم فهم منفيون في كل اتجاه.
ما لم يفهمه المثقفون الذين يعتبرون أنفسهم في « فوقية’ أن هذه المقولة تشترط حسن الارتكاز أو الســند، في حين لا تحتاج التحتية إلا إلى التحدد النسبي بإطار. من السهل إذن أن تكون «تحتا» ومن الصعب أن تجد أساسا يصنع فوقيتك. حتى يصنع العصفور «فوقية» فوق الشجرة، عليه أن يكون ذا جناح؛ وعلى الشجرة أن تكون له سندا وعلى التماس أن يقع بين السند والمستنِد، صحيح أن الشجرة لو زالت وامحت فإن الطائر سيفقد سنده، بيد أن جناحه صنع لكي يكون فوقا بلا سند. أما أنا الماكث تحت الشجرة فلا أحتاج سندا ولا تماسا، ولا اتكاء لأكون تحتا؛ أحتاج شيئا يصنع ظلا لآوي إليه.. لذلك ذهبت حرا أمشي تحت المطر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق