الثلاثاء، 28 يوليو 2020

حِصة الدرس الأخيرة

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
بعد الحجر الصحي وعودتنا إلى الجامعة، تأخرت الحصة الأخيرة في دروس هذا العام. كانت العودة أفواجا وكان لكل فوج حصته الأخيرة. بعض الأفواج التي ستتخرج من الجامعة كان يؤلمها أن تكون تلك حصتها الأخيرة. لم يُخف بعضهم الدموع وبكى بحرقة من لا يريد أن يودع الجامعة بذكرياتها الجميلة.

كان المشهد حارا أكثر حرارة من الدموع، وكان على الأستاذ أن يبقي على هيبة الفصل وتوازن المشاعر. أن تكون أستاذا في بعض الأحيان يقتضي منك أن تكبح مشاعرك الإنسانية، أن تكون عظيما كالآلهة تتجرد مما يضعفك. وأن تكون أستاذا للسانيات عليك أن تستثمر تلك الحصة الأخيرة في درس لساني حول ذاكرة الحصة الأخيرة.
في التعليم بمراحله المختلفة هناك لحظتان زمانيتان فارقتان، ترسخان في الذاكرة ذات المدى الطويل Long term memory هما الحصة الأولى والحصة الأخيرة. إن خزنتَ في هذه الذاكرة إحدى حصتيك في المدرسة، أو في الجامعة فذلك يعني أن هناك قوة ما شدتك في هذه المؤسسة وجعلتك تسجل لسنوات، أو عقود هذا الحدث، وإن نسيت ذلك فلأن قوى أخرى أعظم هي التي غطت على ذلك الحدث، فأكلته وزحزحته من الذاكرة ذات المدى الطويل.
الحصة الأولى في المدرسة هي كميعاد الولادة الأولى، لكنك وإن كنت لا تستطيع أن تذكر ولادتك، فإنك تستطيع أن تذكر يومك الأول في المدرسة.
حديث العلماء عن تخزين معلومة في الذاكرة ذات المدى الطويل، لم يكن على نَهْجٍ واحد. ففي ستينيات القرن الماضي، وحين كان الحَاسوب مثالا يُحتذى في تفسير الكيفيات التي يعالج بها الذهن المعلومة؛ قدّم ريتشارد أتكنسن وريتشارد شيفرين، منوالا شرحا فيه كيفية تخزين المعلومات في الذاكرة ذات المدى الطويل. يرى الباحثان أن تخزين المعلومات يمر عبر ذاكرتين قبل الوصول إلى الذاكرة ذات المدى الطويل هما الذاكرة الحسية Sensory memory والذاكرة ذات المدى القصير Short term memory. وحين لا تنقل الذاكرة الحسية المعلومة إلى الذاكرة ذات المدى القصير، فإنها تضيعُ وتضيع أيضا إنْ لم تنقل الذاكرة ذات المدى القصير المعلومة إلى الذاكرة الطويلة المدى. بناء على ذلك فإن سقوط المعلومات في المرحلتين أكثر من تخزينها.
تسجل الذاكرة الحسية المثيرات الحسية لمدة وجيزة جدا، لا تتجاوز الثواني القليلة. الذاكرة الحسية لا يمكن أن تستوعب كل المدركات بأن تنقلها جميعا إلى الذاكرتين قصيرة المدى وطويلة المدى، فلا يخزن إلا ما نعتبره مؤثرا جدا ووظيفيا. فحين أمر في الكلية، وأنا في طريقي إلى الفصل، فأنا أرى وجوها كثيرة، وأشم عطورا مميزة، وأسمع أصوات الطلبة وهم يتحدثون، لكنني لا أحتفظ بشيء من ذلك، فلا ينتقل إلى الذاكرة ذات المدى القصير. لكنني حين أسمع من يقول لي وأنا أمر بين الصفوف صباح الخير أستاذ، فإني سأنقل ذلك إلى الذاكرة ذات المدى القصير وهي التي ستساعدني على التعامل مع ذلك الصوت المسموع بالرد أو بالابتسام أو بغيره، لكن أن تقول طالبة أهي حقا الحصة الأخيرة، ثم تبكي فإني سأنقل ذلك إلى الذاكرة القصيرة المدى، ثم إنْ أنا لم أعش الموقف من قبل، سأنقله إلى الذاكرة ذات المدى الطويل ليعيش المشهد معي سنوات.
وحين أدخل إلى الفصل، وأحدث طلابي في درسي الأخير حول الاستعارة العرفانية عن «نظرية المزيج»، وأذكر المثال الذي استعمله فوكونياي وترنر: «جَراحنا جَزار»، وكيف أن المزيج الاستعاري جعلنا نرى الجراح في ثياب جزار؛ فإن الطالب إن تذكر هذا المثال بعد تخرجه بسنوات، سيكون قد خزنه في الذاكرة ذات المدى الطويل، لكن إن تذكر الطالب أن هذا المثال كان في الحصة الأخيرة، فإنه سوف يستحضر المثال ويستحضر معه عاطفته في تلك الحصة. نحن لا نخزن في الذاكرة ذات المدى الطويل المعلومة منفصلة عن سياقات تخزينها. صحيح أننا لا نخزن في ذاكرتنا ذات المدى الطويل إلا الأحداث المهمة في حياتنا، التي يندر أنْ تتكرر؛ لكننا نسجل أيضا ما تكرر من تلكم الأحداث. ستذكر طالبتي الباكية المتأثرة بتوديع الجامعة تلك الحصة الأخيرة، وكيف حدثهم أستاذهم – وهم يهدونه باقة من الورود- عن أن الجامعة لا تتخلى عن طلابها، وأنها كدار الوالدين نغادرها إلى دورنا الجديدة، لكننا يمكن أن نعود إليها.. ســتذكر تلك الحصة وكأنها استثناء أو كسر لرتابة تعودوا عليها لسنوات هي رتابة الذهاب إلى الجامعة وحضور الدروس.

الحصة الأخيرة ليست حصة أخيرة لكل الناس، حصة الأستاذ الأخيرة لم تأتِ بعدُ، يمكن أن يتخيلها المدرس قبل أن يعيشها، هي الحصة التي سيحال بعدها على شرف المهنة بعد أن يترك وراءه ثلاثة عقود تزيد من العمل الشاق.
يمكن أن نسجل في ذاكرتنا ذات المدى الطويل، أحداث العادة التي استغرقت زمنا معينا، نسجلها بشكل مختلف عن تسجيلنا الأحداث الاستثنائية. تلكم الأحداث ستسجل في شكل خطاطي، لكن هذه الأحداث ستسجل في شكل عينة، كل نوع من الأحداث سنستعمل له شكلا معينا في الكلام. ذهاب الطلاب يوميا ولمدة سنوات ثلاث أو أربع إلى الجامعة، وحضورهم مختلف الدروس، سوف يصوغه الطالب المستذكر بقوله: كنا نحضر لمدة ثلاث سنوات درس الأستاذ في النحو واللسانيات. استخدم الطالب ما يدل على العادة المكررة، باستعمال الفعل الناقص كان مع الفعل المضارع. لكن هذه الجملة التي عادة ما يقال إنها تصف عادة مكررة في الماضي، هي في الحقيقة تنقل بهذه الطريقة خطاطية العادة، وقد خزنت في الذاكرة. استطاعت (كان) أن تجمع في تركبها مع (المضارع المرفوع) ما كان كثيرا مكررا من حدث حضور الطلاب في حصة معينة على مدى السنوات في خطاطة جامعة بضرب من التجريد، يشبه تمثيل اللغة لجميع عينات الأقلام في خطاطة واحدة يصطلح عليها بقلم.
إلا أن تخزين الأحداث المفردة المهمة، من مثل الحصة الأخيرة، وما فيها من أحداث وعواطف مختلفة، واسترجاعها يحدث على أنها عينة فريدة وليست خطاطة مجردة لأمثلة كثيرة. صحيح أن الطالب كان يحضر لسنوات مع أستاذ المادة هذه الحصة، أو غيرها، لكن هذه الحصة ستكون مختلفة عن البقية فهي الأخيرة، إن عبّر عنها استعمل عبارات تدل على الاختلاف، أو التحديد الظرفي كأن يقول: وضعنا على الطاولة باقة ورد في موضع محفظة الأستاذ، يومها كان الطلبة يتكلمون كأطفال سيتركون أباهم. في عبارة يومها، وفي العبارات الواصفة الأخرى ما يدل على تكسير الرتابة والخروج عن المألوف. كان مع المضارع لم يكن لها هذه المرة دور رسم الخطاطة، بل الوصف المحايد لحدث غير مكرر.
الحصة الأخيرة ليست حصة أخيرة لكل الناس، حصة الأستاذ الأخيرة لم تأتِ بعدُ، يمكن أن يتخيلها المدرس قبل أن يعيشها، هي الحصة التي سيحال بعدها على شرف المهنة بعد أن يترك وراءه ثلاثة عقود تزيد من العمل الشاق. يمكن ألا يعيش الأستاذ نفسه الحصة الأخيرة التي ينتظر أن تكون الأخيرة. ربما كانت أي حصة من حصصه هي الأخيرة، وهو لا يفكر أنها كذلك. يحوسب ذهني الآن فرضيات حول حصة الدرس الأخيرة، ومن بينها فرضية الموت قبل إدراك الحصة الأخيرة. الحصة الأخيرة مؤلمة أراها في حر بكاء طلبتي الباكين، لكنها ليست مؤلمة أكثر من حصة أخيرة لا تأتي أو حصة أخيرة تأتي ولا شيء بعدها غير النسيان. أنا لا أتذكر الآن إنما أبني أكوانا ممكنة قبل وقوعها. اللحظة التي جعلت طلبتي يعيشون الحصة الأخيرة على أنها قابلة للمعالجة الذهنية، بالتخزين هي لحظة سعيدة لأنها تغلق مرحلة وتفتح أخرى، تغلق مرحلة الدراسة وتفتح مرحلة التدريس. حصة الدارس الناجح الأخيرة هي الحلقة التي لا بد لها أن تنتهي حتى يبدأ المدرس أو الباحث، لذلك تكون حصة ملآى بالمشاعر والحوافز. أنا لا أذكر الآن متى كانت حصتي الأخيرة في الجامعة، ربما خزنتها ونسيتها أو ربما تناسيتها الآن لأنها لم تكن الحصة الأخيرة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق