يحتاج التونسيون الى واقعية اكثر في النظر إلى مشاكلهم وطرق حلها.
|
على الرغم من أنّ دوغ لارسن كان من أهل الرياضة في بداية القرن العشرين فإنّه أنتج استعارة من أكثر الاستعارات السياسية غنى وخصوبة حين قال: "بدلا من أن نعطي للسياسي المفاتيح، من الأجدر بنا أن نغيّر الأقفال". وإذا كنّا في تونس قد أعطينا مفاتيحنا رغما عنّا لمدّة مديدة واعتقدنا منذ سنين خمس أنّنا نعطيها بإرادتنا، فإنّ الإشكال الأكبر ليس في تغيير الأقفال بل في الكيفيّات التي نغيّرها بها وفي أمانتنا ونحن نحمل مفاتيح البلد.
منذ استقلال تونس عام 1956 إلى يوم الناس هذا نتظاهر كمواطنين بأنّنا نعطي في كُلّ مرّة مفاتيح البلاد لحاكم ونقول له أنت أميننا على البلد ولا أمين بعدك. ويؤدّي الحاكم و'عترته' أمامنا القسم ونتظاهر بالاطمئنان وننظر بعين الرضا وإن كان لا يعلم بسرائرنا إلاّ ساترها.
بقلم: د. توفيق قريرة
أعطينا بورقيبة مفاتيح البلد ونحن نعتقد أنّا استرددناها من المعمّر الغاصب وكان بورقيبة يعرف أنّ مفاتيح البلاد لم تردّ جميعا بل بقي في جيوب المالكين القدامى شيء منها وحين حاول المطالبة بجميع المفاتيح كانت حرب الجلاء التي أبانت كيف أنّ المالك القديم لا يريد أن يفرّط في كثير من الأبواب المقفلة. كان بورقيبة يعتبر أنّ بنايتين كبيرتين لا بدّ من امتلاك مفاتيحهما هما التعليم والصحّة فنحن إن امتلكناهما امتلكنا كل شيء ويكن القول إنّا كسبنا الرهان وقتها. بالتعليم بنينا الإطارات الوطنية وبالصحة قضينا على الأوبئة وأخّرنا الموت بأن زادت معدّلات ما يسمى بأمل الحياة.
في أواخر السبعينات شاخ مالك مفاتيح البلد وسرق منه من سرق بعضها حتّى جاء من أن افتكها منه خلفه في انقلاب أبيض عام 1987. هلّل الناس لمالك المفاتيح الجديد لكنهم وجدوا أنّهم يسلمون المدينة صاغرين ذاعنين ويذهبون إلى صناديق للاقتراع مفاتيحها كلّها عند صاحب المفاتيح. في عام 2011 فرّ الرئيس الثاني وترك أبواب البلاد مفتوحة. ظلت الأبواب مفتوحة من غير مغاليق وتشعّبت أمور الأقفال والمفاتيح. فالمستأمَنون الجدد إمّا أنّهم استعملوا مفاتيح قديمة لمغاليق جديدة أو أنهم أضاعوا المفاتيح أو هم تركوا الأبواب مفتوحة. الأبواب المفتوحة أدخلت إلينا كلّ من هبّ ودبّ دخلوا إلى السياسة وإلى الإعلام وإلى الثقافة وإلى الجبال وإلى دورنا وإلى جيوبنا وإلى عقولنا. لم يعودوا في حاجة إلى أن يتسوّروا علينا كما كانوا يفعلون فالأبواب مفتوحة.
كثير ممّن يعتبرون أنفسهم محلّلين يعتقدون أنّ الوضع كارثيّ ونحن لا نعتقد في ما يعتقدون لسببين اثنين لا غير:
- أنّ كلّ دولة في جميع أنحاء العالم يمكن أن تحمي وجودها وتدافع عن بقائها بشتى الطرق ولها من يدافع عنها وأنّ أكبر المدافعين عنها هم مواطنوها وأنّه لا حياد في الدفاع عن الوطن أو استقالة لأنّ حياتنا مقدّرة بحياته لا مجازا وحديث شعراء بل حقيقة وحديث مؤرّخين.
يكمن الإشكال في أمرين: الأوّل تعطيل الحلول الموجودة وتفعيل آليّاتها بالقصد أو من غيره؛ والثاني القدرة على تحمّل المسؤولية والموازنة العادلة بينها وبين ما توصلت إليها البلاد من حريّة.
إنّ الحلول الممكنة يمكن أن تكون حلولا طويلة الأمد وحلولا قصيرة الأمد ولا توجد حلول عاجلة لمشاكل عويصة. فالبطالة لا يمكن أن تحلّ مشاكلها بين عشية وضحاها حتّى في أكثر الدول ثراء وهذا خطاب ينبغي أن يقوله المختصون والساسة بصراحة لكن ينبغي ألاّ يقال من غير خارطة طريق لتنمية عادلة على أسس صحيحة تبعد من أيّ تنويم مُمَغْنِط.
مازلت أعتقد غير حالم أنّ الحلّ ثقافيّ يبدأ من العائلة والمدرسة ويصل إلى المجتمع تدريجيّا والثقافة لا تعني في المشروع الإصلاحي التونسي الإكثار من الأغاني والكرنفالات وترك الأبواب واسعة لفنّانين وحتى لمثقفين ليسوا أصحاب مشروع. الثقافة الفعلية، ليس من الضروري أن تكون في شكل ثورة، بل تبدأ من إعادة بناء للعقول. فالعقل الجمعي في البلاد قد نفثت فيه على مدى نصف قرن أو أكثر سموم وسرطانات جعلته يجمع مع المرض التاريخي القادم من وراء العصور مع ثقافة الانغلاق والنقل الأعمى مرضا عُضالا جديدا جعل هذا العقل يكلّ بسرعة ولا يريد أن يعمل وإن عمل فلا بدّ أن يوجّه عمله من أجل النفع السريع أو التواكل أو الغش أو الأسطرة. تكون إعادة بناء العقل بإحلال العقل الجمعي وجعله أصلا ومقدما على العقل الفرديّ الذي بنته السياسات السابقة وأدّى إلى الأنانية والوصولية وبيع المبادئ من أجل حفنة من الإكسير.
العقل الجمعي يبني المجتمع الذكيّ والتعامليّ والفعّال ويجعل الإنسان منشدّا إلى الوطن عبر الأسرة وعبر الكون والعقل الجمعيّ فيه تزرع قيم التسامح والسلام بيسر لأنّه لا يرى الصواب في الذات وفي الآخر الخطأ والشيطان. نحتاج مواطنا اجتماعيّا يسعى إلى تنظيف شارعه بما هو جزء من تنظيف بيته لا أن يلقي بالقمامة أمام بيت جاره ويعتقد أنّه أبعدها عن بيته.
العقل الجمعي يجعلنا نفكّر في نسق شبكي كلّ عنصر فيه مفيد من جهة في نظام تعاملي متكامل وغير مفيد إلاّ بالنسبة إلى أهداف عامّة هنا تبنى فكرة المواطنة ومبادئ الديمقراطية ومن اليسير أن يصبح المواطن رقيبا على نفسه وعلى غيره حين يصبح مدافعا عن حقّ وليس جاسوسا للدولة وساعيا بغيره من أجل تقوية جماعة باطشة. يضاف إلى ذلك إعادة بناء العقل الأخلاقي الذي يمكّن الناس من أن يميّزوا بين الفضائل والرذائل التي لا تتغيّر عبر العصور مثلما يعتقده من يتحدثون خطأ عن انقلاب للقيم.
لم تنقلب القيم منذ الأديان والفلسفات القديمة إلى اليوم وما تزال المدارس والمجتمعات والكتب والفنون جميعا وفي أيّ مكان من العالم تتغنى بالحرية وبالشجاعة وبالحرية والعدالة والمساواة والسلام ولم يرد في أيّ منها أنّ الاعتداء على الآخر بطولة ولا أنّ قتل النفس بغير حقّ حقّ وما يزال الجهل يبني قيما ويغيّر أخرى لا لشيء إلاّ لأنّ العقل الأخلاقي لم يُبنَ على أسس صحيحة تكون موارده دينية ولكن أيضا فلسفية وثقافية وفنيّة.
وأخير فإنّنا نحتاج أيضا إعادة بناء للعقل الخلاّق وهو العقل الذي لا يكتفي بإعادة إنتاج المنتج بقطع النظر عن تمحيصه؛ العقل الخلاّق يجعل الفرد مبدعا وعالما وفنانا ويجعله لا يصنع المشكل بل يخلق الحلّ؛من أجمل ما ينتجه العقل الخلاّق أن يجعلك ترى العقل بما هو آليّة إبداع مجسّدا في منتج مادي أو فكري ومن أفضل ما ينتجه هو إنسانية الإنسان فمعلوم أنّ الصفة الإبداعية هي صفة بشرية لا غير فهو الكائن الوحيد الذي يعيد تشكيل الأشياء من جديد ولا ينتجها آليّا بالطبيعة.
هذه هي الأقفال الجديدة التي من شأنها أن تجعلنا في حماية من السياسي المستبد وفي مأمن من كثير من الجهل والتواكل وانتظار الحلّ من الخارج وهذه حلول طويلة الأمد لا مناص من المرور بها إن نحن أردنا لبلادنا صلاحا. لكنّ أغلب الساسة يفكّرون في حلول آنيّة فيشغلهم ذلك عن الحلول ذات المدى الطويلة أو هم ينجرّون تحت ضغط الطلبات إلى الحفر في السطح الصلد بأدوات خفيفة. إنّ حلاّ كهذا هو من باب بناء جسور على غير المجاري ألم يقل خروتشيف: إنّ السياسيّين في كل مكان رهط واحد فهم يعدون الناس بأن يبنوا جسورا حتّى وأن لم يكن هناك أودية؟ هذه استعارة خصبة أخرى غير استعارة الأبواب والأقفال. لكن هل نحتاج حقّا جسور السياسيّين حين نمتلك أبوابنا ومغاليقنا بأنفسنا؟ سنكون قادرين على أن نُريَ الساسة أين تقع المجاري وكيف تبنى منها الجسور لأنّنا سنكون نحن بأنفسنا الساسة الفعليّين.
|
القلام نحت غريب بين القلم و الكلام. في هذه المدونة قلم لا كالاقلام لانه رقمي.. وكلام لا كالكلام لانه منقوش كما نقشت الكلمات الاولى على الواح الطين حين كانت الكتابة سومرية او هيروغليفية .. قد يحتاج الكلام من يفك طلاسمه او من يخفيه بين طيات اي شيء.. يحتاج من يحفره اومن يقبره.. المهم أنه عابر على جسر الزمان.
الثلاثاء، 23 فبراير 2016
تونس: هل نعطي للسّاسة مفاتيح البلد أم نغيّر الأقفال؟
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

مقال عميق....يؤسس لبناء دولة قادرة على حماية ذاتها واجيالها ومواردها وتحقيق تنمية مستدامة فعلية تقطع مع كل ماهو عقيم ونظري كرسه السياسي الذي يبيع الوهم لابناء البلد ....
ردحذف