الثلاثاء، 9 يونيو 2020

لو كان إبليس عربيا… لانْصرف!

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي 
ما زالت هذه الجملة التي أوردها موفق الدين بن يعيش النحوي في شرح المفصل تثير انتباهي. ذكر ابن يعيش هذا الكلام وهو يتحدث عن أسباب منع الصرف” أو « الأمكنية» في الإعراب، وهو حرمان الاسم المعرب من الجر والتنوين. فقد اجتمع في «إبليس» سببان حرماه من الانصراف، وهما العلمية (أنه اسم عَلَمٌ) والأعجمية (كونه اسما غير عربي). لذلك لا يمكن أن تقول في الكلام (مررتُ بإبْليسٍ) بل (مررتُ بإبْليسَ). في سياق شرح مبسط، ومن باب شرح الشيء بما يخالفه، افترض النحوي أن إبليس كان من المكن أن يُعرب إعرابا تاما (رفعا ونصبا وجرا وتنوينا) لو لم يكن أعجميا. لأن العلمية بمفردها لا تمنعُ الصرف. إلى حد الآن يبدو الأمر عاديا في علم النحو، وإن كان ثقيلا على كارهي انضباط النحاة، وكلامهم على كلام الناس، بما لا يفهمه عامة الناس.

هذا الكلام لن يدور بخلد قارئ العنوان الآن وهنا. فما سيفهمه لا علاقة له بما قاله النحاة من منع الإعراب، ومن أن إبليس ههنا ليس إلا اسما علما أعجميا. لن يفهم القارئ العادي لهذا العنوان، أن المسألة تتعلق بحديث اللغة عن نفسها، وهذا ما يسمى لسانيا بالوظيفة الورلسانية للغة، فيها تستعمل اللغة كلماتها لكي تشرح نفسها، هو ضرب من انعكاس الكلام على مرآة لا يرى فيها إلا نفسه. الأمثلة في اللغة جميعا لها هذه الوظيفة الانعكاسية، كأن تستشهد في البلاغة بكلام على التشبيه بما هو نوع من علم البيان؛ لا بما هو ضربٌ من التعبير عن فكرة. حين تستعمل قوله تعالى «اشتعل الرأس شيبا» في سياق التعبير عن كثرة الشيب وسرعة انتشاره، فأنت تركز على الكلام من جهة قوته التعبيرية عن هذا المعنى؛ لكنْ حين يستعمل القول نفسه للحديث عن المجاز، وعن الآليات التي حدث بها في هذا القول ننتقل إلى الوظيفة الوَرَلسانية. العنوان يفهم في سياقه الاستعمالي الأول لا في السياق الذي تدور فيه اللغة على نفسها وتنعكس على ذاتها.
في السياق الاستعمالي الأول يفهم العنوان فهما لن يكون بسيطا، مثلما يُعتقدُ لأن القارئ الخالي ذهنه من معطيات النحو، لن يكون ذهنه خاليا من معطيات ثقافية خلفية، يقرأ بها إبليس في سياق هذه الجملة. يبني المتكلم المعنى كي يفهمه بناء يختلط فيه التأويل بالضمني بقسميه المقتضَى والملمح إليه. المقتضى هو كل ضمني يستنتج من كلمة أو عبارة تقال في كلام، فمثلا سيستنتج قارئ هذا العنوان من عبارة «لو كان عربيا» أن إبليس ينتسب إلى أمة أخرى، وهذا سيقلب لديه المعلومة الراسخة في خلفيته الثقافية: أن إبليس كوني وليس ابن أمة واحدة . وكونيته تعني من بين ما تعنيه أنه مثلا يُغوي العالم جميعا لا أمة دون أمة. وسوف يستنتج من كلمة «انصرف» أن إبليس لم ينصرف من موقع أو مكان ما، بل ظل ثابتا، وأنه لو كان عربيا لذهب وابتعد، وربما فهمت الجملة في سياق تعبدي قومي: إن إبليس لو كان عربيا لرحل من ذهن من يغويه… هذا الفهم سيكون ضربا من سوء التأويل، حين يعرف المرء أننا لا نتحدث في مستوى اللغة، بل في مستوى وَرَاء اللغة وأن إبليس- لعنه الله- لعب مرة أخرى بذهن القارئ، إذ لم يكن هنا إلا مثالا من أمثلة أهل النحو سامحهم الله.
لم يُحظَ عَلمٌ من الأعلام بالعناية في الكلام، بما حظي به إبليس في الحضارة الإسلامية. فهو ما يزال يذكر إلى يوم الناس هذا على جميع الألسن باللعنِ حتى باتت جملة (لعنة الله على إبليس) جملة مسكوكة تقال كاملة تامة، لا يمكن أن تنفصل أجزاؤها.
لكن قد يحدث أن يكون في ذهن بعض المشتغلين بالنحو شيطان ما يتلبس به ويدعوه إلى أن يبحث ما وراء استعمال هذا المثال بالذات في سياق نحوي: لماذا إبليس بالذات دون غيره من الأعلام الأعجمية؟ هذا السؤال غير مفيد عند النحاة ولا عند من اعتمد الأمثال الاصطناعية لتوضيح مسألة لغوية نحوية، أو بلاغية لذلك يرونه مسألة شيطانية. الحديث عن إبليس في الحضارة العربية الإسلامية يبنى دائما على خلفية ثقافية مخزنة. «إبليس» لن يتخلص من دلالته العقدية، وهو في سياق ينزعها عنه كسياق المثال النحوي المذكور، لا يمكن أن يصبح اسما محايدا من نوع (زيد وعمرو ) في أمثلة النحاة. الزاد المخزن حول الشيطان أو إبليس تقل كثافته في هذا السياق، لكنها لا تضمحل. وهذا الزاد وإن كان يزعج في سياق وَرَلساني فإنه أساسي ومفيد في سياقات أخرى. في قوله تعالى في القرآن (الصافات 65): «طَلْعُهَا كأنهُ رؤوسُ الشياطينِ». قال الطبري «الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها». شجرة الزقوم هي شجرة في جهنم تَحْرِق ولا تُحرقُ هي شجرة عجيبة ليس لنا إحالة ملموسة معلومة عليها مثلما لنا من الشجر المعلوم مثال عليها. واستعمل التشبيه في هذا السياق لتوضيح هذه الشجرة. فلنا شجرٌ مبهم من جهة التصور العيني، يشبه برؤوس كائنات هي بدورها مبهمة من جهة التصور العيني. لكن الشياطين برؤوسها اكتسبت بحكم الدوران في الأذهان والتمثل الأسطوري لها، بعدا من المواضعة العامة، التي إن نحن استخلصناها وصلنا بها بالتجريد إلى خطاطة: الشيطان له تصور خطاطي ورؤوسه بدورها لها تصور خطاطي لا يضعها في صورة القبح وحسب، بل يجعلها في نطاق الاشتعال الأبدي. فالشيطان كائن ناري أبدي النارية كذلك الزقوم. إبليس مثله مثل الشيطان، تملك بالاستعمال هوية تصورية مخزنة. الهوية التصورية هي هنا تصورية عقدية تكون النارية (لا النورية) والغواية من تركيبتها.. هذا لا يمكن أن نجده في اسم علم آخر مهما كان. أسماء الأعلام لها من الحياد والقدرة على الوقوع على الذوات ما يجعلها تطلق على الذوات بإعادة المواضعة، فمحمد وعلي وصالح وجان يمكن أن يتسمى بها أي كان، وتقع من جديد على مسماها ولا تحمل في ذاتها دلالة تصوريه؛ بينما إبليس لا تتسمى به إلا هذه الذات الشيطانية، وحين يطلق على ذات بشرية تشيطنت سيكون ذلك من باب التشبيه لا في الاسم، بل في رمزية الشر.
لم يُحظَ عَلمٌ من الأعلام بالعناية في الكلام، بما حظي به إبليس في الحضارة الإسلامية. فهو ما يزال يذكر إلى يوم الناس هذا على جميع الألسن باللعنِ حتى باتت جملة (لعنة الله على إبليس) جملة مسكوكة تقال كاملة تامة، لا يمكن أن تنفصل أجزاؤها. اللعن عمل لغوي بشري إلهي مثل الدعاء. أن تلعن هو في الحقيقة أن تدعو على الشيطان بأن يجعل غضب الله عليه أبديا. هو ضرب من الدعاء على الآخر، لكنه آخر افتراضي، يفترض اللاعن أنه حين يلعنه سيكون في مأمن من غوايته ومن الإيقاع به، هذا ظاهر الدعاء يعوذ فيها الداعي بالله من هذا الذي يمكن أن يتلبس به. لكنْ أليس اللعن أي الاستعاذة من الشيطان بالله حيلة لغوية تطلب الحماية من شيء قد يكون في لحظة أخرى مطلبا بشريا يسعى المرء إليه طوعا لا كرها يسميه بعد ذلك غواية من الشيطان والحق أنه كان مطلبا واعيا يخطط له المرء أياما وسنين ليفعله. الغواية اسم قد يقيم فيه المرء ما فعله بميزان الفضيحة العامة، ويتحلل من مسؤوليته الكاملة تجاه شيء محبوب ناله، رغم الحظر الأخلاقي أو الاجتماعي أو الديني. لو لم يكن إبليس موجودا بسلطة العقيدة لخلقه البشر حتى يلقوا عليه مسؤولية كثير من الشر، أو كثير من المرغوب فيه غير المباح. لكن إبليس ليس شيئا سلبيا إلى هذا الحد في نفوس من يغويهم حتى فهو ساكن في الأنفس، يزين ويغوي ولا ينصرف ولن ينصرف حتى لو كان….
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق