الدكتور توفيق قريرة
القدس العربي
حين تغسل يديك كل يوم فهذا سلوك حِمائي، لك الحق أن تحدد فيه كيفيات الغسل بالطريقة التي ترى بها الحماية؛ وحين تغسل يديك في كل وضوء فإنك ستغسلها بقواعد الوضوء التي تعلمتها وفق ترتيب معلوم، ليس لك أن تخرج عليه. هنا صار لغسل اليد وظيفة رمزية، انتقلت عبر السنة وحافظت عليها الثقافة الإسلامية. وغسل اليدين هو مرحلة من المراحل التي ينبغي عدم فصلها عن البقية، ومعلوم أن غسلك اليومي ليديك شيء وغسلك لها عند الوضوء شيء آخر، ولكليهما دلالة رغم أن الطريقة يمكن أن تكون واحدة.
القدس العربي
حين تغسل يديك كل يوم فهذا سلوك حِمائي، لك الحق أن تحدد فيه كيفيات الغسل بالطريقة التي ترى بها الحماية؛ وحين تغسل يديك في كل وضوء فإنك ستغسلها بقواعد الوضوء التي تعلمتها وفق ترتيب معلوم، ليس لك أن تخرج عليه. هنا صار لغسل اليد وظيفة رمزية، انتقلت عبر السنة وحافظت عليها الثقافة الإسلامية. وغسل اليدين هو مرحلة من المراحل التي ينبغي عدم فصلها عن البقية، ومعلوم أن غسلك اليومي ليديك شيء وغسلك لها عند الوضوء شيء آخر، ولكليهما دلالة رغم أن الطريقة يمكن أن تكون واحدة.
لكن ماذا يسمى غسل اليدين في أيام الوباء هذه، أهو حركة حمائية من نوع غسلها قبل عهد الوباء الكوني، أم إنه انتقل إلى طور الطقوسية مثلما هو عليه غسل اليد في الوضوء، أو في غيره من الطقوس الدينية وغيرها؟
حين يصبح مشهد غسل اليد علامة دالة على الحماية وغيرها، وحين يصبح مقيدا بنظام، وله شروط يدخل في منظار الاهتمام العلامي أو السيميائي. بعبارة أكثر إيجازا، فإن مشهد غسل اليد إن شدك وفهمت منه شيئا، فكن على يقين أنه صار ظاهرة سيميائية حية تمارسها وتنخرط فيها كما تنخرط في أي تواصل مع غيرك. يقول اللساني برانت Per Age Brandt، إن السيميائية تعني أنطولوجيا دراسة المعنى، وتمظهراته في التواصل، أي من خلال سجلات مختلفة من العلامات الموجودة في الثقافات. ويضيف شيئا مهما على هذا التعريف المألوف للسيميائية حين يقول: «إن حقيقة المعنى ترتبط بحقيقة الذهن البشري، وباللغة وبغير اللغة من وسائل التواصل، التي تربط بين الأذهان، وتجعل البشر يتقاسمون الأفكار والمشاعر، وتأويلاتهم للحياة و مشاريع فعلهم فيها». فالمعنى بهذا في رأيه هو ظاهرة معيشة وبيذاتية (أي فيها توافق بين الذوات) وهو محتوى ذهني متقاسم بين الناس تقاسما احتماليا أو حقيقيا».
غسل اليدين هذه الأيام بات في العالم جزءا مما يمكن تسميته طقوسية الطهارة. طقوسية الطهارة هي طقوسية تعويذية، ويمكن أن نجد في» تاريخ المعتقدات والممارسات الدينية» (بالمعنى الذي في مقال مارسيل موس (1899) عن الطقوس الجنازية في الصين) كثيرا من هذه المعاني التي يتقاسمها الناس، ويؤولونها بما تقتضيه الممارسة وما يستوجبه الطقس. غسل اليدين بالطرق التي تحدد لنا اليوم في الومضات الإشهارية، صار يتجاوز النشاط الغُفْلَ الذي لا نفكر فيه ولا نتواصل به ولا نؤوله إلى نشاط علامي له دلالاته الكثيفة، التي تصل إلى درجة الطقوسية الطهورية. حين تؤكد الومضات الإشهارية في جميع أنحاء العالم على أن هذا الفيروس العالمي ليس له من حل مبدئي بعد الاحتجاب، إلا غسل اليدين وأن غسلها ينبغي أن يكون بطرق معلومة ولمدة معلومة، فاعلم أنك انتقلت من نشاط عادي إلى نشاط معقد ومشفر. ما عليك في ثقافة الإذعان هذه التي تحتمها رغبتك في النجاة، إلا أن تحفظ الطريقة التي تغسل بها وأن تتدرب عليها وأنْ تظل تغسل وقتا معلوما حددوه. الطقوسية تبدأ حين تنقل ممارسة ثقافية عبر قناة معينة وتكتسب بعدا رمزيا وتنتشر على نطاق واسع. تبدأ الممارسة المقننة بالتوحيد في الغسيل توحيدا لنا مثال له في تسلسل غسل أعضاء الجسد عند الوضوء، ولكن وفق قواعد معينة يعرفها الناس جميعا اليوم .ولكن الطهر في الوضوء للصلاة والصلاة للإقبال على المنسك طاهرا، وذلك جزء من سلامة العبادة التي هي شرط للسلامة في الآخرة من النار. سلامة الغسيل في أيامنا عاجلة: عدم الإصابة بالفيروس، والنجاة من نار أخرى فعلية ممكنة عند الموت باتت ممارسة في أيام الوباء هذه.
رمزية اليد في هذا السياق أنها باتت عضوا يمكن أن يحمل إلى المرء حتفه. طقوسية تنظيفها بالماء هي طقوسية قديمة العناصر، تحتفي بالماء مطهرا لأدران اليد، بمعناها الفيروسي الطبي وبمعناها الخيميائي السحري.
الرمزية التي تتطلبها الممارسة الثقافية ليست بذلك الحجم التراكمي الذي يحدث في الممارسات الطقوسية الممتدة على قرون وأجيال وليس لها المفعول السحري الذي في الطقوس القديمة؛ لكن الرمزي في غسل اليد حاضر بعد، وهو موضوع نظر لأنه يمثل في سيميائيا ثقل الرسالة التواصلية.
الرسالة التواصلية لا يمكن فصلها عن السياق الذي يطرح فيه الغسيل، بما هو نشاط يومي وقائي. ليست الوقائية شيئا جديدا في ثقافتنا اليومية ولا الطبية، لكن الجديد هو التبئير على هذا النشاط، باعتباره وسيلة للنجاة العاجلة. رمزية الغسيل الكبرى والعامة هي أن غسل اليد بما هو حركة مقننة، هو دال الرمز والنجاة من الموت هي مدلوله؛ والعلاقة بين الدال والمدلول في الرمز هي علاقة اعتباطية. من الناحية الطبية تبدو العلاقة بين الغسل والتطهير من الفيروس علاقة مؤشر وليست علاقة رمزية، كالتي بين النار والدخان، ولكن الرمزية تبدأ بالقفز على المتجاورين (الماء والفيروس في اليد) إلى الماء والحياة أو النجاة.
رمزية اليد في هذا السياق أنها باتت عضوا يمكن أن يحمل إلى المرء حتفه. طقوسية تنظيفها بالماء هي طقوسية قديمة العناصر، تحتفي بالماء مطهرا لأدران اليد، بمعناها الفيروسي الطبي وبمعناها الخيميائي السحري. مع الماء خلق الطب أو لنقل الكيمياء، المطهر أو المعقم يبدو المعنيان بعيدين، ولكنهما في الطقوس القديمة متلازمان؛ فبين الطهر والعقم صلة تاريخية، فالأرواح الشريرة تلد وتتكاثر مثلما تلد الفيروسات، وتتكاثر من رحم حيوانات شريرة نقلت إلينا العدوى. المُطهرُ معقمٌ في معنى أنه يقتل ويبيد المتكاثر المتعاظم الشرير. يحرقه ويبيده قبل أن يحرقك ويبيدك. اليد التي تغسل وتعقم هي أيضا يد تقتل وتحرق وتبيد: حكم على اليد أن تحيي وتميت أن تطلب الرحمة وتصنع الجنائز.
ليس غريبا على اليد أن تنسب إليها اللغة فعل الدنس، فهي تقتل وتسرق وتجني على الرأس بالقطع، وعلى الجسد بالتشرد، وتجني على نفسها أخيرا كما جنت براقش على سائر أهلها. كم حكيمة تلك القولة: (سلمت يدك) ففيها وعي بأن في سلامة اليد كثيرا من سلامة الجسد. الطقوسي لا قيمة له إن لم يكن مثلما يعتقد مارسال موس في دائرة ثلاثية تجمعه بالأسطوري والعقدي. الأسطوري هو الذي نعيشه بأسلوبنا الجديد، عبر دليل جديد للموت المعجل والموت المؤجل. لم يعد الموت والحياة ثنائية في هذه الأسطورة الجديدة للحياة أوان، وللموت أجل؛ صارت هذه الثنائية مسترسلاContinuum . في المسترسل يمكن أن يأتي الموت بالكوارث، فكأنه يأتي قبل ميعاده، ويمكن أن تطول الحياة حين يطول ما يسمى بـ«أمل الحياة» ويزيد. هذه أسطورية للطب فيها وللبيئة وللفاعلين فيهما دور الأرباب والآلهة في الأساطير القديمة. وهذا المسترسل يؤثر في «العقيدة الجديدة» لا بمعناها الكلاسيكي الثنائي، الذي كان فيها كائنان يتصارعان: مؤمن وغير مؤمن، لكل منهما عقيدة تتحدد بالخلف. لقد باتت العقيدة الجديدة تجمع بالتعايش الفريد طقسان هما، طقس الوضوء وطقس تعقيم اليد: يحمل المرء مطهرا في جيبه ويتوضأ أيضا لأوقات الصلاة، ويحمل في ذهنه عقيدة النجاة في الآخرة بالوضوء، وعقيدة النجاة بالمعقم من الوباء. وبالطبع لسنا ننفي وجودَ أحادييّ القطب: من يتمترسون وراء عقائدهم القديمة الواحدة، التي تقدس العلم وحده، أو تقدس الله وحده. والحكاية لا تنتهي عند هذا الحد، ذلك أن طقس الغسيل هو ككل طقس يأتي مثلما يقول جان دنيالو، لكي يذكر الآلهة بوعدها، آلهة الدواء أو آلهة الداء أو الآلهة التي تخلق الداء وتخلق الدواء. تنويه أخير: الآلهة يمكن أن تكون بعدا بشريا مثلما هو الأمر في كثير من الأساطير القديمة.
الرسالة التواصلية لا يمكن فصلها عن السياق الذي يطرح فيه الغسيل، بما هو نشاط يومي وقائي. ليست الوقائية شيئا جديدا في ثقافتنا اليومية ولا الطبية، لكن الجديد هو التبئير على هذا النشاط، باعتباره وسيلة للنجاة العاجلة. رمزية الغسيل الكبرى والعامة هي أن غسل اليد بما هو حركة مقننة، هو دال الرمز والنجاة من الموت هي مدلوله؛ والعلاقة بين الدال والمدلول في الرمز هي علاقة اعتباطية. من الناحية الطبية تبدو العلاقة بين الغسل والتطهير من الفيروس علاقة مؤشر وليست علاقة رمزية، كالتي بين النار والدخان، ولكن الرمزية تبدأ بالقفز على المتجاورين (الماء والفيروس في اليد) إلى الماء والحياة أو النجاة.
رمزية اليد في هذا السياق أنها باتت عضوا يمكن أن يحمل إلى المرء حتفه. طقوسية تنظيفها بالماء هي طقوسية قديمة العناصر، تحتفي بالماء مطهرا لأدران اليد، بمعناها الفيروسي الطبي وبمعناها الخيميائي السحري. مع الماء خلق الطب أو لنقل الكيمياء، المطهر أو المعقم يبدو المعنيان بعيدين، ولكنهما في الطقوس القديمة متلازمان؛ فبين الطهر والعقم صلة تاريخية، فالأرواح الشريرة تلد وتتكاثر مثلما تلد الفيروسات، وتتكاثر من رحم حيوانات شريرة نقلت إلينا العدوى. المُطهرُ معقمٌ في معنى أنه يقتل ويبيد المتكاثر المتعاظم الشرير. يحرقه ويبيده قبل أن يحرقك ويبيدك. اليد التي تغسل وتعقم هي أيضا يد تقتل وتحرق وتبيد: حكم على اليد أن تحيي وتميت أن تطلب الرحمة وتصنع الجنائز.
ليس غريبا على اليد أن تنسب إليها اللغة فعل الدنس، فهي تقتل وتسرق وتجني على الرأس بالقطع، وعلى الجسد بالتشرد، وتجني على نفسها أخيرا كما جنت براقش على سائر أهلها. كم حكيمة تلك القولة: (سلمت يدك) ففيها وعي بأن في سلامة اليد كثيرا من سلامة الجسد. الطقوسي لا قيمة له إن لم يكن مثلما يعتقد مارسال موس في دائرة ثلاثية تجمعه بالأسطوري والعقدي. الأسطوري هو الذي نعيشه بأسلوبنا الجديد، عبر دليل جديد للموت المعجل والموت المؤجل. لم يعد الموت والحياة ثنائية في هذه الأسطورة الجديدة للحياة أوان، وللموت أجل؛ صارت هذه الثنائية مسترسلاContinuum . في المسترسل يمكن أن يأتي الموت بالكوارث، فكأنه يأتي قبل ميعاده، ويمكن أن تطول الحياة حين يطول ما يسمى بـ«أمل الحياة» ويزيد. هذه أسطورية للطب فيها وللبيئة وللفاعلين فيهما دور الأرباب والآلهة في الأساطير القديمة. وهذا المسترسل يؤثر في «العقيدة الجديدة» لا بمعناها الكلاسيكي الثنائي، الذي كان فيها كائنان يتصارعان: مؤمن وغير مؤمن، لكل منهما عقيدة تتحدد بالخلف. لقد باتت العقيدة الجديدة تجمع بالتعايش الفريد طقسان هما، طقس الوضوء وطقس تعقيم اليد: يحمل المرء مطهرا في جيبه ويتوضأ أيضا لأوقات الصلاة، ويحمل في ذهنه عقيدة النجاة في الآخرة بالوضوء، وعقيدة النجاة بالمعقم من الوباء. وبالطبع لسنا ننفي وجودَ أحادييّ القطب: من يتمترسون وراء عقائدهم القديمة الواحدة، التي تقدس العلم وحده، أو تقدس الله وحده. والحكاية لا تنتهي عند هذا الحد، ذلك أن طقس الغسيل هو ككل طقس يأتي مثلما يقول جان دنيالو، لكي يذكر الآلهة بوعدها، آلهة الدواء أو آلهة الداء أو الآلهة التي تخلق الداء وتخلق الدواء. تنويه أخير: الآلهة يمكن أن تكون بعدا بشريا مثلما هو الأمر في كثير من الأساطير القديمة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق