يتعرّض المثقفون العرب منذ مدة إلى هجمة شرسة في وسائل الإعلام أومواقع التواصل الاجتماعي العربية ويحملهم المنتقدون أسباب الفشل الذريع لمشروع الثورة وقيادة المواطن العربي إلى برّ الطمأنينة والأمان فهم وفق كثير من المنتقدين سبب مباشر أو حتى غير مباشر في تردّي الأوضاع السياسية والثقافية وعليهم تلقى كل المسؤولية في تردي التعليم وهم من وجهات نظر أخرى لم يمارسوا إلا الانتهازية والأنانية وحبّ التسلط وهم من برّر الديكتاتورية وهم من وقف عاجزا عن التصدي الثقافي للإرهاب بافتعال العداوة للإسلام أو بعدم القدرة عن خلق ثقافة تكافح هذا الداء العضال الذي بات ينخر الجسد العربي. والمثقفون العرب باتوا مطاردين من عامة الناس وقد كانوا مطاردين من قبل الساسة - نعني من لم يسر منهم في ركاب السائس ومن لم يبرّر له عنجهيته وتغطرسه واستبداده ومن لم يسع إلى أن يجتهد في أن يمدّ في أنفاس كرسيّه لسنوات.
ممّا لا شكّ فيه أنّ بعض ممّا يقال صحيح وفي بعضه الثاني تَجَنٍّ ولسنا هنا لنثبت الصحيح ونشجب الخطأ إنّما يهمّنا أن نحدّد الأسباب الحقيقية وراء مطاردة المثقف بعد أن نبيّن الدور الذي يطلب من المثقف أن يلعبه في الظروف الراهنة وما الذي يثنيه عن أن يمضي فيه؛ غير أنّ هذه المسائل تتطلب أن نبحث قبل كل شيء عن مفهوم المثقف وعلاقته بمفهوم النخبة ومن يصنع تلك النخبة ومن يقف وراءها؟ وهل أنّ كلمتي ثقافة ونخبة لا تلتقيان كما قالت الفنانة الفرنسية بياتراغالا؟ وهل أنّ مشاغل النخبة يمكن أن يلتقي أكثر مع مشاغل الساسة ممّا يمكن أن يلتقي مع مشاغل عامة الناس التائهة في تفاصيل الحياة؟ وهل أنّ ثقافة التحرّر هي التي تجعل العامة تتوق إلى أن تكسر روابطها التقليدية بالنخبة وبالمثقف؟ وهل أنّ وسائل التثقيف المعاصرة وهي رقمية تكسر أدوات إنتاج الثقافة التي كان يهيمن عليها المثقف؟
إنّ المثقف هو الشخص الذي يتركّز نشاطه على المنتوج الفكري وهو من ينخرط في الحياة العامة اعتمادا على تحليلاته الفكرية المعمّقة ويعرف عنه دفاعه عن القيم والحريات والأخلاق العامة وله وجهة نظر يمكن أن تنخرط في رؤية للحياة أو في إيديولوجيا أو فلسفة ما وهو يمثل سلطة ثقافية موازية للسلطة السياسية وليست منخرطة فيها وحين تنخرط فيها تكون في شكل تقديم منفعة عامة للدولة لا لمن يسيرها. والمثقف الحقيقي هو الرجل المشغوف بالثقافة المسكون بالفكر الناظر إلى الحياة نظرة فذة وهو ذاك الذي ينظر إلى قطعة اللحم ويفكّر في بيكاسو كما قال الشاعر الأنكليزي بارتيك هاربار والمثقف ليس هو منتج ذكاء كما قد يعتقد هو ليس الذكي الوحيد ولا أنّ الذكاء هو حكر عليه. ولا يوجد في عالم المثقف من يكون مثقفا لا واعيا لأنّ اللاوعي الثقافي يقود إلى الدمار ولا يوجد مثقف مستقيل لأنّ الاستقالة تؤدّي إلى أن يباع الوطن في مزاد غير علني بل يوجد مثقف مُقال أو مستقيل لأنّه الفعل الثقافي من شروط المثقف والانزواء لا يصنع إلا الانطماس وهذه لا تفيد في بناء هوية المثقف.
إنّ ما رسمناه سابقا هو حدود مبسّطة وتعريف ضروري ولكنّه كاف لتحديد هويّة المثقف وإذا نظرنا إلى ما يصطلح عليه باسم المثقف العربي وجدنا هلهلة في ما يسمّى بالمنتوج الفكري الذي عليه العماد في نحت كيان المثقف. ليس لدينا مثقفون ينتجون فكرا أو ينخرطون في خط فكري معلوم المثقف العربي يوجد على ضفتين إمّا ضفّة الإبداع أو ضفة الإنتاج العلمي. الإبداع صار في الوطن العربي أضعف من حمار الشعر في الصورة القديمة التي قيلت عن الرجز؛ فأغلب الإبداع في الوطن العربي صار رجزا وصار أغلب المبدعين رجّازا إلاّ من رحمهم الزمن. وأمّا الإنتاج العلمي فهو بدوره درجات ودرجاته هرمية التوزيع فالجيد منها في الطافح في الأعلى قليل وما عداه في القاع العلمي.
أمّا التفكير فلا يمثله إلاّ القلّة القادمة في الغالب من الجامعات وعيب هؤلاء الثابت هو إطلالتهم على العالم من كوّة الاختصاص. لا يوجد بين ضفتي الإبداع والعلم إلا شبه الفراغ فلا يوجد مثقفون عرب أصحاب مشاريع ثقافية بل توجد جماعات تنسب إلى الثقافة بممارستها لفنّ ما غالبا ما تشدها المصلحة أو يرسلها على الناس أصحاب النفوذ أو يسلطها على الرقاب الإعلام العامل بالأجندات. لقد قتلنا في الوطن العربي محضنة المفكرين وأصبحنا ننتج محلّلين سياسيّين وعسكريّين وخبراء يفتقدون البوصلة في الغالب وليس لهم الحسّ الاستشرافي ولا القدرة على التوجيه.
لا يمكن للمثقف أن يوجد من عدم فأوّل تفريخ له يكون في محضنة المجتمع. وما سرنا إليه في وطننا العربي أنّ المجتمع صار لا يعرف ما فائدة الثقافة ويرى الثقافة في الفنّ الهابط وفي الأفلام الإباحية وخلق المجتمع لنا طرازات مشوّهة من المثقفين هم نجوم لا تضيء إلاّ لأنّ المجتمع مظلم. المثقف الحقيقي هو المثقف الذي يضيء بأن ينعكس عليه ضوء المجتمع وينعكس هو بدوره على المجتمع فيستفيد من ضيائه. المدرسة لم تعد محضنة صحيحة للمثقفين لأنّها صارت مكانا لاجترار العلوم التي قد تآكل أغلبها فالامتحانات لا تربّي الفكر ولا تحثّ على التدريب عليه ومن أين ستربّيه وهي واجبات ثقيلة يقبل عليها المتعلّم من أجل تحصيل شهادات لا تنفع؟ كان المعلّمون والأساتذة مثقفين يحملون هاجسا فعليا هو بناء الوطن عبر بناء الإنسان وركوب قطار الحضارة الذي يمكن أن يجعل الوطن يطير وكانت الدولة تفكّر بدورها في رفاه هذا المعلّم لأنّه هو شاحذ الثروة الحقيقية التي هي الدماغ. في هذا الجوّ العامّ كانت النخبة المثقفة المثالية في كثير من أقطار الوطن العربي قد صنعت ما يسمّى بالنهضة وقدّمت برامج للخروج من التخلف وراهنت على الفكر المستنير ووضعت خارطة طريق لمستقبل الثقافة العربية وانفتحت على المنتوج الفكري العالمي لكنها ولئن استطاعت أن تنتصر على الاستعمارو دحره فإنّها خابت في كسر شوكة الغطرسة والاستبداد التي جاءت مع الدولة الوطنية.
يعتقد أغلب المنظرين أنّ العلاقة بين العامة ونخب المثقفين هي علاقة عمودية بناء على أنّ هذه النخب تمتلك الحلّ الفكري للقضايا الاجتماعية واغلبها سياسيّ والالتقاء بين النخب والعامة أمر مطلوب لتحقيق التوعية والتثقيف وقيادة الجماعات إلى المسار الصحيح. وفي هذا السياق يتنزل قول 'غوستاف لو بون ' عالم الاجتماع الفرنسي وصاحب نظرية علم نفس الجماعات بأنّ 'التقدّم الديمقراطي الحقيقي ليس في أن تنزل النخب إلى مستوى العامّة بل في أن ترتفع العامّة إلى النخبة'. فما ييسّر الحركة باتجاه الأعلى، أي باتّجاه النخبة أمران: الوعي بأنّ النخبة ينبغي أن تكون معينا على إيجاد حلّ للعوز الثقافي أو الفكري الذي تشكو منه العامة وعلى أن تتحصّن بمستوى فكريّ معيّن يمكّنها من استيعاب أيّة حركة توعية أو نقل للتوعية. وما تعاني منه العامة عندنا هو عدم الإيمان أصلا بأنّ للمثقف دورا في الحلّ بل إنّ هناك شبه يقين بأنّ النخبة هي سبب الأزمة وعنوان للنكبة. والأمر الثاني أنّ نسبة الوعي الحقيقي الذي يجعل العامّة تقبل التوعية لا يمكن أن تضمن أدنى درجات التواصل بين الطرفين. إنّ الشعور بأنّ الفكر والثقافة مسألة ثانوية مؤجّلة يمكن أن تأتي بعد تلبية المطالب الاجتماعية هو ما يسود في ذهن الفقراء في المجتمعات التي تعاني الفقر والشعور بأنّ الثقافة مسألة ضئيلة القيمة هي قد سود في الأوساط الغنية التي تعتقد أنّ السعادة لا يصنعها الثقافي ولا الفكري وإنّما يصنعها تكديس الثروة واشتراء السعادة.
إنّ الانتماء إلى النخبة ليس ادّعاء إعلاميا أو شعبيا بل هو نابع من القيم الفكرية والثقافية التي يحملها؛ فالمثقف الحقيقي كما يقول جيل رومان هو من يناقش الأفكار ولكنّ وسائل الإعلام أنتجت لنا مثقفين يناقشون الأحداث أو يتحدثون عن الأشخاص لإعلائهم أو الإزراء بهم. بهذا زالت كثير من الفوارق الفكرية بين ثقافة العامة وثقافة النخبة ولم يعد المثقف يسكن برجا عاجيا كما هو في التصوّر الكلاسيكي بل بات يسكن بيوتا من الطوب متداعية، منذ البناء، للسقوط.
عاش المثقفون العرب عصرا ذهبيّا حين قاوموا الاستعمار والأميّة والفقر بأدنى وسائل المقاومة وأرقاها وهو القلم؛ فعلى أعمدة الصحف وعلى بوابات الكتب حملوا مشروعا فكريا ودافعوا عنه فأصلحوا وبنوا الدولة الوطنية؛ لكنّ المثقفين العرب يعيشون حرجا حقيقيا اليوم إذ لا تكفي الشهادات العلمية لبناء خط فكري أو ثقافي ولا يكفي الظهور في الإعلام لترميم صورة المثقف المهتزة.
إنّ ما تعيشه الشعوب العربية اليوم التائقة للحرّية والممسكة ببعض أغصانها حالة خطرة من قتل المثال نشبه حالة قتل الأب في بعض الأساطير القديمة بدأت بتخوين السائس باسم أنّه دكتاتور حتى في الوقت الذي يمر بامتحان للديمقراطية صعب ثمّ بحالة عصيان الآمر في الإدارة بحكم أنّه استغلالي انتهازي يريد أن يجعل الموظف وسيلة ومعبرا للوصول حتى وإن كان في الآمرين من يشتغل بروح من الحزم والأمانة ويداس على المعلّم بدعوى أنّه لا يعرف شيئا ممّا يعلّم وأنّ ما يعلّمه أقلّ من هشيم في مهب الريح وفي هذا الخضم من الإزراء يكون المثقف الضعيف بنفسه أضعف أكثر فأكثر لأنّه يحمّل مسؤوليّة مزدوجة: التفريط في المطالبة بالحق أيّام الباطل وعدم المساعدة على إقامة العدل والمساواة ونشرها.
إنّ الشخصيّة العربية تعاني اليوم نوعا من التنصّل من المسؤولية ومن محاسبة الذات فكلّ يفرّ من ذاته ليضع أوزاره على غيره وقد يكون غيره المثقف والسياسي وحتى الوطن بأكمله حضارة وانتماء. هذا تسونامي ليس لنا من حلّ له إلاّ حركة نقد ذاتي لا تصل حدّ جلد الذات وليس لنا مفرّ منه إلا بالتفكير الرصين في ما اقترفته أيدينا في حقّ حركة تطوّرنا ليس لنا من حلّ إلا الرجوع الى التفكير الرصين لنبني لا لنهدم وفي هذا الخضم علينا أن نعيد للفكر مكانته وللعلم إشعاعه وللثقافة بريقها فحلنا ينطلق دائما من داخلنا وفي داخلنا إنسان فعّال تسلّط التواكل فكبّله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق