الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

طَائرٌ مُعَطَّرُ الجَنَاحِ

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
رغم أنّ الطّيور لها مشاغلها مثلما للبشر مشاغلهم، فإنّهم يُغنّون وبحبيباتهم يتغزّلون؛ بل إنّ للذكور منهم عطورا وللإناث عُطورا يتعطران بها حين يَتَمَرّغَانِ في الورود.. أشدّ العطور رفعة عند الطيور هي التي تَجدها في الزهور الشّائكة، يتحمّل العصفور الشّوك وهو يتمرغ في قلب الزهرة، حتّى يظفر منها بعطره الممتاز..
يقترب العصفور المعطّر من عصفورته وينزل ريش جناحه ويمرّرها قليلا قليلا ريشة ريشة فتشمّ ريحا مختلفا، وتنتظر أن يطير العصفور فتطير معه ولا تفارقه.. العصفورات تعشق الطائر المعطّر الجناح تماما كالإنسيّات .. لكنّ موسم التبييض يذهب بكثير من العطور.. فتجلس العصفورة وحيدة تشكي همّها لأمّهـــا الشجـــرة.. هناك صوت يصوّت به العصفور الغزل مميـّز به يقــــول جمـــلا من جمل الطـــيور تصـــف عشق الطيور.
تمرّ هذه الأصوات مشفّرة نسمعها مشفّرة ونسمّيها بتسميه عامة هي الزقزقة. عجيبة هي أسماؤنا التي نطلقها على عناصر الطبيعة، إنّها تكشف أنّنا مازلنا غير واعين بتفاصيل الكائنات من حولنا. لا ندري أوّل من سمّى أصوات العصافير في جميع أحوالها فرحة أو سعيدة، جذلى أو حزنى زقزقة.. هي تسمية تحاكي المصدر الصّوتيّ الأصلي ككثير من التسميات التي جنح فيها المرء إلى أن يخلق أسماء تحاكي مرجعها. ولنا في الخرير والفحيح والحفيف أمثلة على هذه الأصوات.
نحن لا يعنينا ههنا لمَ يحاكي المسمّي الأوّل صوت العصافير فيقول زقزقة، أو يحاكي صوت الماء المنساب فيقول خريرا، ويسمع صوت الأفعى فيقول فحيحا ويسمع صوت القط فيقول مواء.. نحن لا يعنينا سبب المحاكاة في التسمية؛ فما يعنينا هو أنّ هذه الأصوات علامات إيقونيّة وليست رَمْزيّة. هي إيقونيّة لأنّ الكلم من هذا النوع تربطها صلة مشابهة بما تمثّله وهو المرجع الصوتي للقطّ أو للأفعى أو للعصفور أو غيرها. ففي الاسم (زقزقة) والفعل (زقزق) شيء من محاكاة أصوات تشبه الصفير غالبة على تصويت العصفور، وفي صوت الفحيح شيء انطباع يقع في سمعنا فيجعلنا نقربه من حرف الحاء.
الإيقونة تجعل العلامة في علاقة مُبرَّرة بما تسمّيه وهي علاقة مفقودة وغير مبررة في بقيّة العلامات اللغويّة. الرمز يفقد العلامة علاقتها المبرّرة بما تحيل عليه، هو علامة تتجاهل أصلها أو تتناساه. نحن إذن إزاء ضربين من العلامات، واحدة رهينة مرجعها هي المُحاكيَات بما هي نوع من الإيقونات والثانية فكّت ارتباطها الإدراكي المعلّل بالمرجع، وبحثت لها عن تسميات هي رموز. يمكن أن تتطوّر الإيقونات لتصبح رموزا فعلى سبيل المثال فإنّ صورة السفينة أو الحمامة، وهما من الإيقونات يمكن أن تصبح كل واحدة منهما رمزا بمجرد ربط تينك العلامتين بمحمول دلالي جديد كأن تدلّ الحمامة دلالة رمزيّة على السلام، وتدلّ السفينة على الحريّة. لا أحَد يعلم هل أنّ الفعل (شدا) أو (غنّى) أطلق أوّلا على الطيور، ثمّ على البشر أو العكس وكذلك لا أحد يعلم سرّ إطلاق الفعل (حَدا) على غناء مخصوص هو للإبل، في وقت مخصوص هو الليلة القمراء.
لا أحَد يعلم هل أنّ الفعل (شدا) أو (غنّى) أطلق أوّلا على الطيور، ثمّ على البشر أو العكس وكذلك لا أحد يعلم سرّ إطلاق الفعل (حَدا) على غناء مخصوص هو للإبل، في وقت مخصوص هو الليلة القمراء.
هكذا قالت لنا جمّاعة اللغة منذ القديم غير عابئين بأسئلتنا التي من نوع: لمَ ابتدع الناس فعلا لنوع من الغناء مخصوص في وقت مخصوص؟ بعبارة أخرى هل كلّ من يسوق الإبل لا يغنّي لها إلاّ ليلا ؟ فليس هناك فعل شبيه لحداء في النهار. لمَ لم يكن هناك فعل مشابه للفرس وللحمير وللغنم وغيرها من الدواب التي تُساق؟ فهل أنّها تساق بلا غناء.
كان المرء في أوّل أحواله مُصَوّتا ولم يَنطق باللغة إلاّ في مرحلة لاحقة: هذه فرضيّة ممكنة في تفكير ج. جاك روسو في «أصل اللغات».. لا شكّ في أنّ هذا الإنسان حاكى في مرحلة مبكّرة استرسال هذه الأصوات وغلظتها أو خفتها بحسب معاشرته للحيوانات المصوّتة؛ فمحاكاة الأسماء من نوع (زقرقة) هي ممارسة لعَادة قديمة في محاكاة الأصوات عند إرادة الفعل في الطبيعة بالقول. ما تزال لغتنا العربيّة (وكذلك أقدم اللغات في العالم) تحتفظ بتلكم الأصوات «الساذجة» الأولى التي لم تستطع آلة اللغة بأصواتها وبمعجمها وباشتقاقاتها وبتراكيبها أن تُدَجِّنها.
دجّنت اللغة كثيرا من الأصوات مثلما دجّنت من يصدرها، والأهمّ في المسألة أنّه يمكن أن نستقرئ من الظواهر الصوتية المدجّنة شيئا من أحوالها الطبيعية. يمثّل النّداء بأشكاله المختلفة اليوم أفضل الأشكال الصوتيّة القديمة الساذجة. النداء الذي يريده التّداوليّون عملا لغويّا، لا يستقيم لنا كذلك لأنّ بقيّة الأعمال اللغويّة من استفهام وتعجّب واستنكار واستهجان وغيرها هي أعمال تنجز بالقول فعلا، كالبيع والشراء والمكافأة والعقاب وغيرها لكنّ النداء يبدو قلقا من هذه الناحية لأنّ المتكلم لا ينجز به شيئا يدخل في أحد أبواب الإنجازيّات المألوفة، بل هو عمل تنبهي يطلب من السامع أن ينتبه كي يستمع إلى بقيّة الرسالة.
فوظيفة النداء هي وظيفة تنبيهيّة وليست تدخلا في الوظائف التعبيرية، أو الإنشائيّة أو غيرهما من الوظائف التي يتوزع فيها الكلام. كان المرء ينادي وما زال ينادي، لكنه كان ينادي بأصوات ساذجة طويلة غير مركبة، احتفظت لنا العربيّة بكثير منها. فالهمزة وهي حرف نداء للقريب هي في الحقيقة قابلة لأن تُمدّ إلى ما شاء الله وتصبح أداة نداء للبعيد، ويكفي أن تهمز صوتك وتطلقه وتمدّه حتى يسمع البعيد المباعد وينتبه. نحن اليوم نستخدم هذا الحرف في نداء القريب أو البعيد المتنائي بحسب تطويل المدّ أو تقصيره، أي أنّنا مازلنا نمارس أقدم عادات النداء على قارعة طريق لهجاتنا، بينما فرض علينا النحاة تهذيبا وتدجينا لحرف النداء فصار حبل الصوت لا يتطاول بالنطق به.. قيّدنا بحبال صوتية كما نقيّد أيّ مدجّن بحبال حقيقية. وحتى الياء الممدودة والياء المركبة مع الهمزة في (أيا) هي كلّها أصوات ساذجة يطلب بها النداء، لأنّها تخرج من أقصى الحلق ويمكن أن تمدّ أكثر من غيرها. نتصوّر أنّ الإنسان قديما وفي أوّل عهده بالنطق، كان ينادي وما أكثر ما كان ينادي لكن بلا رسالة. بدائيّة النّداء تعني أن يستعمل الإنسان الأوّل الأصوات البشريّة لمشاركة الحيوان غير العاقل أصواته ومحاكاتها. هو أن يقول له إنّه هناك بأًصواته؛ هو ضرب من التعايش بالصوت. ولكن أن يقول الإنسان إنه هناك يمكن أن يكون لضرب من التهديد والطرد والإبعاد. صورة أخرى بدائية للنداء هو الذي يسمّيه النّحاة النُّدْبَةَ ويجعلون له أداة مخصوصة هي (وا) ويقولون إنّها لنداء الميت نداءً بلا طائل. (وا) هي صوت بدائيّ أرادت اللغة أن تجريه مجرى الأصوات المرادة لكنّها لم تقنع لأنّه ظلّ صوتا ساذجا متطاولا يخرج نداءَ أنّة، وحرقة وليس كما يقال لنا نداء حيّ لميت يريد عبثا لو يجيبه. هناك حال أخرى للنداء هي التي تسمّى استغاثة: الاستغاثة حال بدائيّة ووظيفة أصليّة للنداء ما تزال تصحبه، لكنّ المرء في الاستغاثة لا ينادي قريبا إلا لحاجة وأوّل الحاجة الطبيعية هي الغوث. لكنّ النحاة أوردوا للاستغاثة أركانا وحروفا لا فائدة للمستغيث من استعمالها لأنّ الحرف السّاذج الأصلي (آ) أو (يا) يؤدّيها . إنّ بناء الاستغاثة على بنية فيها المستغاث والمستغاث له وموضوع الاستغاثة على نحو (يَا لَزيْد لِعَمْرٍو من الأسَدِ) هو ضرب من تدجين اللغة يطول فيه الخطاب فلا يتناسب مع وظيفة الاستغاثة الأصلية: طلب الغوث والسرعة فيه.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق