الدكتور توفيق قريرة
ميدل ايست اونلاين
فرغت من ترجمة كتاب بديع للسّيميائيّ الفرنسي رولان بارط هو في طريقه إلى النشر وعشت وأنا أترجم هذا الكتاب عمقا ومتعة فكريّة لا أعيشها مع الأسف وأنا أقرأ كتابا عربيّا. وكنت قد فرغت قبل ذلك من ترجمة كتاب تختلط فيه اللسانيّات، بالقضايا المنطقية فأدهشتني سلاسة التفكير:
يبدأ باللغة البسيطة ويبني بأعمدة من الصعب تقويضها جدرانه وأسقفه من مرمر الأفكار والأجمل فيها أنك كنت تراها من الصغائر التي قد يزهّدك في الخوص فيها كونها بديهات أو أنّك تعيش في ثقافة لا تحتفي بها. المؤلّفان ينتميان إلى الثقافة الأوروبيّة التي نشكو في كثير من الأحيان من غزوها لنا غير أنّنا لم نستطع منذ عقود أن ننتج نمطا ثقافيّا في وزنها حتّى وإن كان مخالفا لها. لقد فشلنا فشلا ذريعا في أن نبني نمطا ثقافيا عربيّا موحّدا شاملا لأنّنا نفتقد الرؤية النافذة ولا نحتكم للتخطيط السليم ويعوزنا في الغالب خدمة العلم والثقافة بعيدا عن التوجيه والدسيسة والمؤامرة.
حين تقرأ ما يعجب في العلم أو حتّى في الأدب قد تقول: لمَ ليس لدينا من هذا الخير الفكري العميم أو من هذا الرّواء الإبداعي أو من هذا الزخم الثقافي المفيد؟ ستقول هذا إن أنت لم تكن متعصّبا ضدّ الثقافة الكونية أو منتصرا عن جهل لكلّ ما يكتب من محلّي من غير نخل له وغربلة بمنخل الإبداع وغربال الثقافة الحقّ. وستطرح هذا السّؤال الذي يغور في قاعات السبب وأوجاع العلّة لكن بدلا من تتأفّف وتتوجّع تأمّل حولك ستجدك ضمن دائرة السبب وليس عليك أن تنجو بنفسك وتكيل التهمة للآخرين، فنحن في نهاية الأمر الآخرون الذين نتهمهم ونفرّ منهم ونحملهم دائما المسؤوليّة.
حلقة الثقافة عندنا ضعيفة وحلقة العلم أضعف منها والمعلّم الذي يصنع الإثنين ظلّ في الغالب ومن زمان موظفا عند السلطان مثلما بدأ من عصور الخلافة الأولى؛ ولا يجود السلطان على المدرسة إلاّ بعد أن يكون راضيا على مقرّراتها. كتب التاريخ تبايع أجداده وكتب الفلسفة تخفّف من الجدل المحكّك للعقول وكتب الأدب جاهليّة إلى النّخاع ضبابيّة الأفكار والعلوم الصحيحة ليست صحيحة إلا بمشيئة الله والمخابر التي تنتج العقل التجريبي مفقّرة من أدواتها لأنّ الموارد الماليّة لا تفي بالحاجة والمدارس في بعض الدول الوطنية يسقط سقفها من قلة الصيانة ولا مانع من السقوط إلاّ ستر ورحمة من ربّ العالمين. ليس أجمل في المدارس من مكتب المدير وليس أضعف من مقعد المدرّس إلا مقعد التلميذ. يجلس الصغير الساعة والساعتين على أمل أن يخرج كالسجين،فليس في درسه ولا في فصله ولا في مقعده ما يشدّه غير مسمار ناتئ يعلق بسراويله المهترئة فيزيد ما تمزّق اتساعا وفي البيت يتّسع الخرق على الأمّ الرّاقعة وهي تدعو في سرّها له بالنّجاح وحين ينجح الأبناء تعتقد الامهات أنهم نجحوا بالدّعاء. في مدارس الأثرياء إشكال أعسر فليس في المدرسة ما يشدّ:في الخارج عالم افتراضي سحري من الألعاب والأفلام والغزل والحب والحرية وفي الفصل مدرّس يلقّن الفاعل كيف يرفع ولا يعرف لماذا ويحدثهم بلا تجربة عن الذرّة والهباءة وعن رياضيّات إقليدس من دون أن يعرف من يكون هذا الأتاويّ وفي الامتحان يعيدون المكرور ويرفعون المجرور فيشتكي المدرّس من وهن التلميذ ويشتكي الوليّ من وهن المدرّس ويمضي التلميذ لا مباليا ويمرّ العمر ويصبح العلم حملا ثقيلا على الجميع لا بموضوعه بل بهمومه.
في البلاد العربيّة شكليّات كثيرة تقتل الإبداع والحداثة في العلم والتعليم وتصيب الأطراف جميعا بالإحباط تنزل المقرّرات وعلى الأطراف تطبيقها يأتي وزير ويذهب وزير ويأتي تنظيم ويذهب تنظيم ولا يوجد استمرار ولا استشارة أهل الرأي ويمرّ الوقت. يا إلهي كم يمرّ الوقت ولا ندرك أنّنا متأخرون وتمرّ القطارات في كل اتجاهات ونظلّ نبكي فقط لأنّنا بالأمس تأخرنا فنتأخر كل يوم يوما آخر ويحط الجهل بأراضينا بجيوشه الحاشدة كلّ يوم وننسى لمَ نحن نبكي ولا حتى لماذا نحن في هذه المحطّة.
تدخل المجموعة في غيبوبة ويظلّ الأفراد المميّزون بعقلهم السليم فيركبون في القطار الصحيح في طريق العلم الصحيح ويصلون في زحام وبعد وجع الدفع والركل والصخب متعبين منهكين فأوّل شعور ينالهم هو الاغتراب. المميزون في الغالب متهمون إمّا بالمعارضة السياسيّة أو بالخروج عن الجماعة أو بشدّة الحماسة أو بالمثاليّة أو بالطيش العلمي وغير ذلك من الملاحظات التي تسجّل في شكل تقارير سريّة أو علنيّة سياسيّة أو بيداغوجيّة ضدّ المتميّز المثالي. مازالت سلطة الإجماع المدبّر والدّسيسة المفبركة في السرّ والتآمر على المتميّزين تنخر كيان الهياكل العلميّة من أسفل السلّم إلى أعلاه ولذلك لا يمكن أن يفلح قوم أدخلوا تقاليد سياسة الدّسيسة إلى محراب العلم.
ينجح المتعلّمون ويحصلون على أرقى الشهادات ولكنّهم حين يصلون إلى مرحلة الإنتاج بالتعليم أو بالبحث العلمي يعرفون هم وحدهم أنّ العقبات كأداء وأنّ شهاداتهم غير نافعة لهم. سيجدون أنّ تحصيلهم المعرفي قليل وغير مكتمل وحين سيتقدّمون بأنفسهم في مراقي المعرفة الحقيقية سيدركون كم من الأخطاء كانوا يحملون؛ هناك كثير منها بحسن النيّة لكن لا تنفع العلومَ نوايا حسنة وراءها أخطاء. المميّزون من المتعلّمين في الوطن العربي قدرهم أن يهاجروا كالطيور إلى مدن تصنع يوميّا ربيعها العلميّ؛ وهناك يجدون العلوم سهلة خالية من الكثرة والتعقيد ويجدون الليل خاليا من الدّسائس والطريق إلى النّجاح خالية من قطّاع الطرق. سيجدون عالما يعبد العلم بلا ديانة ولا قبليّة وبلا محاصصة جهوية وبلا ريح سياسية. عندئذ سيذهب الفكر إلى محلّه الصحيح ويكون الوطن عندها أكثر فقرا وسيحنّ المتعلّم الذي صار عالما إلى وطنه؛ لكنّه حين يتذكر أنّ هناك ذئابا بأنياب لا عقول علمية لها وأنّ هناك سكاكين تحدّ صباح مساء من أجل أن تذبح بلا بسملة أيّ نفس علميّ متميّز وأيّ روح إبداعية متحرّرة، حينها سيدعو في سرّه للوطن بالسلامة ولكنّه سيحمد الله على السّلامة.
أمّا من لم يكن له من المتميّزين ريش يطير به إلى هذه العوالم الحرّة "الكافرة" و"الغريبة عن تقاليدنا السمحة" فإنّه سيظلّ يناضل بلا سلاح.سيفكّر بشكل مختلف وسيبدع لا شكّ في ذلك لكنّه سينتج الصافي العذب في محيط من الكدر. سيحسب كلامه وسيحسبون له خطاه وإن قدّم مشروعا للتجديد رُفض لأنّه سيكون غير ملائم للسنن وللأعراف حتى وإن كانت القوانين العلنيّة تحث على التجديد في العلم والتعليم والبيداغوجيا وحتى وإن كان شعار الدولة " اللّحاق بركاب الأمم المتقدمة علميّا وتكنولوجيّا". أعْجِبْ به من شعار يضعك في موضع اللاهث الجاري وراء ركب، فحتى إن لحقته لن تفعل شيئا غير السّير في ركابه.
كيف يستطيع عالم مميّز وجامعي فذّ مهما كان أن يناقش العلماء في اختصاصات وفّرت لهم دولهم كلّ إمكانات نجاحها بوسائل محلّية؟ في الخمسينات وفّرت وزارة الدّفاع الأميركية كلّ الدّعم لعالم اللسانيّات الرائد شمسكي ليؤسّس نظريّته العالمية حول النّحو الكوني. مجرّد التفكير في الوطن العربي في شيء كهذا قد يضع عالم اللسانيّات تحت الرقابة المشدّدة. وكيف يمكن للعالم والمبدع الفذّ أن يُقنع بجدوى مشروعه وهو إمّا يعيش في عالم فقره مدقع ومشكلة المواطن اليومية فيه توفير الرغيف وخلاص الفواتير؛ وإمّا يعيش في عالم ثروته كثيرة ومشكلة المواطن اليومية فيه كيف ينفق ماله على ما يسعده وليس العلم ممّا يسعد ولا الثفافة. هذا حالنا إن كان الزمن زمن سلم فإن هبّت الحروب القبليّة والطائفية والحزبيّة وما أكثرها، فإنّ البحث عن السلامة يصبح هو الهاجس.
هنا وهناك يمكن أن ينشأ عالم أو مفكّر "عربي" لكن ابحثوا في يوميّاته لتروا كم يحمل من صراعات مع الرسميّ وكم حملوا السلاح على فكره وكم هو مهدّد في معاشه أو في معاده؛ فإن وجدتم يوميّاته سعيدة سارعوا إلى مفكرته وتأكّدوا من تطابق الصفة مع الموصوف: فمن الممكن أن يكون لقبه من صنع السياسية والإعلام، فلأسباب لا تعلمها إلاّ هاتان الدائرتان قد نُفِخ فيه وصار بأمر منهما عالما ومفكّرا.
رغم كلّ ذلك، نحن اليوم أفضل حالا من الأمس. فهذه الثورة الرقمية وهذا العالم القرية الذي صار يطلّ علينا بلا إذن وبلا رقابة من مانعينا ومن الذين يحسبون علينا أنفاسنا، فيه جوانب يمكن أن تساعدنا على أن نخرج بلا تأشيرة إلى مكتبات العالم الرحبة. العالم الحرّ يقرأ اليوم ما نكتب حتى بلساننا العربي الذي أوهمونا أنّه لا يطير خارج أوطاننا وحتى إن كتبنا علوما جعلونا نعتقد أنّها غير مهمّة. هناك سيُحكم على عقلك قبل سحنتك ودون آراء مسبقة عنك كذات كاتبة أو دارسة، آراء يمكن أن يطلقها بنو جلدتك عليك ظلما وبطلانا. وأنت نفسك ستقرأ العالم الآخرَ بحريّة وستنعم بعلم في مصدره الحقيقي وبأدب خياله فيّاض وبأفلام ليس فيها حبّ وزواج ودسائس لعمدة البلد ولا تقاتل على " الترعة".. ستكون صافيا وأنت تقرأ بلا عُقد وبلا كدر.. عندها ستتعلم وأنت في الأربعين أو في الخمسين أو حتّى في السّتّين أوّل درس لم تتعلمه في حياتك: أن تفكّر بصفاء وبنقاء في العلم وقد صرت تنهل من نبعه الصحيح أو في الإبداع وقد صرت ترى أخيلته الكونيّة ولغته البسيطة الخالية من التعقيد والرمز المهترئ أو الكاذب وعندها لا يعنيك ما يقول عنك مديرك ولا وزيرك ولا ما يكتبه السعاة على الجذاذات لأنك ستكون عندئذ تقرأ مخطوطا نادرا على ورق البرديّ القديم وتتخلّص من كدر كنت تعتقده قدرا ستتنفس هواء العالم النقيّ برئتيك التي قيل لك ذات مرّة احذر فإنّها قد تتوقّف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق