الثلاثاء، 20 مارس 2018

الاستفهام والاستراتيجية الاستنتاجية

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي


إن تسألني ونحن في المقهى: هل أعجبك الشاي؟ وأجيبك بنعم أو بلا فذلك استفهام صريح لأنه يطلب به الاستخبار: هو عمل لغوي مباشر باصطلاح فيلسوف اللغة الأمريكي جان سيرل، وأحد مطوري نظرية الأعمال اللغوية التي هي واحدة من أبرز نظريات التداولية.




لكن أن يقول نزار قباني في قصيدة غزلية على لسان عاشق يخاطب امرأته (أأعجبكِ الشاي؟ /هل ترغبين ببعض الحليب؟/ وهل تكتفين كما كنتِ دوما بقطعة سكر؟) فإن الاستفهام لا يفيد كما نرى معناه الأصلي، بل يخرج إلى جملة من المعاني الأخرى؛ وبعبارة سيرل هو عمل لغوي غير مباشر.
إن تسألني وأنت تسخر مني أو أن أسألك وأنا أمدحك أو أتغزل بك أو أعبر بالاستفهام عن معنى غير الاستخبار، فهذا شأن مألوف في كلامنا اليومي. وفي هذه الحالة يفهم المخاطب دائما المعنى الثاني الذي حمله الاستفهام. لكن كم هو صعب إدراكيا أن يعالج الذهن هذا العدول من المعنى الأصلي (الاستخبار) إلى المعنى المطلوب (المدح، الذم، السخرية). يفيدنا سيرل بكثير من الملاحظات في شأن سيرورة الانتقال الذهني إلى فهم العمل غير المباشر المعني.
في العمل اللغوي غير المباشر يستند المتلقي إلى ما يسميه سيرل بمعلومات تستقى من الخلفية الثقافية أو الاجتماعية، وهذه المعلومات يمكن أن توفرها العناصر اللغوية في النص، ويمكن أن توفرها الثقافة الموسوعية المشتركة بين المتكلم والمخاطب. فسيرل يؤمن بما يسميه القصدية الجماعية التي تولدها اتفاقاتهم على جملة من السلوكات والسنن والمعتقدات بينهم، وتخدمها في التواصل باللغة قدرة كونية أن نحمل الكلام القديم دوال ليست له، وهذه قدرة رمزية متاحة لكل الناس شريطة أن يتم التفاهم بها بينهم.
سوف نفترض للاستفهامات في نص نزار قباني مقاما هو ضروري في رسم البعد التداولي لأي كلام، فما من كلام إلا وقد قيل في وضعية تواصل معلومة علينا أن نبنيها. سأفترض أن السائل في نص نزار عاشق محتف بامرأته (عشيقة، صديقة، زوجة) وأنه طبخ لها شايا وهو يسألها وقد ناولها كأسا وقد شربت منه: أأعجبك الشاي؟ لو أجابت المرأة بنعم لخرقت قواعد العلاقة الحميمية، ولكانت جوابا باردا لانتظار حار تخدمه حرارة الشعور والاحتفاء. فالرجل تكبد المشاق النفسية من أجل أن يكسر سنة شرقية: أن الرجل لا يطبخ شايا ولا غيره، وفعل هو ذلك ليبرز أنه محتف بمن يعشق مختلف عن الرجال. 
هذه بعض الخلفيات الثقافية والنفسية و الاجتماعية التي نفهم فيها الاستفهام، ويمكن القول إننا ينبغي أن نفهمه في خلفية سنن بعضها كسره السائل (أن يطبخ هو الرجل الشرقي بنفسه لامرأة) وبعضها على المسؤولة أن تحافظ عليه (التأدب وحميمية العلاقة مع العاشق). ولو أجابت بلا على السؤال فإنها ستقوض لا العلاقة العشقية، بل العلاقة الإنسانية إذ كيف لها أن تفعل والرجل ضحى بالغالي والنفيس من أجل إرضائها ؛ وسينقلب الموقف إن أجابت بالنفي وسيكون أي شخص أجاب بهذا الشكل خارج نواميس الضيافة وسنن التأدب. لا الجواب بنعم مقبول و لا الجواب بلا ولا حتى الجواب بلست أدري الذي ينفي الذائقة عنها ويحيطها بهالة من التردد. ليس السؤال إذن سؤالا، بل هو دعوة إلى أن تصفه بما يمتن علاقتهما العشقية.
بيّن سيرل أن الانتقال ذهنيا من عمل لغوي مباشر إلى عمل لغوي غير مباشر، أو من عمل لغوي ثانوي هو الحرفي (الاستخبار) إلى عمل لغوي أولي هو المقصود يكون بما يسميه استراتيجية استنتاجية. تعني هذه الاستراتيجية بشكل مبسط جملة من المراحل يتدرج عبرها الذهن ليفهم أن المقصود ليس الاستخبار بل غيره. فحتى تفهم المرأة أن رجلها لا يطلب أن تجيبه بنعم أو بلا، وأنه لا يطلب رأيها في الشاي، بل رأيها فيه هو عاشقا، على ذهنها أن يعالج الانتقال والعدول عبر مراحل سنبرزها لاحقا؛ كل ذلك ليتحقق مبدأ مهم في التواصل أكده غرايس، هو مبدأ التعاون الذي يتلخص في أن المتخاطبيْن لا بد أن يتعاونا وهما يتحاوران حتى يحدث بينهما التفاهم. 
في فهمها للسؤال من المفروض أن تقول المرأة إن سائلها لا يريد أن يعرف رأيها في الشاي فليس الشاي هو الذي يجمعهما، وأن يقودها ذلك إلى أن السائل العاشق يرديها أن تتعاون معه في التواصل وفي تمتين العلاقة العشقية، وأن إجابة بنعم لا تفيد شيئا، خصوصا أن السائل يعلم مسبقا أن الإجابة ستكون لو تمت بنعم. وهكذا فإن السؤال لا يخص السائل الشاي، بل السائل العاشق. سيدور في خلدها أنه بما أننا في لقاء حميمي وبما أنه يريد بطبخه الشاي بنفسه أن يعلم كم أنا مهمة لديه، فعلي أن أشكره على هذه الحظوة الكبيرة؛ وبما أن مقام الشكر مخصوص لخصوصية العلاقة العشقية، فإن عبارة شكرا أقل من أن توفيه حقه؛ عليّ أن أقول له كلاما في الحب، وفي أنه عاشق استثنائي، وفي أنه ألذ من الشاي الذي طبخ، وأنه يسري في فؤادي العاشق أعمق وأحلى من شايه الذي طبخه. هل أعجبك الشاي؟ لا يعني مضمونه أو محتواه القَضَوِي، على حد عبارة سيرل هو يعني دعوة إلى الغزل في كون كل أشياء الأحبة لها فيه طعم أصحابها.
لكن ماذا عن سؤال: هل ترغبين في بعض الحليب؟ من لا يعرف المعلومات الوقائعية التي هي خلفية أساسية له لا يمكن أن يفهمه. هذه المعلومة تخص التمييز بين الشاي العادي والشاي الإنكليزي؛ فإضافة الحليب إلى الشاي تنقله من شاي فاخر طرازي يُستهلك إلى شاي فاخر له طبيعة ثقافية خاصة. وهذا تخيير لا ينتج عنه فقط تغيير المذاق، بل تغيير الغلاف الحضاري، وحين يضاف الحليب إلى الشاي يجعله أكثـر سلاسة. لا أظن أن هذه المعلومات الوقائعية التي تتطلب من المرأة معرفة دقيقة بها تنتج في عالم شرقي محافظ أو تقليدي؛ هي تُنتج وتُفهم في محيط شرقي مفتوح على العالم وعاداته ليس هناك من الشرق لا العادات ولا السلوك ولا الشراب نفسه. الشرقي الوحيد هو اللغة والغرض الشعري؛ لكن اللغة مهلهلة توحي باليومي والغرض الشعري وهو الغزل لا يوحي أي شيء ظاهر فيه بالغزل، بل الغزل ثاوٍ في عمقه: يتحدث الرجل ويستفهم ويريد من امرأته أن تتغزل هي به ولم يعد الشعري مصنوعا بالصورة الشعرية، ولم تعد المرأة تجلس بفتنتها والشاعر كاميرا تصف ما يفتنه فيها؛ صارت المرأة في امتحان وعليها أن تفهم السؤال جيدا، وأن خلفه رجلا يكسر كل تقليد ويسحر لا بشايه، بل بمعنى ليس لدينا في العربية عبارته الدقيقة هو ما يقال له بالإنكليزية Courtesy وبالفرنسية Courtoisie وما يترجمونه بخيانة بعبارة تهذيب. وعلى العشيقة أن تتفطن إلى أن من ثار على معنى الفُحولة صار رجلا لا شرقيا ولا غربيا: صار رمزا كيانه رمز وسؤاله رمز فيه اختبار، ويا ويل العاشقة إن سقطت فيه لأنها عندئذ «ستكتفي كما كانت دوما بقطعة سكر».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق