الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019

دعِ المفتاحَ في الباب وانصرفْ

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
كتبتُ: «هذا المساءُ ليس كأخواته، يأتي فيه الليل في وقته وينسحب النهار في وقته، النجوم في مواضعها غير أنّها لا تُرى والشمس غابت بلا أسف ولا فرح، والقمر نراه فيخدعنا فهو يختبئ في منازله يغلق عليه شبابيكه ويقرأ أخبار المَساء، نراه من خلال الستائر كأنّما نراه بلا ستائر، هو يقرأ أخبارنا ويضحك في منازله، وحين يغلق القمر على نفسه الأبواب، ما أسرع ما يضحك، لوحده يضحك، ولوحده يسعد ولوحده يقول أشياء لا معنى لها ويسقط من الضحك، وأكثر ما يضحكه من أخبارنا: هذا عادي.

كلّ شيء عادي حتى الرّيح حين تعصف بسمفونيّاتها المألوفة، والتلفزيون مفتوح يتحدّث وجناحه يردّ عليه، والماء يجري في الصنبور حين تفتحه عادي، ونور الكهرباء يضيء رغم أنّه لا يجري على وتيرة واحدة وقد ينقطع، عادي، كلّ شيء عاديّ في هذا المساء، إلاّ أنت، فأنت في كلّ مساء لست أنت، ككلّ مساء».
كتَبَ: «لم أفهم شيئا ولكنّي أشعر أنّه كلامٌ جميل».
كتبتُ : أتًعْني أنّه رطانة؟
كتب: وما الرطانة؟
على الشبكة الزرقاء كلّ شيء يمكن أن يوجد، يكفي أن تبحث عن محرّك التفتيش المناسب، لكنّ أدنى الجهد أنْ لا تجد كلّ شيء تحتاجه معا في المحيط نفسه. لهذا الكسل البشري المتأصّل خلقت الفضاءات التجاريّة الكبرى، بديلا من الدّكاكين المشتّتة هنا وهناك. كلّ شيء في مكان واحد والعربة بين يديك وكذلك القفة ما عليك إلاّ أن تدفع وسيكون دفعك بالتي هي أحسن.
بعض الناس يدفعهم الكسل البشري، وهو طبيعي إلى أن يطلبوا من الكاتب أن يكتب ببساطة ويشرح ويفسّر ويمثّل، أي أن يضع من النصّ كلّ مفاتيحه ليس هذا حسب، بل أن يفتح للقارئ كلّ باب ويترك المفتاح في الباب ويذهب. يقولون له: دَعِ المفتاح في الباب وانصرف. يريد القارئ أن يدخل إلى غرفة النصّ ويستلقي على فراش الراحة، ويجد بين الحروف كلّ ما يطلب من اللغة، القهوة، وعلبة السجائر والمطفأة، والعشاء والسحور، والغلال والفاكهة والشراب و… يجد كلّ ذلك وهو مستلق على فراشه يشاهد الحروف وفي يده جهاز التحكم عن بعد، يسقطه بين يديه حين يغشاه الكرى، ويترك تلفزيون النصّ يشتغل إلى الصباح.
الكسلُ الفكريّ جزء من سيرورة الطبيعة فلولاه لعمل ذهننا في كلّ اتّجاه ولفتح ورشات كبيرة، ولغاص في أفلام كثيرة يريد أن يمثّل فيها أدوار البطولة بلا طائل. الكسل الذهني هو الذي يجعلك تستخدم فكرك وظيفيّا وفي نطاق الحاجة: في المشي يركّز ذهنك على معالجة هذا النشاط؛ وفي التذكّر يركّز ذهنك على استحضار ما ينبغي تذكّره، وفي اللغة وعند القراءة مثلا يعالج ذهنك المقروء وهو شيفرات فيفكّكها شيفرة شيفرة ولكنّ بعضها يتطلّب تفكيكه أكثر من مفتاح، وأكثر من باب يفتح على باب يفتح على باب. هو بالضبط في معالجة المشي، أن تمشي في اتجاه أفقي ثمّ تستعمل المصاعد، إن تطلب الأمر ذلك، وتستعمل الصخور لتضعها في الماء إن وجدت الأرض مغمورة به، إن أسأت وأنت تعبر التقدير: تقدير عمق الماء فستغرق، ستنجو إن كنت تتقن السّباحة فلن يكون هناك منقذون، ولكنّك ستغرق لا محالة حتى إن كنت تعرف السباحة حين يكون دفق الماء قويّا.
بعض الناس يدفعهم الكسل البشري، وهو طبيعي إلى أن يطلبوا من الكاتب أن يكتب ببساطة ويشرح ويفسّر ويمثّل، أي أن يضع من النصّ كلّ مفاتيحه ليس هذا حسب، بل أن يفتح للقارئ كلّ باب ويترك المفتاح في الباب ويذهب.
الصراع من أجل البقاء هو الذي يجعل الإنسان ينسى ميله إلى الكسل الطبيعي كي ينقذ الروح التي تكون الطمأنينة لمهدّداتها ضربا من الحمق، على حدّ عبارة ابن عبد ربّه. الكسل الذهني حالة طبيعيّة تزول بمجرّد وجود خطر محدق بالوجود. لكنّ هناك فرقا بين الكسل الذهني والخمول الذهني. الخمول الذهني هو ضرب مبالغ فيه من الكسل، يشبه جائعا له يدان ولا يستطيع أن يأكل بهما، لأنّه تعوّد على أن يأكل بالملعقة أو تعوّد على يد تحمل إليه الطعام حتى فيه. الكسل الذهني لا يقتل، ولكنّ الخمول الذهني يقتل.
في اللغة هناك مبدأ اسمُه الاقتصاد اللّغوي، مختصره أنّ المتكلّم ميّالٌ بحكم هذا الكسل الطبيعي الذي فيه إلى أن يقلّل ويختصر ويحذف إذا ما كان الحذف لا يقضي على الفهم، ولكن لهذا الاقتصاد في الأداء الكلامي وجها آخر هو بذل المجهود الإدراكي الأكثر: فيحذف المتكلم في الكلام ويبذل المستمع مجهودا أكبر لملء ذلك الشّغور بما يقتضيه وبهذا يحدث التفاهم. في الكلام الأدبيّ الذي لا يصف الكون وصفا صريحا، يلقي الكاتب كثيرا من الأعباء على القارئ. والحكاية بين الكاتب والقارئ حكاية طويلة أفضل ما فيها حسن الظنّ، ولكنّ أسوأ مَا فيها حسن الظنّ أيضا. حسن الظنّ يعني أنّ الكاتب يكتب ويعتقد أنّ هناك من يفهمه، وحسن الظنّ يعني أنّ القارئ يقرأ ويعتقد أنّ الكاتب يكتب له ما يفهمه، حسن الظنّ هذا جاء من التعامل مع المقروء وكأنّه كلام يوميّ بسيط من نوع: صباح الخير وكيف حال البلد؟ فيقول الثاني: أهلا بك، البلد بخير، لكنّ الكلام المكتوب لا يأبه في الغالب باليوميّ لا لأنّه رطانة بل لأنّه يوميّ.
الرطانة تعني أن يتكلّم المرء بكلام لا يفهم وكأنّه يتكلّم بلكنة أعجميّة أمام قوم لا يفهمون الأعجميّة ولا يحبونها ويعتبرونها أقلّ شأنا من لغتهم. لكنّ الرطانة تعني أيضا أن تسمع إلى مستوى من الكلام يزعجك حتى إن كان بلغتك وبلكنتك، هذا الشعور تلامسه أنت الذي تعوّد على أن يقول عبارات في سياقات، فتسمع عبارات أخرى في السياقات نفسها لا ترضيك يصدر هذا من متكلمين تعتبرهم ينتمون إلى الجماعة الاجتماعيّة الصغرى نفسها. الرطانة بهذا كلام يقوله العامة لا يرضي الخاصّة، لأنّه يبدو وكأنّه يعتدي على ذائقتهم الرفيعة هو عندهم كقطعة ثوب أو قطعتي،ن يقضيان على انسجام الملبوس، ويخرجان عن الذوق العامّ. لكنّ الرطانة ، بما هي موقف من أداء لغويّ، يمكن أن تطلق أيضا على شعور شخص من العامة يجلس في مقهى ثقافيّ، فلا يسمع إلاّ العبارات التي تبدو محمولاتها مزعجة مكدّرة، إمّا لأنّه لا يفهمها، وإمّا لأنّها اقترنت لديه بخطابات التلفزيون وحواراته الممجوجة. سيعتبر العاميّ كلامهم ذلك مثلما يعتبر المثقفون كلام العامي: رطانة. الرطانة في القراءة هي أن يشعر القارئ أنّ الكاتب خيّب ظنّه وكتب ما لا يُفهم، هو الذي يطلب منه أن يكتب له ما يفهم: القارئ المستهلك الذي يرى نفسه زبونا يتجوّل في أسواق الكلام ويقتني ما يريد، هو الذي يصاب بالقرف من بضاعة لا يريدها. الكاتب أيضا يصاب بسوء الظنّ لأنّه كان يعتقد أنّه إزاء قارئ عَمول سيشمّر أكمام ذهنه، ويعمل أدواته لفكّ الشيفرات. هناك صراع إذن في مستوى حسن الظنّ: لا الكاتب يغيّر من تصوّره للقارئ، ولا القارئ يغيّر من تصوّره للكاتب. الوسيط الذي يمكن أن يحسن التوسط بينهما هو المدرسة، لكنّها خلـقت قارئا يتعـــامل مع النصّ كتعامل تلميذ مع درس يلقيه مدرّس من حقّه عليه أن يفهمه، يغادر القارئ النصّ ويترك المفاتيح ويهجر بيوت النصوص، وتأتي العناكب كعادتها لترمي بخيوطها حيت يراد للذهن أن يعمل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق