الثلاثاء، 9 يونيو 2020

مناعة القطيع في عصر طَرَفَة بن العَبْد

الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
لا أحد أكثر من اللسانيين إيمانا بأن اللغة مخبرٌ يمكن أن تتابع فيه كل التجارب الإنسانية فقط عليْك أن تعرف كيف تراقبها بعيون الدقة وبمجهر الحذر لا بعيون الطفيليين المتسرعين.



ذكرنا هنا أكثر من مرة رأيًا أثيرا عند العرفانيين، وسوف نعيده كلما دعت إلى ذلك الحاجة: إن الاستعارية أمر مرتبط بالذهن وليست البتة مشغلا لفظيا ولا زخرفا بيانيا. بعبارة أخرى إن الاستعارية يمكن أن تكون دليلَنا على الطريقة التي بها نبني الكون. بمناسبة الحديث عن الوباء التاجي (كوفيد- 19) أريد التوقف قليلا عند بعض ألفاظ استعارية، وردت على لسان الساسة في العالم حول هذا الفيروس، وما يمكن أن تخفيه تلك الألفاظ من أفكار مضمنة عن تصورهم لممارسة السياسة في هذه اللحظة الحرجة، وعن صورة شعوبهم للاستجابة لهذه السياسة.
قال الرئيس الفرنسي في كلمته إلى الفرنسيين يوم 16 مارس/آذار «نحن في حرب» وأعادها مرارا مشيرا إلى حرب الفرنسيين ومعهم العالم، على هذا العدو الفيروسي الخفي، لكن عبارة «نحن في حرب» ليست جديدة في خطاب العرش الفرنسي، إذ استعملها سلفه فرنسوا هولاند منذ خمس سنين، وهو يتحدث عن الإرهاب. أن يستعير السياسي للإرهاب ألفاظا يستقيها من تجربة الحرب، وأن يستعيرها للفيروس، فيعني ذلك أنه يدرك التجربتين من كوة تجربة وحيدة، ما تزال هي الأكثر تعبيرا عن الخطر الذي يهدد حياة البشر. لكن لمَ لا تكون استعارة الحرب أسلوبا سياسيا لا يراد منه حمل الناس على التوقي واليقظة الدائمة من عدو لا يعرف متى يهجم، ولا من أي بوابة يدخل؛ بل يراد منه صناعة سياسة جديدة تبدأ بالخوف وتنتهي بالإذعان؟ فما من حاكم يحكم إلا وهو مهوس بالكيفية التي يطيعه بها الناس ويكونون مساعدين لا معرقلين، ودعك من الديمقراطية والديكتاتورية، فهي ليست إلا صفات مساعدة أو ثانوية للنظام السياسي «العاجز من لا يستبد»، هكذا قال شاعر هو ابن أبي ربيعة، وكان أكثر الناس بعدا عن السياسة، عن أقوى قواعد الهيمنة.
أنْ يقول السياسي لشعبه إنهم يواجهون «حربا» على الإرهاب، فهذا يعني ضمن ما يعنيه انقلابا سلسا على قواعد اللعبة السياسية «الديمقراطية»، التي جاءت به إلى سدة الحكم، وأن يكون الرئيس في السلم رئيسا، فذلك يقتضي ممارسة لعبة الديمقراطية بجميع شروطها بين الحكومة والمعارضة؛ ولكن تسقط هذه الموازنات في زمن الحرب. تقتضي الحرب إعادة اصطفاف يكون فيه الشعب قوة واحدة يجتمع حول «قائد» محارب و»حكومة حرب» هي التي تستبد بالأمور. في الحروب يعود الرئيس إلى صورته القديمة، حين كان قائدا حربيا يخوض مع الأعداء حرب حدود وحرب وجود، والمهم أن الاصطفاف وراء القائد السائس لن تقابلها في الجهة الأخرى المعارضة بل الخيانة». «نحن في حرب» عبارة وراءها إرهاب، إن قيلت في سياق الإرهاب، ووراءها فيروس إن قيلت في سياق الفيروس.
يبدو أن السيادة تكون سلسة وأكثر تأثيرا بالتخويف، فحين أخيفك أستطيع أن أقودك حيث أريد، أقول لك نحن في حرب على الإرهاب، فأخيرك بين أن تموت غيلة أو تقتل عدوك حين تصطف معي.. أقول لك نحن في حرب على الفيروس الإرهابي فأخيرك بين أن تموت غيلة بطعنة لا تراها، وأن تسلم أمرك لأدبر نجاتك. في الحرب يصبح الوطن كله محورا واحدا هرميا، أساسه الواسع الشعب المحارب. إلا أن اللافت في هذا التصور من السياسية الحربية أنه مفهوم الشعب يتراجع ليظهر مفهوم الرعية ولنقل باستعارية قديمة مفهوم «القطيع».

في مناعة القطيع ستترك الشياه وشأنها ترتع وتقاوم قدرها الفيروسي «فإما حياة وإما فناء». وبالطبع لن يقول الراعي الحقيقي لشياه قطيعه أو لإبِلِه: «عائلات كثيرة، كثيرة جدا ستفقد أحباءها سيفقدون قبل أن يحين أجلهم».
عبارة «القطيع» لم تكن بعيدة عن خطابات الساسة هذه الأيام، ولا عن استراتيجياتهم في مقاومة هذا الفيروس الملكي. فقد وصف المتابعون للخطة الأولى التي بدأ اتباعها رئيس الوزراء البريطاني في «حربه» على الفيروس أنها خطة حمائية نقيضة لخطة « الحجر الصحي إذ أطلق عليها اسم «مناعة القطيع». لن ندخل في تحليل الفارق بين الخطتين فهذا ما نتركه حبا وكرامة لغيرنا من المحللين و المحرمين، لكنا نريد من خلال هذه الاستعارة أن نمعن النظر قليلا إلى ما يحدث في عقل السياسي وهو يستعمل هذه الاستعارات. (يعرف المدققون أننا لا نستعمل لفظة استعارة ههنا بالمعنى البلاغي الكلاسيكي).
إن كانت الحرب وسيلة لتجميع شتات الشعب فليس المهم في ذلك التجميع، فهذا من تحصيل الحاصل، بل المهم هو كيف يكون ذلك التجميع. هو أن يكون بالإذعان واتباع الراعي القائد، الذي يملك الخطط والاستراتيجيات، ويعرف متى يهاجم ومتى يتراجع، وفي كلمة يعرف الحل ويملكه. نحن هنا إزاء شعب تخلى عن «شعبيته»، ورجع إلى حالته الأولى حالة الرعية، حالة القطيع. القطيع طائفة من الغنم أو الإبل أو غيرها، مما يُرعى يتصرف على أنه مجموعة ترضى بما يوجهه بها راعيها؛ فيوفر لها الراعي ما به تعيش وتسلم له مقاداتها، وليس لها حل ولا وترحال ولا حياة ولا موت، إلا بما يدبر لها في الضحى أو في الليل.
ليس القطيع في منجاة عن الأوبئة، وحين يصاب القطيع بوباء يمكن أن يذهب منه بعض أو كثير، ويمكن أن يذهب جمعه. مناعة القطيع لا تنظر إلى النصف الفارغ من الكأس (طبعا هي لا تنظر إلى الكأس فارغا) بل إلى نصفه المليء، يموت من القطيع ما يمت (هذا قدرُ الله لا قدر السائس) لكن ما يبقى من القطيع سيكتسب مناعة، والولادة ستنتج أغناما أقوى، لأن الضعيفة أبيدت حاملة أسباب ضعفها معها. يمكن أن يلام على الراعي هنا أنه ما فكر إلا في الغد وفي الأقوى والأجدر بالراعي أن يكون مهوسا بكل القطيع. لذلك سيعمد بعض الرعاة الذين اعتمدوا خطة الحجر على القطيع إلى أن يحموه من نفسه ويرعوا فيه المصاب حتى يتعافى، لكن بشرط أن يقدر على ذلك، وتكون الأضرار خفيفة. بالطبع لن تسمع القطعان الحقيقية، أن الراعي سيحجر عليها وإلا لكانت رعت ذلك اليوم كل شيء ولم تترك لغيرها شيئا.
في مناعة القطيع ستترك الشياه وشأنها ترتع وتقاوم قدرها الفيروسي «فإما حياة وإما فناء». وبالطبع لن يقول الراعي الحقيقي لشياه قطيعه أو لإبِلِه: «عائلات كثيرة، كثيرة جدا ستفقد أحباءها سيفقدون قبل أن يحين أجلهم». وحتى إن قال لهم ذلك فلن يفقهوا شيئا مما يقوله ولن يعدوه مقامرا خادشا الإنسانية. ولن يعرف القطيع الحقيقي إن لهذه الجملة شبيها في تراث العرب قالها سياسي وقائد حربي هو الحجاج بن يوسف: «إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها». الاثنان راعيان، لكن واحدا يرى الموت يمكن أن يكون قبل وقته بمنظار الأحبة وهو في وقته بمنظار الرعاة.
إن ما أفرزته استعارتا الحرب والقطيع إلى اليوم ثلاثة أشياء يصعب شفاؤها هي: رَعْوَنَة الشعوب وترهيبها من الموت وإخضاعها للقيادة: بالحجر أو بالترك إزاء مصير تحكمه قدرة الفرد على المقاومة، على البقاء.
غلّقت الحدود وعطلت الدروس وكرهَ القطيع الاجتماع وبُني خطاب سياسي وإعلامي كوني ينتج الذعر، واستبد بإنتاج خطابات الخوف أفراد من القطيع لا يعرفون الصمت لحظة الصمت، ولا الحديث ساعة الحديث، وعاش الناس في خوف من خيالات الفيروس. وصارت القطعان بالخطاب السياسي والإعلامي والفوضوي فيروسات بشرية خائفة، تريد أن تعشش في أذهان آخرين، كي تصدق خوفها. لا أحد ينتظر الربيع إلا من كفر بالقطعان وأفردته «العشيرة» إفراد البعير المعبد من زمان.. ربما يصلح القطران كي يشفي بعيرَ «طَرَفَة» فقد اهترأت جلدته لا لامتطاء أبناء جلدته له، بل لأن عش الفيروس كان في الممتطِي لا في المطية.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق