الثلاثاء، 9 فبراير 2016

فرض حظر التجوّل على الاستعارات

توفيق قريرة : أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

القدس العربي 

قد يجد القارئ العنوان غريبا ويعتقد أنّه لعب بالكلمات وركوب لاستعارة سياسية من أجل الحديث عن فكرة نقدية أو أدبية قد تكون مألوفة.. وقد يقول لنا أصحاب الجدل إنّ فرض حظر التجوّل يكون على الأشخاص ولا يكون على الكلام، فالكلام يدور حرّا لا مانع يمنعه ولا قيد يحجبه غير قيود النحو وما شابهها.. وقد يقول العارفون بالاستعارات إنّ هذا الشكل من المحسنات لا يمكن أن يحظر عليه لأنّ في حرّيته ماء اللغة الجاري وتجدّد هوائها.


أنا لن أفاجئكم حين أقول لكم إنني أنا نفسي يمكن أن أقول هذا الكلام، بل يمكن أن أجده بديهيا لا يقبل إعادة الطرح وتجديد النظر.. لكنّ التحرّي في المسألة يبيح القول بأنّ هناك فرضا حقيقيا لحظر التجوّل على الاستعارات يأتيها من الذهن ومن العادات الثقافية لجماعة ثقافية معيّنة. لكن يجدر بنا قبل الحديث في هذا الشأن أن نبيّن المعنى الحقيقي لفرض حظر التجوّل على الاستعارات؟
يعلم المختصون أنّ الاستعارات من أقدم الأشكال البلاغية التي تحدّث فيها الناس وكان أقدم من تناولها الفلاسفة من أمثال أرسطو، وعنه أخذت البلاغة اليونانية القديمة وغيرها المفهوم، إذ رأت أنّ الاستعارة تحدث حين تقول شيئا وأنت تحرّف معنى عبارة عن دلالاتها الحقيقية أو المألوفة تحريفا مقصودا فتتحدث مثلا عن أنّ صديقك أسد أو أنّه بحر وأنت لا تعني ما يقول ظاهر كلامك، بل تعني شيئا آخر تماما هو أنّ صديقك شجاع وكريم.. بذلك تكون قد استعرت عبارات لعبارات أخرى وقلت صراحة ما لا تقصده ضمنا.. بهذا الشكل يدور الكلام في غير مجاريه ليفيد غير معانيه.. وبهذ الشكل لا يوجد أيّ ضرب من حظر التجوّل على الكلام بل بالعكس، يدخل الكلام غير أراضيه ويسافر إلى غير عوالمه حرّا طليقا المهمّ أنّه يفيد المعنى بشكل أقوى وإلا لمَ كلّ هذا التعب وتكليف الكلام عناء السفر؟ 
يؤسفني أن أقول لمن يرى في الاستعارة وهي تعمل بهذا الشكل طريقة من تحرّر الكلام من عقاله، إنّه لا يرى الأشياء كما ينبغي أن يراها: هو كمن يرى ديكورا وهميا في فيلم كبير على أساس أنّه عمارة أو حديقة كبرى والحقّ أنّه بناء هشٌّ عُمل بالخُدَع. 
الحقيقة أنّنا ونحن نصنع استعارات نقيّد الكلام أكثر ونلزمه بعدم الجولان لمدّة طويلة.. لننظر في أشعارنا القديمة وكيف أنّ شعراءنا أعادوا استعارات بعينها، فهناك استعارات كبرى وتقليدية وثابتة، ويكفي أن تقرأ القصائد القديمة وحتى بعضا من الحديثة لتجدها ماثلة فيها ففيها ستجد استعارة البدر للمرأة الجميلة وقضيب البان لقدها والسحر أو السهام لعينيها واستعارة البحر للجواد الكريم والأسد للشجاع واستعارة القتل للعشق، وغير ذلك من الاستعارات التي جمّدت وحظر عليها التجوال وظلت غريقة في دائرة ضيقة من الكلام.
إن حظر التجوّل على الاستعارة يعني ههنا أن تظلّ مرتبطة بميدان تصوّري أو إدراكي معيّن تحبس فيه ولا تتحرّك إلا في فلكه حركات مضبوطة سلفا.. فما المانع، على سبيل المثال، من أن يُستعار للمرأة صورة البحر، أليس الكرم قيمة تكون للرجال مثلما تكون للنساء؟ ولمَ لا يستعار البدر لجمال الرجال فللرجال مُلحَة في وجوههم مثلما هو في وجوه النساء؟ قد يجيبني المنافحون عن الشعر القديم بأنّ الكرم مطلوب قديما في الرجل إذ هو مصدر الثروة والمال وأن الجمال مطلوب في المرأة بما أن الحسن أساسي في الإقبال عليها.. أقول إنّ هذا حكم على الفنّ من داخل تصوّر للتاريخ وهو أمر لا يستقيم، إذ لو كانت الاستعارة حرّة لتحركت بالحرية المطلوبة من غير جوازات ثقافية أو اجتماعية، وإلاّ فما قيمة الخيال في الفن؟
حظر التجوّل شيء حقيقي في الكلام وأكثره في ظاهرة تعرف في اللغة بالعبارات الجاهزة أو المسكوكة، وهي ظاهرة تعرفها كلّ اللغات حين تأتي إلى جملة أو أقل منها وتثبّتها في الاستعمال وتجعل كلّ كلمة مرتبطة بأختها تقيدها بها إن استعملت جميعا مثال ذلك كثير من الأمثال من نوع (رجع بخفي حنين) و(وافق شنّ طبقة) ومنه أيضا عبارات دائرة في حياتنا اليومية من نوع (يلعب بالنار) إذ لا يمكن أن نقول مثلا يلعب بالماء في سياق مقابل أو (حطت الحرب أوزارها) إذ لا نستطيع أن نقول حط السِّلْم أوزاره للحالة المناقضة أي حين يتمتّن السلام. في هذه العبارات الجاهزة يستخدم كثير من الاستعارات والكنايات والرموز، ولكنّها تمرّ من دون أن ندرك استعاريّتها لأنّها تصبح كالكلام العادي، تعوّدنا أن نستعمله ولا نرى نسبة الاستعارية فيه. ففي (حطّت الحرب أوزارها) مثلا استعارة فيها تشبّه الحرب بالدابة التي عليها حمل ثقيل لكن من يفكّر في هذه المسألة وهو يستعمل هذه العبارة الجاهزة؟ لا نفعل ذلك لأنّ الألفة تقتل في المعاني استعاريّتها؛ فبعد أن تحبس الاستعارة في قمقم العبارات الجاهزة تصبح مهدّدة بإفراغ محتواها الاستعاريّ لأنّه يصبح شيئا ثانويا بالنسبة إلى قيمتها التداولية؛ وتصبح العبارة تماما كالعملة المسكوكة لا تعني أَصُنعت من المعدن أم من الورق؟ أم هل كانت الصور والألوان والخطوط التي فيها جميلة أو متقنة أم لم تكن.. سيصير مهمّا أكثر قيمة العملة الوظيفية وهو ههنا سياق التداول.
البحوث الجديدة في الاستعارات، وهي بحوث تدعمها الدراسات الفلسفية والاتجاهات اللسانية التي تستفيد من علم النفس ومن علم الأعصاب، التي تجتمع تحت تسمية العلوم العرفانية غيّرت نظرتها إلى الاستعارة تماما فلم تعد تنظر إلى الاستعارة على أنّها زخرف لفظي لا يقدر عليه إلاّ كبار الأدباء والشعراء، وهو ليس متاحا لغيرهم، بل يعتقد لايكوف وجنسن في كتابيهما الحدث الصادر عام 1980 وتحت عنوان مفيد «الاستعارات التي نحيا بها» أنّ الاستعارية ليست شأنا خاصّا باللفظ، بل هي من أمر الذهن أصلا، فأذهاننا تعمل بشكل استعاري وما نراه على سطح اللفظ إنْ هو إلا شكل من أشكال استعارية الذهن. فحين يستعير الشاعر للعشق معنى الموت فلأنّ ذلك مرتبط بإدراكه تجربة العشق بواسطة تجربة الموت. فالعاشق وهو يكتوي بنار العشق ويكابد بعد من يعشق فلا يسهّد جفنه الكرى وحين يرى المعشوقة ويشعر بجمالها المفرط، وأنّ لحظها قاتل وأنّ سرعة نبض قلبه المتزايدة كأنها مؤذنة بأنه سيتوقف، وغير ذلك من المشاعر هي التي تجعل الشاعر حين يصف التجربة يكون ناقلا إدراكا لتجربة تبنى بوسائل تجربة أخرى هي تجربة الموت من هنا تتولّد استعارة الموت للعشق. وما يقال عن هذه الاستعارة يقال عن استعارات كثيرة نجدها في حياتنا اليومية ففي قولنا: فلان في قمة السعادة أو في أسفل درجات الشقاء نحن نستمدّ الاستعارة من تجاربنا مع جسدنا؛ فمعلوم أنّ الأعلى في أجسادنا هو رمز العلوّ والنفاسة.. في الشطر الأعلى من الجسد يوجد القلب والذهن والوجه الذي به نتعرف على الأشخاص وبه ندرك جمال الجميل من الناس فنتملّى فيه.. لذلك ارتبط العلوّ بالإيجابي وارتبط السلبي بالسفلي..

فالاستعارة إذن بنت تصوّرنا للسعادة والشقاء بأدوات تجربتنا مع أجسامنا.. وهذه فكرة تندرج ضمن متصوّر عام في هذا الاتجاه من التفكير المسمّى بالعرفانية، يعرف بالجَسْدَنة يرى أنّ الجسد يمكن أن يطوّر تجاربنا الذهنية وليس الذهن متحكّما من اتجاه واحد في الجسد: للجسد أثر في الذهن كما للذهن أثر في الجسد. هذا التصوّر الذي يعرف اليوم بالاستعارة العرفانية أو التصوّريّة، طوّره اليوم اتجاه آخر يعرف بنظرية المزيج أهمّ رواده الفرنسي ميشال فوكونياي والأمريكي ترنر، وكلاهما يؤكّد أن الاستعارة ليست من شأن اللفظ، بل هي أمر ذهني إدراكي تصوّري. هذا الطرح يؤكّد ما ذهبنا إليه من أنّ الاستعارة تتمتع بحظر تجوال في اللغة، اعتمادا على اثنين من الأسس النظرية والتجريبية على الأقل، أوّلها أنّ الاستعارات وهي تتنزل في سياق ذهني تجعلنا لا نستعير أيّ تجربة لأخرى كما اتفق؛ فنحن لا نستعير تجربة الموت للحبّ، من دون وعي مسبق بأنّ هناك عناصر مشتركة في وعينا العميق، أو في ذاكرتنا بين التجربتين: الموت يرتبط بالقلب ونعتقد أنّ الحب يرتبط به والموت يرتبط بالمرض والعشق يرتبط به والموت يرتبط بالضعف والموت يرتبط به، لكنّ الموت يجعلنا نقبل على الحياة والحبّ أصل الحياة لدى أهل العشق. ثانيهما أنّ الاستعارات وهي تبني تجربة بأخرى لا تبنيها إلاّ اعتمادا على ما اتفق عليه في ثقافة معيّنة، فصحيح أنّ لدينا بعض الحرية في أن نصف ما نريد وبحكي بأشكال مختلفة عن تجاربنا، لكنّ التجارب في مجملها تدرك ثقافيا بشكل تجريبي جماعي ولذلك تحمل، وهي تُبنى، كثيرا من المشترك ومعلوم أنّ الجماعة تقنّن وتتفق على المشترك لذلك فإنّ تدخّل الثقافي يجعل الاستعاري في حيّز الثقافي المقنّن جماعيّا؛ قد تختلف الثقافات في بناء التجارب، لكن لكل ثقافة شكل معلوم من التجارب في ميدان معيّن، لذلك تقلّ في ثقافات أخرى استعارة العشق قتل وتكثر في تلك الثقافات استعارات أخرى للعشق. 

في اللغة قيود كثيرة لا نعلمها جميعها وخصوصا ما بدا منها في لاوعينا أو مخفيا محتجبا مقنّعا ألفناه على وجه، ولكنّ وجهه الحقيقي ليس الذي في ذهننا أنّه وجهه؛ من هذا الضرب الاستعارات: ظاهرها أنّها كلام حرّ يمكن أن يبدع من دون كلفة وباطنها أنّ الإبداع فيه حتى إن كان حرّا فإنّه مقيّد بشروط وعليه حظر يمنعه من أن ينتقل حرّا في الكلام طليقا، كما شئنا له أو كما شاءت له الأشعار.. ومثلما أنّ حظر التجوال حالة غير ثابتة في الحياة مهما طالت فإنّ الأمر كذلك في الاستعارات، يكفي أن يعرف المرء كيف يحرّر الاستعارات القديمة من عقالها ويعيد خلقها خلقا آخر حتى تبدأ رحلة الحرية لكنها رحلة من جديد باتجاه القيود والحظر.. يعاقبنا الساسة في حياتنا اليوميّة بحظر حرياتنا وجولاننا في أوقات معلومة عقابا يوجه إلى من تخوّل له نفسه الأمّارة بالسوء أن يعيث فسادا في الأرض فيربك الدولة .. لكنّ حظر التجوال في حال الاستعارة ليس عقابا هو ثوابٌ: يريد من تخوّل له نفسه الأمّارة بالإبداع أن يسير في ركاب من ابتدع ذات مرة استعارة جميلة فيقع في منطقة الحظر ويقع غيره فيها ويصبح الاستعاريّ مقنّنا لا في التفاصيل، بل في الكليّات الإدراكية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق