القدس العربي
هذا العنوان مقتبس من نص لشاعر تونس الفقيد محمد الصغير أولاد أحمد يشكو فيه آخر أيامه من حاسديه، وهو يعلم أنه ماض إلى عالم الخلود يقول «إلهي / أعوذ بك من شر أهلي/ يبيعون خمرا رديئا/ ويؤذون ليل السكارى البريء».
لا شك في أن شعور المميزين بالسخط نابع من استقراء صحيح: كساد سوق الإبداع ونفاق سوق الرداءة. هنا قد يفكر المرء في الدعاء. ولكنه دعاء الشعراء لا غيرهم.
الدعاء في اللغة ليس عملا لغويا وحسب، بل هو بناء لكون فيه يريد المرء الداعي أن يكون طالبا لما يكون مستحيلا عسى أن يكون ممكنا؛ هو تسخير كل الطاقة الإنشائية لتغيير الكون في الاتجاه المطلوب. في الدعاء يحدث شيء من التملك نسميه هنا تملك المقدس بالوسائط اللغوية المختلفة. ذكر اللساني الفرنسي إيميل بنفنيست أن المتكلم يمكن أن يتملك الكون بأشكال مختلفة. فحين يتكلم بضمير «أنا» وأخواته يصبح مركز الكون ويتحدد الآخرون بالنسبة إليه؛ ويتحدد الفضاء بموقعه هو فـ»هنا» قريب مجاور له و«هناك» بعيد لتنائيه عنه و«أمس» هو سابق ليومه و«غدا» هو يوم تال له. التملك الذي يحدث باللغة يمكّن المرء من أن يعيد تحديد الأشياء في الكون بالنسبة إليه. نحن سنزعم في هذا المقال أن في الدعاء في الشعر الحديث خصوصا، نوعا من التملك الإنشائي هو: تملك للمقدس، هو نوع من «الحلولية» اللغوية في المقدس وضرب من سكون المتكلم في منطقة قريبة من المقدس وتوجيهه الوجهة التي يريد.
في الدعاء الذي يفتتح بـ«إلهي» تملك أول وأساسي يتمثل في نسبة الإله إلى الذات المتكلمة. النسبة علاقة تقام بين مملوك ومالك؛ وفي اللغة تكون الملكية للمتكلم وهي تخصص الله الذي هو إله الجميع فيصبح مقصور النسب على الداعي. العلاقة الإضافية بين حبيبي وصديقي وإلهي هي واحدة في اللغة؛ لكنها من الناحية التداولية تختلف باختلاف استعمال من يتكلم بتلك الإضافة. إن كانت في سياق التودد فإنها تدل على نسبة نفسية تختلف عن النسبة النفسية التي في التقريع، لكن الإضافة في «إلهي» في سياق الدعاء تجعل التملك دالا على جملة من المعاني المترابطة هي: التملك بالنداء المحذوف (يا إلهي) وفيه دور تنبيهي مجازي ليس ذاك الذي في نداء البشر، بأن ينبه المنادي مخاطبه، ولكن التنبيه هنا غير مقصود، لأن فيه إعلانا للمخاطبة بلا حواجز؛ فالرب يُنادَى ويسمع ويستحضر لكي يستجيب، ولكنه بالدعاء يظل في رفعته المقدسة. وفي المنادى المضاف في هذا السياق إيجاب لحقوق المربوب على الرب بأنه محتاج أن يستعان من معين قدير. لكن الذي نريد التأكيد عليه أن الشعر الحديث يضيف جملة من المعاني لا نجدها في المعاني الشعرية القديمة في معنى التملك؛ فيبدو لنا هذا المعنى ضعيفا في الشعر القديم قويا في الشعر الحديث.
قال أبو العتاهية: «إلهي لا تعذبني /فإني مُقر بالذي كان مني»، الدعاء كائن هنا في نطاق المدعو وهو الغفران؛ وهذا معنى غير دنيوي لكن إذا قارناه بـ(إلهي أعني عليهم)، فإن في الدعاء أكثر من المعنى المقدس ، فيه ميل أكثر إلى التملك: أن يصبح الرب منحازا إلى الداعي المفرد مسلطا قوته على أعدائه. وحين يقول أبو نواس: «إلهي لستُ للفردوس أهْلا»، فإن هذا الكلام يقرب من كلام أبي العتاهية في الدعاء بالنجاة، ولكنه لا يفيد معنى التملك الذي في قول الشاعر أولاد أحمد «إلهي / لقد تم بيع التذاكر للآخره/ ولم أجد المالَ والوقتَ والعُذر/ كي أقتني تذكرة/ فمزق تذاكرهم يا إلهي/ ليسعد قلبي/ ألم تَعِد الناسَ بالمغفرة». لقد صار طلب المغفرة يمر عبر سيرورة حجاجية مبنية أصلا على استحقاق تملك المقدس المدعو. السيئون يبتاعون تذاكر المغفرة من مؤمنين سيئين. هم يذنبون بلا حساب وفي النهاية يحصلون على تذاكر الغفران. الله المتملك بالدعاء سيصطف في رأي من دعاه مع الفقراء الذين يذنبون وليس لهم أثمان التذاكر، سيصطف معهم لأنه وعدهم بالمغفرة بلا تذكرة.. الدعاء فيه إيجاب الحقوق بالتذكير، وفيه دعوة إلى أن ينتقم للداعي بأن يمزق تذاكرهم فهي حُجب بدون المغفرة المباشرة. صارت السعادة ككل سعادة في هذا العصر لا تدرك بالغفران البسيط كما هو في كلام أبي العتاهية وأبي نواس، بل بالانتقام من الآخرين: الله ينبغي ألا يعفو عنهم، بل عنه هو لأن هناك من لا يستحق الغفران ويغش بصك التوبة. للشاعر إلهٌ يعوضه عن حرمانه من المَال ، فكل شاعر فقير، وكل صاحب كلمة فقير. للشاعر وقت كثير لكنه يفنيه في البحث عن كونه الشعري ذي التفاصيل؛ والشاعر إنسان يجرب فيخطئ ولا يعتذر ولماذا يعتذر المجرب؟ عالم الشاعر إن قيس بعوالم غيره من باعة صكوك التوبة ومشتريها هو: فقر مدقع وزمن مهدور وخطأ لا هو مبرر ولا معذور؛ هذا العالم المتشابك لا يمكن أن يفك تشبيكه المعقد إلا هذا الإله المصطف مع الشعراء، لأنهم شعراء، ولأنهم قادرون باللغة على تملك رمزه المقدس. الشاعر يخلق أكوانا من الكلام وعالما من المشاعر ويعيش فوق الزمان؛ ولكنه بما هو كائن موجود يقاسم كائنات أخرى تعرف كيف تُذنب وتشتري صك الغفران فلها المال ولها الوقت ولها أكثر من ذلك: لها العُذر. خالق الكون الشعري ـ شاعر، وخالق الكون الفعال ـ إله، هما يرتفعان: الأول على البشر والثاني على الكائنات عموما، لذلك فإن التملك المقدس يبرر أن يتحدث الشاعر بما يتجاوز الشكوى إلى المؤامرة والاتفاق على أنْ ينزل الله الرمزي العقاب على كل من أراد أن يربح مرتين بلا خلق بلا روح بلا فائدة.
أقصى درجات التملك المقدس الذي في الدعاء أن يدعو الشاعر بالوبال على جميع عناصر الكون، إنه سخط عام وموجة غضب تذهب بالأخضر واليابس هي عاصفة تريد للقيامة أن تقوم وللوجود أن يندثر «إلهي أريد جرادا لكل الحقول /ومحوَ جميع النقاط/ وقحطا لكل الفصول/ وطيرا أبابيل للاحتياط». هو دُعاء على كون ليس معمورا بالخيرين، فلا فائدة لأن تكون الطبيعة مكسوة بحللها الأصلية ولا فائدة من حقل خصيب أو فصل رطيب. لها جراد يصيب الزرع فيعاقب الجراد البشري العالق بالأرض، ويصبح القحط في كل الفصول ردا على الإمحال البشري والأخلاقي: طير الأبابيل التي هي ملك إلهي تصبح مسخرة لعقاب هذه الأكوان، هكذا عدنا إلى عام الفيل ولكنْ باصطفاف لا مع النبي، بل مع الشاعر الحق. كل هذا الغضب في الدعاء عليه إذا ما نظر إلى جهته المقابلة، جهة الدعاء له، كان بسيط العناصر: ليس يطلب غير تأليف كتاب من الشعر يباع حتى ينفق: تجارة الكلام تصبح تجارة لا تبور «إلهي /حبيبي/ ويا سندي/ نشرت كتابا جديدا/ فبعه بلا عدد). آمين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق