الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

المحاكاة والمحاكاة القاتلة في اللغة

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
توجد في اللغات الطبيعية كلمات تسمّى المحاكيات، وهي كلمات يقال إنّ فيها محاكاة لأصواتها الطبيعية. وفي العربية لنا أمثلة من هذه المحاكيات في عبارات من نوع (خرير) لصوت الماء و(حفيف) لصوت أوراق الشجر وفحيح لصوت الأفعى مِنْ فِيها.
وبناء على هذه المفردات نشأ رأي قديم يقول إنّ أصل اللغة طبيعي وهو رأي يناقض آخر يقول، إنّ أصلها بشري أو مُواضَعِيّ. وفي العصر الحديث، نفى مؤسّس اللسانيّات الحديثة فردينان دي سوسّير أن تكون المحاكيات في أيّ لغة جزءا مهمّا فيها، فهي كلمات قليلة وأنّ طريقة المحاكاة تختلف فيها من لغة إلى أخرى؛ وأنّ أصل العلاقة بين الدّال والمدلول في اللغات هي» علاقة اعتباطيّة « فلا وجود في الكلم من شيء يبرّر تسميتنا كلمة ما بذلك الاسم وهذا عكس ما توحي به المحاكيات. 
مفهوم المحاكاة لا يمكن أن يتوقف – في دراسة اللغة – عند هذه الأفكار التي باتت معروفة، والتي تعرض في دروس اللسانيات العامة أو التاريخية على أنّها جزء من تاريخ التفكير اللساني المتجاوز. ذلك أنّ الحديث عن المحاكاة بما هي فعل تعلّم ورغبة هو الجديد الذي لم يلتفت إليه أصحاب النظر في اللغة، وهذا الرأي يعود الفضل في تأسيسه إلى الفيلسوف وعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي ريناي جيرار.
يعتقد جيرار أنّ المحاكاة فعل تعلّم وهو فعل أساسيّ في اكتسابنا الكثيرَ من الأنشطة كالكلام والمشي والأكل. ففي الكلام يقلّد الطّفل أبويه فيتعلّم منهم بالتقليد والمحاكاة، ويحاكي الطفل العالم من حوله في تعلم معالجة الأنشطة المختلفة. ولا نعتقد أنّ هذا الرأي يتعارض مع ما قاله نعوم تشومسكي من أنّ للإنسان لغة باطنة تولد معه، وله بالتالي نحو كونيّ باطن غير النحو الذي يتعلمه من لغته؛ وهما لا يتعارضان لأنّ ملكة اللغة لا تتعارض مع التعلّم الحكائي للغة الطبيعيّة الأمّ.
المهم أن الإنسان يحاكي ما يسمى عند جيرار بالمثال أو النموذج ولا يحاكي من اتفق؛ وهذا يعني أن فعل المحاكاة اللغوية مثلا هو فعل حكائيّ لا لكل من هبّ ودبّ من البشر، بل لنموذج معين هو الأمّ وفي درجة أقلّ الأب، وفي درجة أقلّ منهما الإخوة، أي المحيط الأسري الضيق. 
إنّ فكرة النموذج التي استند إليها جيرار في المحاكاة تعني ذلك الوسيط بين المادة المتعلَّمَة والذّات المتعلِّمة، ولنفترض أنّها الأمّ أو الأب. لا يُحكم على النموذج في المحاكاة حكما موضوعيا، بل حكما حسيّا شعوريا، ففي تعلّم اللغة يكون الأبوان النموذج أو الوسيط، لأنّ الطفل له معهما من الوقت والمعاشرة والإحساس ما يجعله يستسلم لقيادتهما له، ولذلك كانت الأم بالأساس أول البشر مصدرا لنقل اللغة والكلام للطفل، شأنه شأن بقية الأنشطة العرفانية. محاكاة التعليم هي محاكاة تفاعليّة وموجبة لأنّها توصل إلى التعلّم من دون أن تحدث مشاكل تهزّ العلاقة بالوسيط المعلّم؛ نحن في هذه المرحلة نتحدث عن محاكاة مثالية؛ فالمسموع والمرئيّ والمدرك حسّا ينقل بأمانة إلى ذاكرة المتعلّم الصغير، ويخزّنه بأمانة وهذا طبعا إن كانت مدركاته سليمة من أيّ عيب عصبي أو فسيولوجي. لكنّ هناك ضربا من المحاكاة آخر، وهو الذي يسميه جيرار محاكاة المنافسة، يحدث فيه تنافس بين الذات المتعلّمة (أو المحاكِي) والوسيط (أو المحاكَى) لا حول الموضوع في ذاته، بل حول تملّك الموضوع. والحقّ أنّ أيّ رغبة في التملّك (لا في التعلّم) تؤدّي إلى صراع قد يكون دمويّا قد يؤدّي إلى ما يسمّى بجريمة قتل الأبوين أو الباريسيدا.
توجد في التحليل النفسي، وفي اللغة عبارات موحّدة تجعل النظر إلى مسألة قتل الأب من هذا المنظار أمرا ممكنا. فنحن نجد الأمّ من ناحية بما هي موضوع رغبة في التملّك، واللغة الأمّ من ناحية أخرى بما هي موضوع رغبة فنّية في التملّك، ولا سيّما في حالات الإبداع؛ ويوجد الأبُ بما هو وسيط قد يصبح طرفا منافسا في الرغبة والأديب أو المبدع أو المعلّم من ناحية أخرى، بما هو وسيط يمكن أن يصبح طرفا في التنافس على التملّك الإبداعي الذي وسيلته اللغة الأمّ.
كلّ شيء في اللغة الأمّ يبدأ بالمحاكاة؛ وتكون الأمّ هي الوسيط المحاكَى مثلما يكون المعلّم في اللغة الثانية هو الوسيط. ولا يمكن أن يحدث في الحالة الأولى تطوّر من محاكاة التعلّم إلى محاكاة التملّك، وبالتالي لا يمكن أن تَحدث جريمة قتل الأبوين؛ فما يحدث في هذا الإطار هو محاولة لقتل اللغة الأمّ من فرط الرغبة في تملّكها والخوف عليها من العدوّ. ولقد عاش العرب ومازالوا يعيشون حالة من الخوف المَرَضيّ على اللغة الأمّ من متكلّمي اللغات الأخرى، أو حتّى من متكلميها المولعين باللغات الأجنبية. من حسن الحظّ أنّ ذلك ليس من شأن عامّة المتكلمين، بل يفعله رهط من أبناء اللغة يبالغون في الحفاظ عليه بعد مرحلة تملّكها ويعتقدون أنّ الآخرين الذين لا يتملكونها يمكن أن يُقدموا على قتلها. هذا الشّعور يمكن أن اللغة الأمّ من فرط المحافظة عليها وذلك بأن يكون المتكلم الأصلي محافظا عليها حدّ خنقها ويكون واقفا بالمرصاد أمام تطورها الطبيعي بتجدّد معجمها أو بتنوع استعمالاتها الأدبيّة، أو غير ذلك من الإجراءات التي تدخل أيّ لغة متطورة حيّة نامية. حماة العربية هم بالرغبة في التملك وفي التسلط يخنقونها ويسارعون إلى حتفها لكنّهم ليسوا المتحكمين فيها لأنّ العربية تتغير وتتجدّد وتواكب العصر، رغم الحِصار الذي يريد هؤلاء فرضه عليها وعلى كلّ تجديد. إنّ الاعتقاد في أنّ هؤلاء الحُماة المزيفين يتملّكون اللغة هو ما يجعلهم في تنافس مع متكلمين لها لا يرون مانعا من التجديد. وهؤلاء الحماة المتملّكون للغتهم الأمّ المفتخرون بهذا التملك، وكأنّه قصر عليهم، هم في الغالب قوم لا يؤمنون بالتخصّص ولا بجدوى اللسانيات التي تفنّد باسم العلم مقولاتهم، متطرفون في اللغة شعارهم قل ولا تقل ولا يهمهم لمَ عليك أن تقولَ كما يريدون أن تقول.
وقتل الأب اللغويّ قد يكون أظهر في الإبداع بعد أن ينتقل من محاكاة التعلّم إلى محاكاة التملّك. فالرغبة المحاكاتية ههنا موضوعها النصّ الإبداعي بما هو جنس أدبي؛ والأب الوسيط ثمّ المنافَس هو ههنا المبدع؛ ويتجاوز الأمر مجرّد اتّباعه وتقليده إلى الثّورة عليه. ولعلّ هذا ما حدث قديما في الشعر بين تيار تقليدي وآخر سمّاه أعداؤه شعرا محدثا. أراد المحدثون القدامى من أمثال أبي نوّاس أن يقتلوا امرئ القيس وكل واقف عبثا على الأطلال، أرادوا قتل الأب الوسيط النموذج فكسروا البنية وهلهلوا الشعر لغة وأساليب ومضامين. وهذا ما حدث في العصر الحديث مع تيار الرومنطيقية العربية من أمثال جبران وعترته، حين شنوا حملة على الشعر الكلاسيكي، وحاولوا قتل رموزه من أمثال شوقي والبارودي ؛ وكان هؤلاء قد حملوا من قبل حملتهم لقتل الأب الأديب واسترجاع عرش الأب المقتول قديما ولهذا سمّت المدرسة نفسها بمدرسة الإحياء والبعث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق