الثلاثاء، 7 يوليو 2020

مُسْترسل التعبير بالبُكاء

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
أن تبكي فذلك منة ربانية، لأن البكاء لا يعطى للناس جميعا.. هكذا سرى الاعتقاد في العصور القديمة، في حضارات تعتبر البكاء هبة، لكن البكاء عدّ أيضا ضعفا يشبه العقوبة ولاسيما إن فعله الرجال.
ليس غرضنا في هذه المقالة بيان الهبة أو العقوبة في البكاء ولا التمييز بين بكاء الرجال وبكاء النساء، أو بين بكاء المحتالين وبكاء المحتارين، وبكاء العاشقين أو بكاء العاجزين..
إنما نريد أن نعالج البكاء سيميائيا، في سياق المسترسل الذي يجعل الظاهرة ذات امتداد واتساع بين طرفين متقابلين، لكنهما يتحولان بالتدرج من ضفة إلى ضفة، عبر سفر تتغير فيه ألوان المعاني كما تتغير ألوان قوس.
العين الباكية حاسة من الحواس الخمس المهمة، هي أداة البصر، وبهذه الحاسة تسمّت، فالعين جعلت لترى قبل أن تبكي، كاليد جعلت لتلمس قبل أن تؤلم، واللسان جعل كي يذوق قبل أن يحترق، والأنف ليشم قبل أن يصاب بالزكام. إبراز الوظيفة الحاسة، وجعلها المهيمنة على بقية وظائف الحس الأخرى، أمر فيه حكمة، ولكنه لا يمنع هذه المدركات من القيام بأدوارها الأخرى التعبيرية الإشارية والرمزية.
لا بد من أن نميز بين استعمال الحاسة طبيعيا، واستعمالها في التعبير، أو في التدلال، أي في إكساب الجارحة دلالة إشارية لدى من يشفّر معناها، ومن يفك شيفرة ذلك المعنى. تغمز العين فيكون لها إما وظيفة تنبيهية لقول يأتي بعد الغمز مباشرة أو لتعبر عن شيء؛ إنها تصبح رسالة مشفرة، ينبغي أن يفك المغموز بها شيفرتها. العين الغامزة هي غير العين الباكية التي تعنينا ههنا. العين الغامزة عين منتشية في السياق الغزلي، أو عين فطنة ذكية في السياق التنبهي، لكن العين الباكية تنشط في سياق عاطفي هادئ الموج مرة متلاطمها أخرى.
تبكي العين إن اقتحم حجابها جسم غريب، هذا البكاء الذي هو إفراز طبيعي يمكن أن يداوى وليس هو الذي يعنينا في هذا السياق، وإن كان يمثل علامة من علامات أمراض معينة، تساعد الطبيب على وصف العلاج المناسب. ما يعنينا ههنا هو أن تبكي العين تعبيرا عن الفرح، أو الحزن الفرحة؛ عن المرح أو الترح، أو ما يمتد بين الحالتين من حالات وسطى يوجد عبر مسترسل الأحاسيس.
ليس كل البشر قادرين على البكاء متى طلبوه في أوانه، هل عدم القدرة على البكاء عقاب، ربما بمنظار من أراد أن يجد الصوت كي يعبر فانحبس وغار، ولم يجد مخارجه ولا طريقه إلى أذن سامعه. هل كثرة البكاء عقاب أيضا؟ ربما إن كان ذلك يقاس على كثرة الحديث والهذر، الذي لا فائدة منه. هل البكاء كالكلام مقادير مضبوطة؟ ربما كان الأمر كذلك، فقد نخشى على من يبكي كثيرا وإن كنا لا نخشى على من يتكلم كثيرا.. قد نتكلم كثيرا حين نفقد السيطرة على إنتاج الكلام والتكييف بين الأقوال ومناسباتها ومقاماتها، هذا صحيح، أو حين نفقد السيطرة على أنظمة السياق الذي تراعى عند الموازنة بين الكلام ومفهوم المناسبة Relevance . حين نتكلم مع الناس وحتى يكون كلامنا مناسبا لمقاصدنا ينبغي ألا نثقل عليهم حين يتابعوننا. حين تتكلم ويسمعك غيرك أي حين يدركُ ما تقولُ فإنه يكون بإزاء عملية ذهنية متعبة، ويكون جهازه الاستنتاجي مشتغلا حتى يفهمك. فإن أنت أعسرت عليه القول وأطلت بما لا يفيد؛ وإن أنت تكلمت بالرمز بدون أن تضع في رسالتك مفاتيح رموزك أرهقت جهازه الاستنتاجي وكلفتَه جهدا إضافيا وهو يعالج كلامك حتى يفهمك. نحن نتعب، ونحن نفهم كلام غيرنا، وقد ندفع تكاليف باهظة في المعالجة العرفانية للفهم. فحتى أفهم منك وتفهم مني فإني أستدل على مقاصد قولك وهي مقاصد خفية دوما، وعليّ أن أعلم سر نواياك حتى أفهمك. نحن نمارس، ونحن نتكلم جهدا في المعالجة بطريقة الاستدلال من اللفظ المسموع على النوايا الخفية، لو قسنا هذا على البكاء كان قياسنا غير بعيد.
حين أبكي لا يعنيني ما الذي يفهمه عني هؤلاء الغرباء، وحين يبكي عزيزي الذي أستقبله أو أودعه أتمنى أن يتوقف هو عن البكاء خوفا عليه ويرجو – وهو يسمعني وأنا أخفي وجهي بين تفاصيل ثيابه – أن أتوقف.
في المطار أنتظر عائدا بعد غياب.. أراه قادما من بعيد يفتح ذراعيه، أفتح ذراعي أراه يجري نحوي أجري نحوه يرتمي في حضني ويبكي أحتضنه وأبكي.. يرى الناس المشهد فيفهون لمَ كان البكاءُ. نحن من ينتج البكاءَ تعبيرا وهم من يفهمون هذا البكاء؛ هم يعالجونَ هذه البكاء بما هو علامة معالجة إدراكية يفهمون بها نوايانا، أنا وحبيبي العائد بعد غياب. نحن أيضا أي أنا والعائد إليّ بعد غياب نفهم بكاءنا: هو يفهم بكائي وأنا أفهم بكاءه. هل هو بكاء حزن أو بكاء فرح؟ أهو بكاء حرمان أو بكاء تعويض عن حرمان؟ هناك مسترسل أي خط من ألوان العواطف يعبر عنها هذا البكاءُ. سأشعر في ذلك الوقت وأنا أعانق من استرددته بعد غياب بألوان من العواطف كثيرة، فأنا حزين قليلا لأني رأيته صار نحيلا شاحبا، وأنا فرح كثيرا لأني استعدت جوهرتي الغائبة في الزحام؛ وأنا أحتضنه أتذكر حرماني من رؤيته ومن احتوائه ومن كيانه الحي بين يدي، ومن سريان وجوده في روحي وأنا في الآن نفسه، أشعر بأنه وهو بين ذراعي يعوضني ذلك الحرمان.. عواطف ملتبسة ومبهمة ترسل عليّ جميعا في وقت واحد؛ وأنا حين أبكي إنما أبكي تعبيرا عن هذه العواطف، التي لا يمكن أن أصوغها بعبارات واحدة. اللغة خطية تسير في خط الزمان، ومشاعري في هذه اللحظة متدافعة مرسلة عليّ من كل فج عميق لو عبرت عن كل جزئية واعية أو لاواعية من هذه المشاعر المختلطة، لَصُغْتُ جملا كثيرة ونصوصا وأقوالا مبعثرة، أو منظمة، لكن الدموع التي ذرفتها قهرت خطية الزمان ونظامية اللغة وعقلانية التركيب، وقالت نوايايَ وصاغت مشاعري وتركت اللسان والقلم لغير هذا الوقت المهيب. حين نبكي نشعر وكأن بحيرات كبرى تقبع خلف مآقينا، تنتظر فيضا يسيلها كي تخرج. هناك في مكان ما بقع تُدخر فيها مياهٌ مالحة عذبة في آن كي تسيل يوم «تجف» فيه اللغة أو تشعر بالفتور. في هذا اليوم تسيل تلك المياه المسماة دموعا لا لكي تكتب، بل لكي تحيي مسارها الذي تخشى أن يجرفه النسيان، أو تضيعه التجاعيد. حين أبكي لا يعنيني ما الذي يفهمه عني هؤلاء الغرباء، وحين يبكي عزيزي الذي أستقبله أو أودعه أتمنى أن يتوقف هو عن البكاء خوفا عليه ويرجو – وهو يسمعني وأنا أخفي وجهي بين تفاصيل ثيابه – أن أتوقف. البكاء رسالة يكتنفها كثير من الغموض والسحر، رسالة تعبير ترجو أن تكون، وحين تكون ترجو أن تطول، ولكن متلقيها ومن الخوف عليــــك يرجو ألا تطـــول، لأنها تكتب بمداد الروح، فإن استرسل الدمع ربما أزهقها. الماء الذي يقع في منطقة ما خلف مآقينا يأتي كالسحاب الأسطوري من الغياب.. أو قل يأتي مع الغائبين بعد الغياب أو يأتي مع الحاضرين بعد الغياب.
مسترسل هو البكاء، حين يكون أداة تعبير لأنه فرحٌ متلبس بالقلق.. وخليط تعبير ينسكب في جمل لا تقال ولا يمكن أن تقال؛ وهو مسترسل لأنه حزن متلبس بانفراجٍ، وذاكرة متلبسةٌ باستحضار لكل غياب على أنه حضور أبدي، لكن المسترسل الذي تتباعد أطرافه له من القدرة حين يحضر للتعبير على أن يسكت الكلام سيد التعبير، في أقسى لحظات التعبير أو في أعتاها . حين نبكي تخجل الكلمات وتتراجع وتشعر بأنها تافهة فتغيب وتتوارى بعيدا.. تذهب لتجلس على ضفة صوت من أصوات النشيج ويتقطع قلبها أسفا أو تطير شدتها ورخاوتها في الهواء فرحا وطربا، وتفكر في تقديم أوراق اعتمادها لمداد سائل يسمى الدموع.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق